الخميس 24 محرم 1424 هـ الموافق 27 مارس 2003 ارتبطت مظاهر العمارة اليمنية بالأحجار منذ القدم حيث ظلت الاحجار ولا تزال مادة البناء المفضلة عند اليمنيين على الرغم من ادخال المواد الحديثة كالخرسانة ، المسلحة والحديد والبلاط والطوب في العمارة الحديثة بل ان غالبية الناس اصبحوا يجمعون بين المواد المستحدثة وبين الحجر المصقول رغم التكاليف الباهظة لذلك. ويعزى الكلف بالاحجار وتفضيلها لدى اليمنيين الى عوامل شتى جعلت اليمنيين يحرصون على تزيين منازلهم بها. ويقول المهندس المعماري حسن منصور علي: يرجع حرص اليمنيين على البناء بالاحجار الى اسباب موضوعية ونفسية وعلى مستوى الاسباب الموضوعية نعرف ان الطبيعة اليمنية تزخر بمحاجر كثيرة للاحجار موزعة في مختلف مناطق البلاد وهذا الوضع خلف تنوعاً وتعدداً في الاحجار من حيث ألوانها فهناك الحجر الأسود والأخضر والأحمر والرخامي والأبيض والأصفر الى غيرها من الألوان التي لا يتسع المجال لسردها وذكرها كما ان الاحجار في اليمن تختلف من حيث مقاومتها ومتانتها من نوع الى آخر ومن منطقة الى اخرى وبالتالي فهي الى جانب انها ذات ألوان جذابة ومتعددة تضفي على البناء مظهراً جميلاً يشد اليه الناظرين فإنها في الوقت ذاته اكثر مقاومة للظروف المناخية وأحوال الطقس المختلفة. ولهذا فإن أغلب اليمنيين ـ إن لم نقل جميعهم ـ يجدون في الاحجار مادة بناء صلبة تعمر لسنين طوال الى جانب انهم يجدون فيها تنوعاً في الخيارات تتيح لهم تشكيل منازلهم على النحو الذي يبتغونه خاصة في اختيار انواع العقود وأساس البناء والسقوف فمثلاً جميع الذين يقومون بتشييد منازلهم يختارون لأساس البناء ومداميكه حجراً من نوع محدد معروف بصلابته القوية وهذا الحجر يطلق عليه «العباصيري» وهو معروف بمقاومته لتسرب المياه والملوحة ولهذا نجد في اسفل العمارة اليمنية هذا النوع من الحجر ذا اللون شديد السواد يعلوه لون آخر هو لون واجهة البناء الى النوافذ حيث تأخذ بعدها عقود النوافذ المقوسة ألواناً أخرى ونادراً ما يكون لوناً واحداً للعمارة الواحدة وهذا النوع يطلق عليه الحجر «الحبش». ويتميز بصلابته الشديدة حيث يصلح لمثل تلك العقود التي تكون في العادة معلقة على شكل اقواس ثم يأتي تاج العمارة أو الاطار السقفي الذي يتخذ هو الآخر شكل نقوش وزراكش ملونة تعطي البناء مظهراً خلاباً وكل هذا التنوع للاحجار اليمنية موجود وتزخر به الطبيعة ويؤدي الأغراض المتوخاة منه. أسباب نفسية ويستطرد المهندس المعماري قائلاً: أما الأسباب النفسية التي تقف وراء كلف اليمنيين باستخدام هذه المادة في البناء فهي كثيرة أولها أن الصورة النموذجية للعمارة اليمنية التي يحبذها الجميع هي تلك الصورة التي تكرست في نفس اليمني منذ القدم وهي ان الابنية العتيقة والقديمة والتي لا تزال شاخصة حتى يومنا هذا أو ما تبقى منها بنيت جميعها بالاحجار ولهذا اصبحت تلك البنايات بأحجارها التي لا تزال تقاوم الزمن هي الصورة المثلى لما ينبغي ان يكون عليه منزل الاسرة اليمنية فنجدهم جميعاً يسعون الى تمثل ذلك النموذج المرسوم في الواقع وفي النفسية على حد سواء وهذا الميل لنموذج معماري موجود لدى كل المجتمعات لكن الحرص عليه في اليمن بشكله الحالي شبه الموحد قد كرس سلوكاً واحداً والتفاخر بنمط من الاحجار وابتكارات تتجدد باستمرار الأمر الذي اصبح معه شكل العمارة واحجارها تدل على صاحبها ومكانته الاجتماعية. التفاخر بالحجر وحول ما إذا كان هناك ميل لا مبرر له في التفاخر بالبناء بالاحجار المصقولة لا سيما اذا ما عرفنا ان ذلك يكلف كثيراً مقارنة بالبناء بالطوب يقول حسن منصور: بطبيعة الحال كلفة البناء بالاحجار تكلف ضعفي البناء بالطوب وأحياناً ثلاثة أو أربعة أضعاف اذا ما أخذنا في الاعتبار الصقل ونوعيته والتشكيلات وأحجامها وأنماطها لكن كما قلت سابقاً أصبح الأمر يرتبط بدوافع نفسية متجذرة في نفوس الافراد شكلت في تجذرها أذواق الناس وميولهم وعلى أي حال لكل شيء ثمنه وقيمته فالمنزل المشيد بالأحجار يعادل ثلاثة الى اربعة اضعاف المنزل المشيد بالطوب أو الياجور ولهذا يعتبر كل انفاق زائد على العمارة يحتفظ بقيمته حتى مع مرور الزمن على عكس البناء بالطوب والبلك الذي تتناقص قيمته مع مرور الزمن نظراً لقابليته للتآكل السريع ولهذا نجد ان الكثير من الناس الذين استخدموا مثل تلك