الاربعاء 23 محرم 1424 هـ الموافق 26 مارس 2003 مثل هذا الحماس لم يظهر عندنا منذ مدة طويلة. استوديوهات التلفزة تغص بكبار الضباط الاحتياط الذين لا يكفون عن التعبير عن تأثرهم وانفعالهم من الحرب ، ويحاولون جر المشاهدين واصابتهم بعدوى الفرحة التي تغمرهم. هؤلاء المحرضون القدامى للحرب الذين كان بعضهم مسئولا في الماضي عن حروب اختيارية واخفاقات فظيعة وعمليات دموية مبتدعة لا داعي لها ولا سبب، اصبحوا اليوم صوت العقل والحكمة الوطنية. أفيغدور بن غال مثلا دعا ومن دون ان يطرف له جفن الى اختلاق ذريعة فورية للعودة الى لبنان تحت غطاء الحرب. آخرون غيره من الذين جرونا الى مغامرات لا داعي لها ورفاقهم الذين حولوا جيش الدفاع الى جيش احتلالي قاس في المناطق - اصبحوا اليوم المحللين القوميين الوحيدين عندنا. منذ ايام الانتظار قبيل الحرب ظهرت عليهم علامات الضيق من الانتظار الطويل. كل تأجيل اعتبر من قبلهم خطأ فظيعا وكل جدل اعتبر كفرانا بالمبدأ وخيانة له. والان عندما انطلقت القوات في طريقها في آخر المطاف واندلع حماسهم للخارج - ليس فقط من مجرد وجود الحرب وانما من الوسائل المتطورة التي تستخدم فيها ايضا القنابل الذكية والادارة والرقابة الفضائية والمحركات المتطورة والطائرات الشبح والقنابل العظمى تشعل خيالهم وتلهبه. ابتسامة طفل يصف العابه الجديدة تظهر على محياهم وهم يصفون سحر قوة الدمار الاميركية. قادة سلاح الجو السابقون الذين يجدون صعوبة على ما يبدو في الافتراق عن وظائفهم يصفون الهجمات الصاروخية التي تزرع الدمار او آليات الابادة الطائرة وكأنها تحفة فنية ابداعية. العميد احتياط ارييه مزراحي افرط في عمله اذ جلب معه الى احدى هذه النقاط التي لا تنتهي نموذجا صغيرا لقنبلة انشطارية من صناعة الصناعات العسكرية الاسرائيلية (التي يرأسها) وحدث المشاركين وعيونه بارقة من التأثر والانفعال من ان الاميركيين يقومون الان باستخدامها في العراق. مزراحي وصف للجميع كيف تعمل القنبلة وكيف تتحول الى قنابل صغيرة لا متناهية وكيف «اشتهرت» في حرب لبنان وافترست ارتال المدرعات بأكملها لدرجة اصاب فيها الذعر كل من شاهد النتائج على الارض. وانها «مطر من الفولاذ» تماما كما قال. القنبلة الصغيرة الذكية التي جلبها معه انتقلت من يد ليد بين الجنرالات العجائز الذين لمسوها بانفعال وتأثر هذا كان مشهدا لا ينسى. لم يقم أحد منهم بوصف الدمار والقتل الذي تزرعه مثل هذه القنبلة في اوساط المدنيين الابرياء ولم يتساءل احد منهم عما يحدث للمجتمع الذي يتأثر الناطقون باسمه بهذه الطريقة المريضة من كل سلاح وقتل يرونه. في الوقت الذي قامت به اغلبية وسائل الاعلام في العالم باجراء نقاشات جدية حول ثمن الحرب وعدالتها وشرعيتها وواصل اغلبية سكان العالم معارضتها لم تجر في اسرائيل اية نقاشات جدية من هذا القبيل والقلة القليلة. المشكلة تعتبر في نظر الناس هنا غريبة الاطوار. لا يتطرق احد لثمن الحرب الدموي الذي يدفع الان وسيدفع لاحقا والدمار الفظيع للدولة والمجتمع العراقي. كان من الممكن الافتراض ان شعور الاسرائيليين بالقلق من الحرب سيثير لديهم بعض مشاعر التضامن مع معاناة ملايين العراقيين والفلسطينيين في المناطق التي تتواصل منذ فترة من الزمان. (6,6) ملايين اسرائيلي قلقون من الصواريخ الا انهم ليسوا مستعدين لتكريس ذرة تفكير بـ (24) مليون عراقي خاضعين الان «للهجوم الاكبر في التاريخ» والتساؤل ان كان هذا الهجوم مبررا وان كان ثمنه فظيعا جدا. بغداد تبدأ في الاشتعال والبصرة تتعرض لعدد لا يحصر من القنابل والصواريخ. في هذه المدن يعيش ملايين الناس العاديين ولا يقوم احد عندنا بالتطرق للدمار الذي يحدثه هذا السلاح المثير للاعجاب. خطر اضطرارنا للدخول للملاجيء لم يثر عندنا مقارنة كما يتوجب مع معاناة اكثر من ثلاثة ملايين فلسطيني يعيشون منذ عامين ونصف حبيسين في منازلهم وقراهم ومعرضين لخطر القتل اليومي وبلا ذنب اقترفوه في الاغلب. مخاوف اولادنا الذين يضطرون لحمل الاقنعة على اكتافهم بصورة يومية لا تنجح لسبب غير معروف في اثارة اي تضامن مع مصير عشرات الاف الاطفال الفلسطينيين المحبوسين في بيوتهم والذين يتعرضون للاصابة والموت. هؤلاء لا يملكون اية وسيلة وقائية ولا يقوم احد بمعالجة مخاوفهم والتعامل معها. نحن لسنا مسئولين عن معاناة الشعب العراقي وليس بامكاننا ان ننقذه ومع ذلك يمكن القول ان التجاهل التام للثمن الذي يدفعه مثير للغضب. اما معاناة الشعب الفلسطيني فنحن المسئولين عنها بصورة مباشرة وهو ايضا يلقى التجاهل منا حتى عندما نعيش ذرة قليلة من هذه المعاناة. عن «هآرتس»