الاربعاء 23 محرم 1424 هـ الموافق 26 مارس 2003 صدر مع مطلع هذا العام، وما زال يلقى اهتماماً من المحللين والنقاد، كان مؤلفه واحداً من كاتبي خطب الرئيس جورج بوش، مما أتاح له الاطلاع عن قرب على بواطن الأمور في كواليس البيت الابيض: خصوصيات الرئاسة، صراعات القوى ذات النفوذ، سلوكيات المعاونين والمستشارين المؤثرين على الرئيس الأميركي . المؤلف ديفيد فروم كاتب صحافي من أصل كندي استخدموه في الرئاسة الأميركية ربما اعترافاً بأفكاره المعبرة عن القوى المحافظة في السياسة الأميركية. ويعزى إليه ابتكار التعبير الشهير الذي تحدث فيه جورج بوش عن «محور الشر» والكتاب هو خلاصة تجربة 13 شهراً في البيت الأبيض. أن تعمل في وظيفة كاتب خطب الرئيس في البيت الأبيض معناه أن تمارس عملاً أقرب الى وظيفة رجل المطافيء، حيث يستدعونك في الملمات، ولكن من دون أن تنال جزاء الثناء على بطولة أبديتها أو تضحيات قدمتها، على نحو ما يناله الاطفائي في المجتمع.. هكذا يصف مؤلف كتابنا ديفيد فروم مهام وظيفته التي كان يكلف في اطارها بكتابة الخطب ذات الأبعاد الاقتصادية للرئيس الأميركي جورج دبليو بوش. يواصل المؤلف حديثه قائلاً: هكذا كان من واجبات وظيفتي أن أقبع ساكناً في مكتبي ساعات طوالاً بانتظار أن يستدعوني في لحظة ما كي أكتب شيئاً للسيد الرئيس. لطالما جلست على أريكة كانت في غرفة مكتبي أقرأ وأقرأ قتلاً للملل، وبعدها كنت أغفو ثم أصحو لأجد الكتاب بعد 15 دقيقة وقد غطى معالم وجهي، فيما أعاني حلماً، بل كابوساً تقلب فيه بين الغرق وأسفكسيا الاختناق، وجاءت أيام الصيف القائظ من عام 2001، بدأ موظفو البيت الأبيض يختفون واحداً تلو الآخر في اجازات أمضوها في مواقع شتى، حزمت زوجتي حقائبها، وتوجهت مع أطفالنا شمالاً الى كندا التي أحمل جنسيتها، عندئذ حان وقت عطلتي فكان أن سافرت لألحق بهم هناك، خلال العطلة التي أمضيناها في منطقة المراعي الخضراء في أونتاريو شرعت في تفكير عميق أفضى بي الى نتيجة تتلخص في عبارة أقرب الى الصدق مع النفس: بصراحة، وعلى الرغم من كل شيء فأنا لم أعد أحب وظيفتي في البيت الأبيض. تلميع بوش وقتها ربما أحس كاتب خطابات الرئيس بأن أجندة الاهتمامات لم تعد تحوي قضايا رئيسية ولا مشكلات كبرى يمكن أن ينسج من حولها سطوراً من خطاب رئاسي حافل بالرؤى والشعارات والوعود والاثارات التاريخية والمباديء، مما يمكن أن يتردد أصداؤه بعد القائه في صدر صفحات الجرائد وفي مقدمة نشرات الراديو وبين الصور وعلى ألسنة المذيعين النجوم على شاشات التلفزيون، ذلك هو بالضبط تحقيق الذات المهنية الذي يسعد الكاتب الصحافي ويرضيه، فما بالك وقد بدأ القوم يستعدون لملاقاة موسم الخريف من عام 2001؟ يومها تلقى كاتبو الخطب الرئاسية حزمة حافلة بمقترحات الخطابات والشعارات التي تقرر أن تتحول إلى أقوال تذاع على الأمة الأميركية وجماهيرها على لسان فخامة الرئيس. في رأي المؤلف انها كانت مقترحات نفيسة لا تصنع مجداً ولا تكاد تحدث تأثيراً، فالذين اقترحوها وصاغوها كانوا ـ على ما يبدو ـ يصدرون عن فكر الحزب الجمهوري الذي يرفع شعارات ظاهرها قيم الأسرة واصلاح المجتمع ولا تستدعي سوى كلام أقرب الى خطب الوعاظ من الدرجة الثالثة يلقونها على أسماع العجائز والأرامل في دور العبادة. كان مطلوباً أن تتحدث خطب الرئاسة الأولى في أميركا عن أدواء اجتماعية من قبيل: بذاءة كلمات الأغاني وخلو موائد الطعام من الابناء، حيث لا يجلس إليها سوى الآباء والأمهات، وحوادث اطلاق النار في المدارس الثانوية (وأحياناً الابتدائية) وسيادة روح التشاؤم بين قطاعات المجتمع... الخ. هكذا اقترح مساعدو الرئيس بوش وهكذا كان استعدادهم من أجل «تلميع» صورة رئيسهم مع نهايات الصيف من عام 2001. أما الرئيس شخصياً، فكان يلعق جراح هزائم برلمانية أصابت ادارته خلال الدورة الأولى التي تعامل فيها مع الكونغرس الذي كان قد سقط بأغلبية ديمقراطية، يعني من الحزب المعارض. وكانت النصيحة ـ كما قدمتها أقرب مساعديه ـ السيدة كاترين هيوز هي: لا علاج سوى باجازة مريحة، وربما طويلة، وعليك بالمزرعة تقضي فيها كل شهر أغسطس (2001)، وحين بلغت أخبار الاجازة والمزرعة أسماع الصحافيين قال قائلهم: ألم أقل لكم؟ لدينا رئيس شغوف بالدعة وراحة البال، وكل المعلومات التي تواترت عن كسله أصبحت صحيحة؟ بل وعلى الرغم من ان صحيفة «يو.اس توداي» أوسع صحف اميركا انتشاراً، وهي شديدة القرب من وجدان البيت الأبيض، لم تتورع عن مناقشة حكاية الاجازات الطويلة والاستجمام الرئاسي في مزرعة تكساس، ونشرت على لسان أكاديمي بارز هو البروفيسور لورنس مكيان من جامعة ميسوري رأياً يقول فيه بغير مواربة: ربما يكون كسولاً، ربما يفتقر الى روح الحزم والتصميم. وفي كل حال فهذه المعلومات تضيف الى الانطباع السائد بأن الرئيس لا يسيطر على مقاليد الأمور. الوجه الآخر للعملة بيد ان الصورة كان لها جانب آخر هو الوجه الثاني من عطلة الاجازات والاستجمام، لقد عمدت كاترين هيوز الى استخدام جورج بوش من أجل تصحيح صورته التي كانت قد انطبعت سلباً في أذهان الجماهير.. دفعت بـ «رئيسها» دفعاً لكي يقوم بزيارات في دواخل أميركا وأريافها، يلتقي بالمزارعين ويرتاد الحقول ويزور المدارس الابتدائية أسبانية المنشأ، وفي هذا تقول كاترين هيوز حرصاً على ابعاد زوايا الصورة المنشودة: لا أريد أن أرى الرئيس مرتدياً جاكيت وربطة عنق في عيد العمال في شهر سبتمبر.. مفهوم؟ يضيف المؤلف قائلاً: حتى في الأيام التي كان جدول الرئيس فيها خالياً من أي زيارات أو نشاطات، كانت السيدة هيوز تعمد الى نشر وتعميم صور صادرة رسمياً عن البيت الأبيض حيث يظهر جورج بوش وهو يجول في أرجاء مزرعته الشاسعة ممتطياً جواده على هيئة راعي البقر (الكاوبوي) الذي يظهر في اعلانات السجائر الشهيرة، أو يظهر في صورة اخرى وهو يشذب الحشائش، أو يقلِّم الشجيرات في الصباحات الباكرة أو في صورة ثالثة يلتقي فيها مع مستشاريه، مرتدياً قميصاً مفتوحاً وسروالاً شبابياً من الجينز، كل هذا فيما كانت كاترين هيوز ترقب أو بالأدق ترصد ترمومتر الرأي العام. ولأن جماهير الأميركيين قوم من البسطاء فقد «جابت» هذه الجهود نتيجتها وأتت تلك الصور الدعائية ثمارها، فكان أن عادت شعبية السيد الرئيس الى الارتفاع بعد أن رأته تلك الجماهير وهو يشذب الاشجار ويستيقظ عند الفجر، ويرتدي السراويل «الكاجوال» الزرقاء. ولا بأس أن تكون متربة أو مرقعة