الثلاثاء 22 محرم 1424 هـ الموافق 25 مارس 2003 الة كبرى، معقدة، على اطارات تتحرك بمحرك بالوقود، تحفر في الارض وتدفع وتخلي كتلاً ترابية كبرى وصخوراً (بلدوزر) - هكذا يعرف قاموس ابن شوشان الجرافة، التي ترافقنا منذ يونيو 1967 كرمز لفترات مختلفة في حياتنا. ففي الشهر ذاته أخلت الجرافات الارض الحرام بين القدس الغربية والشرقية التي كانت مليئة بالحطام والصخور والالغام والعوائق المختلفة، وبذلك وحدت ماديا القسمين المنفصلين للمدينة. وبعد عدة اشهر من ذلك بدأت الجرافات تمهد التربة لكفار عصيون التي سجلت اعادة انشائها بعد 19 عاما من خرابها في حرب 1948 اشارة بدء المشروع الصهيوني في المناطق. الجرافات ساعدت في اقامة «خط بارليف» على طول قناة السويس، والذي كان فخر اسرائيل واقتحم بسهولة في بداية حرب اكتوبر 1973. منذ منتصف السبعينيات ظهرت مئات الجرافات تمهد الارض (التي سيطرت عليها حكومة اسرائيل بوسائل مختلفة) لإقامة المستوطنات في جنوبي جبل الخليل، في كريات أربع، في معاليه ادوميم، في غور الاردن، في الضفة الغربية، في غزة وفي رفح. ومثل سائق التراكتور المسلح، الذي اعتبر في الثلاثينيات والاربعينيات والخمسينيات رمز اسرائيل، ففي السبعينيات والثمانينيات صار سائق الجرافة رمزا للطليعة والتقدم في نظر مؤيدي الاستيطان. اما معارضيه فرأوا فيه رمزا أكيدا لاحتلال قامع (ارييل شارون لقب «بالبلدوزر» وذلك أيضا بسبب طريقة عمله الفظة في اقامة المستوطنات في حينه). ومنذ بداية الانتفاضة الاولى في عام 1987، استخدمت الجرافات لهدم المنازل (منازل عائلات المقاتلين الفلسطينيين او المنازل التي اطلقت النار منها فقتلت اسرائيليين) واقتلاع الاشجار على جوانب الطرق الرئيسية التي اطلقت النار منها على السيارات الاسرائيلية. والان ايضا، في فترة اقامة جدار الفصل، تقتلع الجرافات عشرات الاف اشجار الزيتون القديمة والجديدة في السامرة، وذلك ضمن امور اخرى لمنع توفيرها غطاء للمخربين. وصارت الجرافة اداة حرب للجيش الاسرائيلي، فيما يشبه الدبابة، الاداة التي ترمي الى الدمار وليس الى البناء. ان الجرافة المدمرة صارت، مؤخراً، جرافة دواسة ومميتة. ناشطة حقوق الانسان الامريكية، راشيل كوري، ابنة الثالثة والعشرين، دهست مؤخرا تحت الجرافة العسكرية للجيش الاسرائيلي التي انشغلت بهدم المنازل في رفح وقتلت على التو في المكان. راشيل ورفاقها، نشطاء السلام الاميركيون، تظاهروا في ذات الوقت ضد هدم المنازل في حي السلام، بجوار الحدود مع مصر. وحسب رواية الجيش الاسرائيلي، فان سائق السيارة لم يلحظ المتظاهرة ولهذا فقد دهسها بالخطأ. اما رفاقها فيعتقدون انها دهست عن عمد. هذا هو الفصل المأساوي والاخير، حاليا، في تاريخ الجرافة التي ترافقنا منذ تلك الحرب التي تقول اسرائيل انها انتصرت فيها في كل الجبهات، فوتت ثمار النصر وحولتها الى ثمار السقط. وبمعونة الجرافة صار المشهد، الريفي مكونا من الاسمنت البارد والمهدد. الجرافة ذاتها التي تهدم الان احياء فلسطينية بكاملها في الضفة وفي القطاع وتدهس حتى الموت نشيطة السلام الاميركية كل خطيئتها انها شاركت في مظاهرة. إن ما حدث يعني ان قلوبنا تبلدت لدرجة اننا نترك الاخرين يتظاهرون ويحتجون. لم نعد ملزمين بأن نرى الظلم ونكافح ضده. لدينا بدائل: في الزراعة وفي البناء، تايلنديون ورومانيون، وفي المظاهرات - اميركيون. والان، مع اصوات المدافع في العراق، من سيتذكر على الاطلاق ريتشيل كوري، الشابة الاميركية التي دهست حتى الموت في رفح؟ عن «يديعوت احرونوت»