المواد في البناء عادوا وألبسوها بالأحجار ليكسبوها بذلك النمط المعماري السائد والمقبول لأن الذوق العام حسب تعبير اخواننا المصريين «عايز كده» وبالتالي الناس يحاكون بعضهم بعضاً ومع الاسف ان هذا السلوك بقدر ما هو عامل مساعد على آلحفاظ على الطراز المعماري السائد في البلاد. إلا انه قد حال ولا يزال دون تشييد منازل رخيصة الكلفة خاصة لذوي الدخل المحدود والملاحظ في هذا الصدد ان ذوي الدخل المحدود انفسهم يسعون دائماً الى التقليد ومحاكاة الطراز المعماري السائد حتى أولئك الذين لا يقدرون على البناء بالاحجار باهظة الكلفة اذا ما شرعوا في بناء منازلهم فإنهم يتركون اسفل البناء شريطاً بارزاً من الاحجار على أمل ان يقوموا في مرحلة لاحقة اذا ما تحسنت ظروفهم المادية بتلبيس البناء بالحجارة. لا قوانين للعمارة ويرى المهندسون المعماريون ان الطراز المعماري الموحد في اليمن لا يعزى الى وجود قوانين منظمة تحدد نمط العمارة وشكلها بقدر ما يعود الى تواتر العادة والسلوك والمحاكاة بين الناس فليس هناك قوانين وانظمة تحدد طبيعة البناء سوى في المدن التاريخية التي تلزم الساكن بالتقيد بالفن المعماري لتلك المدن. وحتى لو وجدت مثل تلك الضوابط خارج اطار المدن التاريخية فهي لن تحترم وتطبق على غرار الكثير من القوانين التي لم تنفذ ولهذا فمن حسنات هيمنة ذوق واحد في المعمار اليمني انه حافظ على الطراز التقليدي للبناء. ويقول علي النصير «مقاول بناء» انه من واقع اشتغاله في هذا القطاع منذ ما يزيد على عشرين عاماً يلاحظ دائماً ان العديد من الناس رغم حاجتهم الماسة لمنزل يأويهم يتأخرون سنوات عن الاقدام على بناء المساكن حتى تتوفر لديهم الامكانات اللازمة للتشييد بالأحجار ويترددون كثيراً في البناء بغيرها من المواد الاخرى، رغم ما سيوفره لهم ذلك من تكاليف باهظة. والعجيب أن أغلب هؤلاء عندما تسألهم عن السبب يردون ان آباءهم وهم نشأوا في قراهم داخل منازل مبنية بالاحجار وقليلاً ما نجد منهم من يقول ان البناء بالطوب سيكلفهم صيانة وطلاء من حين لآخر على الرغم من ان هذا السبب الاخير يبدو مقنعاً ووجيهاً اذا ما عرفنا ان الابنية المشيدة بالاحجار لا تتطلب أية صيانة أو طلاء بل ان الحجر يظل على مدار الزمن محتفظاً بلونه الذي لا يتغير أبداً. الطوب لا يقاوِمْ ويرى المهندس جمال الشرعبي ان هناك أمراً قد يدفع الناس للعزوف عن البناء بالطوب في اليمن وهو انه لا توجد معامل اختبار لمقاومة الطوب يمكنها ان تقيس قوة مقاومة تلك المادة وقد ظهرت اعمال غش كثيرة في صناعة الطوب ما جعل الكثيرين يتخوفون من ان يشيدوا منازل قد تنهار عليهم في يوم من الأيام، وأعتقد انه اذا ما وجدت مواصفات دقيقة يتقيد بها منتجو الطوب لأقبل الناس على استخدام هذه المادة في البناء، ولهذا فإن تخوفهم له مبرراته ما دام هناك غياب للرقابة ولنظام مواصفات صارم. ويستدرك الشرعبي قائلاً: طبعاً هذا لا ينفي الأسباب النفسية العميقة وراء عشق اليمنيين للأحجار ولعل أبرز تجليات تلك الأسباب ما بدأ يظهر خلال السنوات الأخيرة من ولع زائد بالأحجار وقد امتد هذا الولع الى داخل المنازل ولم يعد مقتصراً على المظهر الخارجي اذ تجد ان الناس يتباهون اليوم بتغليف الجدران الداخلية للصالات أو المجالس بأحجار مصقولة وملونة يضعونها على أشكال نقوش وزينة وأحياناً تُنحت عليها عبارات بخط جميل أو آيات قرآنية أو ترسم عليها شجرة نسب صاحب المنزل وهذه العادة مرشحة لمزيد من الانتشار خاصة في وسط كبار المسئولين والاغنياء بل ان هناك منهم من اصبح ينحت بوابته نحتاً فنياً بصخرة كبيرة بدواعي المفاخرة والتباهي أمام الأقران والغير لا سيما وأن مثل تلك النحوت الضخمة تكلف أموالاً طائلة يسعى أصحابها الى التعبير بها عن مكانتهم الاجتماعية والسياسية أو عن حجم ثرواتهم. من الواضح أن لليمنيين أسبابهم في تشكيل منازلهم على النحو الذي يرغبون لكن بالمقابل هناك كثير من اليمنيين لهم أسبابهم الخاصة من أن هذا السلوك قد حال دون توجه أصحاب رؤوس الأموال الى الاستثمار في تشييد منازل شعبية يستفيد منها عموم الناس ويرون في ذلك تكديساً للثروة لا طائل منه ولا مبرر له سوى التفاخر في البنيان خاصة عندما يمرون بقصور أشبه بقصور ألف ليلة وليلة تعود بعضها الى من يقولون عنهم إنهم ينهبون ثروات الشعب لتشييد مثل تلك المساكن الضخمة.