الاربعاء 23 محرم 1424 هـ الموافق 26 مارس 2003 سيبقى الغزو الأميركي غير المبرر وغير الشرعي للعراق حدثاً مشيناً في التاريخ، كما ان المجرمين السياسيين في واشنطن الذين شنوا هذه الحرب والاوغاد في الاعلام، الذين يحتفلون بحمام الدم هذا قد جللوا تلك البلاد بالعار. فمئات الملايين من شعوب العالم يشعرون بالقشعريرة ازاء هذا الحجم من القوة العسكرية الوحشية وغير المنضبطة التي تكتسح بلداً لا حول له ولا قوة. ان غزو العراق هو حرب امبريالية بالمعنى الكلاسيكي للكلمة: عمل عدواني خسيس ينفذ خدمة لمصالح أكثر القطاعات رجعية وجشعاً في الطغم المالية والتجارية في الولايات المتحدة. وهدفه الحقيقي المباشر هو السيطرة على موارد العراق النفطية الضخمة وتحويل ذلك البلد المضطهد طويلاً لمجرد محمية استعمارية أميركية. إن كل التبريرات التي قدمها بوش وإدارته المتواطئون معه في لندن قائمة على انصاف الحقائق والتضليلات والأكاذيب الفجة. وفي هذه المرحلة اصبح بالكاد من الضروري الرد على المزاعم بأن هدف هذه الحرب هو تدمير ما يسمونه «أسلحة الدمار الشامل العراقية». فبعد اسابيع من عمليات التفتيش التي لم يسبق لبلد في العالم ان تعرض لها لم يثبت اكتشاف أي شيء ذي شأن، ودحضت تقارير رئيسي فريق التفتيش الدوليين هانز بليكس ومحمد البرادعي كل البيانات التي تقوم بها وزير خارجية أميركا كولن باول في خطابه المشئوم يوم 5 فبراير 2003. وربما اكثر التبريرات التي قدمتها ادارة بوش سخفاً وسخرية هو الادعاء بأن هذه الحرب تشن لجلب الديمقراطية للشعب العراقي. وهذه الفكرة هي التي كانت الاكثر استخداماً من جانب الجهلة الذين يلعبون بأوتار الافكار المتعصبة من امثال توماس فريدمان الكاتب في صحيفة «نيويورك تايمز» الذي كتب في 19 مارس ان «الاطاحة بصدام حسين ومساعدة العراق على استبدال نظامه لتحل مكانه حكومة محترمة خاضعة للمحاسبة يمكن ان تكون النموذج الذي يحتذى في الشرق الأوسط يستحق المحاولة ـ ليس لأن العراق يهددنا بأسلحته (والتي كان فريدمان قد اعترف مسبقاً بأنها ليست هي القضية) ولكن لأن ما يهددنا هو مجموعة من الدول العربية الإسلامية التي تفسح المجال أمام أجيال شابة تحس بالمهانة والكبت والتخلف. إن لدينا مصلحة حقيقية في الشراكة مع هؤلاء من أجل التغيير». ما هذه الفذلكة الدنيئة؟ قتل ألوف من العراقيين تحت عاصفة من القصف يقدم لنا على أنه «شراكة»! وهنا لابد من ذكر نقاط موجزة رداً على مزاعم «حرب الديمقراطية» هذه. فبغض النظر عن حقيقة ان وصول ادارة بوش للسلطة عبر فساد انتخابي يمثل بحد ذاته هزيمة للديمقراطيين في الولايات المتحدة، ليس هناك أي منطق يجعلنا نصدق ان غزو الأميركيين للعراق سيأتي لشعبه وشعوب المنطقة الأخرى بأي شيء غير مزيد من القمع والبؤس. والدور التاريخي لأميركا في الشرق الأوسط ما هو الى سجل حافل بالجرائم الدموية ضد شعوب المنطقة. فكل حكومة متحالفة مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وشمال افريقيا توصف من جانب وزارة الخارجية الأميركية بأنها دولة تنتهك بالكامل حقوق الانسان. اما اسرائيل وهي النموذج الذي تقدمه أميركا للديمقراطية فهي تحكم الشعب الفلسطيني بأسلوب الارهاب السافر. والأسلوب الذي يتبعه الصهاينة في الاراضي المحتلة يقترن كل يوم مع الاسلوب النازي. وفي إيران أدى ربع قرن من القمع الوحشي للشعب من جانب طاغية نصبته السي آي ايه الى ثورة 1979. ووقوع السلطة في يد اليمين الإسلامي كان في معظمه نتيجة لتحطيم المعارضة التي قادها اليسار ضد الشاه وهو التدمير الذي اشرفت