أو مقشوطة في هذا الموضع أو ذاك. الخريف الأسود هكذا كانت استعدادات البيت الابيض لموسم الخريف من عام 2001، الموسم الذي قلب هذه الاستعدادات رأساً على عقب بعد أن وقعت كارثة الحادي عشر من سبتمبر التي حرص المؤلف الى أن يجعل منها عنواناً للفصل السابع من هذا الكتاب. يقول ديفيد فروم: أحداث 11 سبتمبر بدأت في البيت الأبيض على نحو ما وقع في بيوت بغير حصر، على شاشات التلفزيون. هنا يشعر القاريء المتأمل لهذا الكتاب الذي نناقشه هنا كيف تتكشف هوية المؤلف الذي لا يتورع عن المزايدة على كل شيء تقرباً الى أولياء نعمته في البيت الأبيض، المؤلف كندي الجنسية وهو يزايد على حب أميركا، ويصف واشنطن بقوله «مدينتي» على الرغم من ان مدينته الحقيقية هي تورنتو في كندا، ولا مناص من ان نذكر ان المؤلف يهودي الديانة، وهو أمر لا غبار عليه بالنسبة لرسالة سماوية نحن نصدق بها، ولكن الغبار الكثيف إنما يتمثل في تلك النغمة المقيتة من التحامل، بل والتهجم على الاسلام والمسلمين، وعلى العرب والفلسطينيين، وقد نضحت بسوادها الأسطر والصفحات على امتداد الفصلين السابع والثامن من هذا الكتاب. رعب في البيت الأبيض في الفصل السابع يستعيد ديفيد فروم العبارة التي تفوهت بها اليانور روزفلت عقيلة الرئيس الاسبق فور اعلان كارثة تحطم الاسطول الأميركي على يد الانتحاريين اليابانيين في بيرل هاربور في 8 سبتمبر من عام 1941، ساعتها قالت اليانور روزفلت: ها هي اللحظة التي كنا جميعاً نخشاها وقد حان وقوعها. وربما أوحت هذه الكلمات بمشاعر نراها طبيعية وقد عبر عنها المؤلف في بلاغة يقول (ص 114): لقد انتهت عطلة الرئيس بوش بعيداً عن واشنطن وانتهت الاجازة الطويلة التي كانت أميركا قد أمضتها بعيداً عن التاريخ. ثم يمضي المؤلف عبر صفحات الفصل السابع ليصور وقائع وملابسات أصداء واقعة الحادي عشر من سبتمبر داخل جدران البيت الابيض أو خارج الأسوار، كيف أمرهم الحراس في عصبية متشنجة بمغادرة مكاتبهم واخلاء أجنحة البيت الرئاسي بالأمر وبغير توان.. كيف جمعوهم رجالاً ونساء ليصدر الأمر: لا تركضوا! وبعدها تغيرت الأوامر: هيا اركضوا بأسرع ما تستطيعون.. أيتها السيدات، إذا لم تستطعن الجري بسبب الكعب العالي.. اخلعي الحذاء ثم واصلي الجري.. هيا بغير توقف ولا انقطاع.. لا تنسوا جميعاً أن تخلعوا كل الشارات الدالة على وظائفكم في البيت الأبيض، وإلا أصبحتم هدفاً لأي قناص عند هذا المنعطف أو فوق تلك الزاوية! وهكذا كان، ويجمل المؤلف المشهد ظهيرة الحادي عشر من سبتمبر قائلاً بايجاز بليغ: هكذا وقفنا جميعاً، منفيين بعيداً عن مكاتبنا، مجردين من علامات هويتنا، ونهباً للعجز وفريسة للحيرة والارتباك. لزوم ما لا يلزم على أساس لزوم ما لا يلزم يرد المؤلف الملابسات التي أصبحت معروفة ومنشورة عن حيرة الرئيس بوش في التنقل بين الطائرة الرئاسية والقواعد العسكرية ومخابيء اللجوء تحسباً لأي احتمالات، وسط هذا كله ارتفع صوت من صفوف المستشارين والمساعدين: مطلوب خطاب يلقيه الرئيس على الأمة، وبينما كان الرئيس يستجمع أطراف الموقف ورباطة الجأش كان كاتبو الخطب الرئاسية ومن بينهم مؤلف الكتاب يتحلقون حول جهاز حاسوبي في أحد المخابيء وجهاز آخر في بيت كبير المحررين، ما يكل جيرسون، يضعون فيما بينهم مشروعاً لخطاب رئاسي، ما لبثوا ان قدموه الى المستشارة الرئاسية الأولى كاترين هيوز. كان يوماً عصيباً وعبوساً ومتوتراً بألف احتمال، وفي ساعاته الأخيرة ساد الهدوء أرجاء العاصمة واشنطن، كان هدوءاً مريباً وغريباً يحمل فوق كاهله سؤالاً شديد الالحاح: ترى ماذا يخبئه الغد؟ وامتد هذا الهدوء المفعم بالشكوك الى أروقة وأجنحة ومكاتب البيت الرئاسي الأبيض، وكان ذلك طبيعياً بعد أن أسدلت ستارة سميكة وغليظة من اجراءات الأمن على ذلك المكان، وبعد أن أضافوا عدداً من الكلاب المدربة للعمل في نقاط التفتيش المفضية الى المقر الرئاسي، وإذ كانت الكلاب تؤدي وظائفها ظلت تتشمم كل شيء للكشف عن قنبلة مخبوءة هنا أو هناك. ألقى بوش خطابه الأول عقب أحداث سبتمبر، وكان خطاباً فاشلاً ـ كما يؤكد المؤلف ـ وبكل المقاييس، وكانت السيدة كاترين هيوز قد غيرت بنفسها كثيراً من السطور التي سبق الى صياغتها كاتبو الخطب المحترفون، وحين أدركت بنفسها سوء استقبال هذا الخطاب، كان أول من اعترف بذلك، بل كانت هي التي أطلقت عليه وصفاً يجمع بين السخرية والمرارة، قالت: إن الرئيس لم يلق الخطاب من المكتب «البيضاوي» بل الصراحة انه ألقاه من المكتب «الخيباوي»! ولم تكن ركاكة خطاب الرئيس بوش هي المشكلة الوحيدة وسط تلك الملابسات. نظرية المؤامرة كان هناك ـ كما يشير المؤلف ـ جماعات المتشككين في كل ما حدث، وفي هذا يقول كتابنا (ص133 أو ما بعدها): في عام 1941 كان هناك أميركيون لا يريدون محاربة النازي وهكذا اتهموا رئيسهم روزفلت بالتواطؤ في جريمة تحطيم الاسطول الأميركي في بيرل هاربور، وعلى الرغم مما يتكرر حتى الآن من تفنيد ودحض شديدين لنظريات المؤامرة هذه، إلا انها لا تزال تجد من يصدقها على الرغم من مرور 60 عاماً على الحادثة الرهيبة. يضيف كاتبنا: وها نحن في سبتمبر 2001 حيث من المتوقع للأميركيين الذين لا يريدون محاربة الارهاب ان تتولد بين صفوفهم نظريات تآمرية ومن شأن تلك النظريات أن تلحق الضرر برئيس مثل بوش. ثم يمضي ليضرب على ما يقول مثلاً واقعياً: السيدة سنثيا ماكيني وهي عضو مجلس النواب في الكونغرس عن ولاية جورجيا عبرت علانية عن نظرية المؤامرة في شهر ابريل عام 2002 حين وجهت اتهامها قائلة: لست على بينة من وجود أي قرينة تشهد بأن الرئيس بوش ولا أعضاء ادارته قد أفادوا (تربّحوا) شخصياً من هجمات الحادي عشر من سبتمبر. ومن شأن تحقيق كامل شامل أن يكشف عن حقيقة هذا الأمر. لكن من ناحية أخرى لا سبيل أمامنا إلى انكار ان الشركات المقربة من ادارة الرئيس بوش قد أفادت مباشرة من زيادة الانفاق على الدفاع التي ارتفعت في أعقاب 11 سبتمبر. في هذا السياق يشير المؤلف الى ان جريدة «اتلانتا جورنال» الصادرة من مدينة عضو الكونغرس سالفة الذكر نشرت هذا الاتهام، على سبيل التوثيق، وكان ذلك في أغسطس 2002. ويضيف قائلا: ان قضية ماكيني كانت حالة متطرفة وقد جاءت عباراتها الجارحة لتكلفها في نهاية المطاف خسارة مقعدها بين نواب الكونغرس.