عليه السي آي ايه. إن أياً من الحجج التي قدمتها ادارة بوش وفريقها الاعلامي ـ إلى جانب فقدان الشرعية طبعاً ـ لا يوفر تبريراً شرعياً للحرب. لكن يجب علينا هنا التأكيد على ان ادارة بوش، وقبل شنها الحرب، كانت تبنت مبدأ استراتيجياً. جديداً يؤكد شرعية «الحرب الاستباقية» أو «الحرب الوقائية»، والتي تعني ان واشنطن تحتفظ لنفسها بالحق في الهجوم على أية دولة تحكم عليها بأنها تمثل تهديداً محتملاً للولايات المتحدة. ووفق هذا المبدأ ليس هناك ولو دولة واحدة في العالم لا يمكن ان تجد نفسها في لحظة ما تتعرض لهجوم أميركي. وقد استعاد بوش في خطابه يوم 17 مارس عشية الهجوم على العراق هذا المبدأ باعتباره التبرير الأخير للهجوم على العراق: «إننا نتحرك الآن لأن مخاطر عدم التحرك ستكون أكبر بكثير. ففي غضون سنة أو خمس سنين ستتضاعف مقدرة العراق على إيقاع الضرر بالأمم المتحدة». وبمعنى آخر فإن الولايات المتحدة ستهاجم العراق وهو لا يزال ضعيفاً من دون مقدرة على الدفاع عن نفسه، ليس لأفعال قام بها، بل لأفعال يمكن أن يكون قادراً على القيام بها في وقت ما في المستقبل. ويبدو غزو العراق وفق هذا المبدأ الحرب الأولى في سلسلة من «حروب الاختيار» التي ستشنها الولايات المتحدة للحفاظ على هيمنة مطلقة على العالم. ويجب تدمير المتحدين المحتملين لهذه الهيمنة قبل أن يصبحوا خطراً واضحاً. إن هذا التمجيد السافر للحرب باعتبارها وسيلة مشروعة من وسائل السياسة الامبريالية العالمية يمثل اعتداءً سياسياً وأخلاقياً مرعباً. فالجزء الأكبر من القانون الدولي قد تطور نتيجة التجربة الدموية التي عاشها العالم في النصف الأول من القرن العشرين. فمذابح الحرب العالمية الأولى بين عامي 1914 و1918 التي ذهب ضحيتها عشرات الملايين من البشر أدت لجدل شرس حول المسئولية عن التسبب في العداوات وقضية «إدانة الحرب». وراء هذا الجدل كانت الفكرة الأساسية القائلة ان قرار حكومة ما بالشروع في حرب وتوظيفها كوسيلة لتحقيق أهداف سياسية معينة هو فعل إجرامي. وبالنسبة للحرب العالمية الأولى ورغم تعقيد أسبابها، فإن هناك أدلة مهمة على أن قرارات الحكومة الألمانية كانت المسئولة الأكبر عن الحرب. وقضية «إدانة الحرب» اكتسبت أهمية أكبر نهاية الحرب العالمية الثانية. فالمسئولية الساخرة للرايخ الثالث عن اندلاع الحرب عام 1939 أدت لقرار قوات التحالف، والتي كانت أميركا الطرف الأقوى فيها، بعرض زعماء ألمانيا السابقين على المحاكم. وقد أصر المدعي العام الأميركي تلفورد تايلور في تأطيره للمبادئ القانونية الداعمة لمحاكمة قادة النازية في نورمبرغ على أن هدف هذه المحاكمات ليس تحديد كل الأسباب المتباينة للحرب العالمية الثانية. وإنما هناك قضية محددة مهمة. وعن ذلك كتب تايلور مذكرة لكبير المحققين الأميركيين روبرت جاكسون جاء فيها: «إن مسألة التسبب بالحرب مهمة وستبقى موضع نقاش لسنوات، لكن ليس لها مكان في هذه المحاكمات التي يجب ان تقتصر بالكامل وبقوة على مبدأ ان التخطيط لحرب عدوانية وشنها أمر غير شرعي مهما كانت العوامل التي جعلت المتهمين يخططون لهذه الحرب ويشنوها. ويمكن للمتهمين ان يدافعوا عن انفسهم بالأسباب التي دفعتهم لقرارهم هذا أمام التاريخ ولكن ليس أمام هذه المحكمة». وقد كان بحكم المتفق عليه حينها ان محاكم نورمبرغ عام 1946 تشكل سابقة قانونية كبرى. وكان الهدف منها إرساء مبدأ في القانون الدولي يقول إن التخطيط لحرب عدوانية وشنها هو عمل اجرامي. وقد ألزم ممثلو الولايات المتحدة أنفسهم بهذا المبدأ واعترفوا بأنهم سيتبعونه. ومثلما كتب جاكسون: «إذا كانت بعض انتهاكات المعاهدات أعمال اجرامية، فإنها تبقى جرائم سواء كان من ارتكبها الولايات المتحدة أو ألمانيا ونحن غير مستعدين ان نلقي باتهامات بسلوك اجرامي على الآخرين ما لم نكن مستعدين لقبولها ضد أنفسنا». إن «حرب الاختيار» التي أعلنتها ادارة بوش بدون أي سند قانوني لا تختلف جوهرياً عن قرارات وأفعال القادة الألمان الذين أعدموا من أجلها في اكتوبر 1964. والحكومة الأميركية تعرف هذا تماماً ولهذا السبب فهي ترفض ان ينطبق عليها السلطان القضائي لمحكمة الجرائم الدولية في لاهاي. إن حقيقة كون الولايات المتحدة هي من تتسبب بهذه الحرب أمر لا مراء فيه. فالهدف الرئيسي للحرب هو السيطرة على موارد العراق النفطية. وكل المحاولات لإنكار الدور المركزي للنفط في السعي الأميركي لغزو العراق لا تخرج عن نطاق الخبث والكذب. فليست هناك موارد طبيعية أخرى لعبت مثل هذا الدور المركزي في الحسابات السياسية والاقتصادية للنزعة الامبريالية الأميركية على مدى القرن الماضي مثل النفط والغاز. وهذا الهاجس لا يقتصر فقط على أرباح الشركات النفطية الأميركية فقط. فالصناعة الأميركية واستقرار الموقف المالي الأميركي وهيمنتها على العالم تعتمد كلها على السيطرة الكاملة غير المنقطعة على موارد النفط الضخمة في الخليج، ومؤخراً بحر قزوين. ويمكن أن ندرس تاريخ السياسة الأميركية الخارجية واستراتيجيتها العسكرية على مدى العقود الثلاثة الأخيرة من وجهة نظر اقتصادية فحسب باعتبارها ردة فعل على «صدمة النفط» عام 1973 حينما أعلن العرب حظرهم النفطي رداً على الحرب العربية الإسرائيلية وهي التي أدت لتضاعف أسعار النفط أربع مرات في تطور ضرب الاقتصاد الامبريالي الأميركي والعالمي. ثم أدت الصدمة النفطية الثانية عقب الثورة الإيرانية عام 1979 لتبني مبدأ كارتر الذي اعتبره مدخلاً مستمراً للخليج باعتباره مصلحة استراتيجية كبرى للولايات المتحدة. وهذا أفسح الطريق أمام الوجود العسكري الضخم للولايات المتحدة في المنطقة، والذي لم ينقطع طوال السنوات الثلاث والعشرين السابقة. وموقف أميركا الراهن باعتبارها القوة الامبريالية الرئيسية لا يتوقف فحسب على الاحتفاظ بهذا المدخل الدائم للنفط، بل على مقدرتها على تحديد نصيب المنافسين الرئيسيين لها من هذا المورد الطبيعي المتناقص. والنهج الذي اتبعته الولايات المتحدة تجاه هذا الوجه الجيوسياسي لقضية النفط قد تأثر تأثراً عميقاً بأهم حدث سياسي شهده الربع الأخير من القرن العشرين وهو تفكك الاتحاد السوفييتي. فانهيار الاتحاد السوفييتي قد وجد تفسيره من جانب النخبة الأميركية الحاكمة باعتباره فرصة لتفعيل جدول عمل امبريالي كاسح كان مستحيلاً في أعقاب الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة فبإعلانها حلول «حقبة القطبية الأحادية» شرعت الولايات المتحدة في منع ظهور دول يمكن أن تتحدى هيمنتها العالمية سواء كانت اليابان أو أوروبا الموحدة أو الصين باعتبار ذلك هدفاً استراتيجياً رئيسياً لها. ولإدراك المفكرين الاستراتيجيين الامبرياليين الأميركيين لتراجع موقع الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي أخذوا يرون القوة الأميركية الطاغية الوسيلة الرئيسية التي يمكن للولايات المتحدة بها أن تفعل اعادة تنظيم للشئون العالمية وفق مصالحها. وضمن هذا السياق تحول استخدام القوة العسكرية لترسيخ السيطرة الفاعلة على مناطق انتاج النفط في كل العالم من فكرة استراتيجية الى خطة عملية قيد التطبيق. ترجمة : جلال الخليل عن «وورلد سوشياليست»