لهذا كان على ادارة بوش أن تبادر الى اسكات مثل تلك الاصوات، وان يبادر اركانها الى تأجيج الدعوة التي حملت شعار الحملة أو اعلان الحرب على الارهاب. في هذا السياق ايضاً لا يخفي المؤلف سعادته الى حد التمجيد والتهليل (ص 142 وما بعدها) حين أعلن الرئيس بوش قراره الأول بشن حملة على عناصر الارهاب وقراره الثاني بأن تمتد الحملة لتشمل الدول التي ترعى الارهاب. ويعلق ديفيد فروم: جاء هذان القراران ليضعا نهاية لسياسة اتبعتها أميركا في الشرق الأوسط على مدى 35 سنة وليشكلا تخلياً عن السياسات الخارجية لستة على الأقل من الرؤساء الاميركان السبعة الذين سبقوه. والاشارة هنا هي الى ان الرئيس الوحيد الذي نال اعجاب المؤلف هو السيد رونالد ريغان لأنه شن حرباً دمر فيها منشآت وقتل ضحايا في ليبيا، وكان ذلك في ابريل عام 1986 خلال غارته الشهيرة على العاصمة طرابلس، أما الرؤساء الستة الآخرون فقد كانت سياستهم في الشرق الأوسط، وفي رأي السيد مؤلف كتابنا، تقوم على مهادنة وممالأة ازاء الارهاب ومصادره التي لا يتورع المؤلف عن تعدادها ما بين فلسطين الى سوريا وما بين ايران الى السعودية. ضيق واستفزاز ويشيد المؤلف بالرئيس بوش بعد اتخاذ مثل هذه القرارات ويوثق ارتفاع شعبيته ـ وهذا حقيقي ـ الى عنان سماء التأييد وبشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ الرئاسة الاميركية. ويضيف المؤلف قائلا: هذه الشعبية التي حازها الرئيس بوش كانت تستقر عند مستوياتها غير الطبيعية، بمعنى فوق الطبيعية أو فوق المألوفة، وذلك قبل أن تستقر هابطة برفق وتؤدة من مستوى الذي لا يعقل أو يصدق الى مستوى جورج دبليو بوش أن يغير ما بنفسه، لقد فاز بثقة أميركا، وبات من واجبه الآن أن يثبت انه جدير حقاً بتلك الثقة التي حازها. لكن ثمة معسكراً من بعض الساسة والمتنفذين، ثمة دوائر وقطاعات معينة داخل نسيج المجتمع الأميركي لم تكن راضية عن جورج بوش. يقول المؤلف: على الرغم من ان سمعته في أوساط اليسار بوصفه يمينياً حتى النخاع، وعلى الرغم من ان شعبيته الأسطورية بعد أحداث 11 سبتمبر بين جماهير اليمين الأميركي، إلا ان بوش لم يفز بتأييد قاطع ولا حاسم من جانب قطاع مثقفي الجناح اليميني لا في واشنطن ولا في نيويورك. مثقفو اليمين الأميركي لم ترق لهم جهود وزير الخارجية باول ـ وقتها ـ في محاولة ضم كل من ايران وسوريا الى معسكر الحرب على الارهاب، وعند اعداد حملة افغانستان لم يسعدهم (ص 152) حكاية تأجيل الحرب إلى ما بعد شهر رمضان، وعندما بدأت الحرب، على الرغم من حلول رمضان، لم يسعدهم من قريب أو بعيد ذلك السيل من المديح والثناء من جانب الرئيس بوش على الدين الذي جرى استخدام اسمه لقتل أكثر من 3 ملايين من الأميركيين! والحق ان الرئيس بوش قد حرص على التمييز بين الاسلام والارهاب، وقال خلال زياراته لمساجد ومنتديات مسلمي أميركا ان الارهابيين قد «اختطفوا» دين المسلمين. وكان طبيعياً أن تتردد آراؤه تلك في وسائل الإعلام وفي أروقة الجامعات ومراكز البحوث وعلى ألسنة الأكاديميين في طول أميركا وعرضها. ها هو مؤلفنا يتبرع بوصف هذا كله بصفة «الحملة الإعلانية لصالح ديانة محمد»! وها هو المؤلف يضيف قائلا: ان هذه الحملة الإعلانية أوصلت زعماء اليمين المحافظ في أميركا الى حال من الضيق الشديد والاستفزاز الحانق الى درجة الانفجار.