الثلاثاء 22 محرم 1424 هـ الموافق 25 مارس 2003 الامم المتحدة فشلت مرة اخرى فشلا صعبا في المهمة التي أخذتها على عاتقها إبان تأسيسها في سان فرانسيسكو في عام 1945 ـ تحويل العالم ، الى موقع أكثر أمنا من شرور وتهديدات الحكام المستبدين والأنظمة القمعية التي تحدق الخطر بالنظام الدولي والسلام العالمي. الامم المتحدة أخفقت هذه المرة مثلما فشلت عدة مرات في العقد الأخير في البوسنة ورواندا وكوسوفو. ـ في البوسنة وقفت الامم المتحدة في موقع المتفرج في الوقت الذي كانت فيه سراييفو تحت الحصار الصربي طوال ثلاثة أعوام، وعندما سيطر الصرب على سبرينيتسا المسلمة ـ التي كانت تحت رعاية الامم المتحدة ـ وقف جنود الامم المتحدة متفرجين بل وكان قادة الكتيبة الهولندية يحتسون الفودكا مع القائد الصربي راتكو ملاديش في الوقت الذي كان فيه جنوده يفصلون بين الرجال المسلمين ونسائهم واطفالهم، وبعدها قاموا بقتل 700 رجل وفتى مسلم. الحكومة الهولندية شكلت لجنة تحقيق في هذه القضية ووجدت ان الكتيبة الهولندية قامت بالمساعدة غير المباشرة في جرائم الحرب. الحكومة الهولندية استقالت إثر ذلك، الا ان الامم المتحدة لم تأخذ المسئولية الاخلاقية عن فشلها في منع عملية القتل الجماعي والأكثر خطورة في اوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، على عاتقها أبدا. ـ وفي رواندا قامت الامم المتحدة بسحب قواتها السلمية عندما بدأت عملية التطهير العرقي التي تسببت خلال اشهر قلائل في قتل أكثر من 600 ألف من أبناء التوتسي على يد الهوتو. كوفي عنان نفسه، نائب الأمين العام للامم المتحدة في حينه والمسئول عن قوات السلام في الهيئة الدولية، هو الذي كان قد أمر باخلاء القوات. صحيح ان عنان قد عبر عن ندمه بعد ذلك الا انه لم يتحمل مسئولية شخصية عن ذلك. مثلما لم تتحمل الامم المتحدة نفسها مسئولية مؤسساتية. ـ وفي كوسوفو أدركت الامم المتحدة خطر التطهير العرقي الواسع الذي يهدد سكان القطاع الألبان على يد نظام ميلوسيفيتش، الا ان مؤسساتها لم تنجح في حشد اغلبية لقرار استخدام القوة من اجل منع المذبحة البشعة. حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة هو الذي استخدم القوة ضد يوغسلافيا وأدى الى طردها من القطاع واعادة قرابة مليون ألباني هارب أو مطرود على يد الصرب. لذلك، قد يكون هناك شامتون في الامم المتحدة. الا ان فشلها يصيب بالحزن كل من توقع ان تتصرف بطريقة أفضل مما فعلت عصبة الامم في الثلاثينيات من القرن الماضي عندما وقفت عاجزة أمام العدوانية الالمانية النازية وايطاليا الفاشية واليابان الامبريالي. مؤسسو هيئة الامم المتحدة التي قامت على أنقاض عصبة الامم قالوا في عام 1945 ان المنظمة الجديدة ستمتلك أسنانا، وشكلت وثيقة الامم المتحدة بالفعل اطارا يتيح المجال بالفعل لاستخدام القوة لايقاف العدوان ومنع ابادة الشعوب واعمال القتل الجماعية كما حدث في اوروبا إبان الكارثة. الا ان القول شيء والفعل شيء آخر. ليس من الواجب اتهام الامم المتحدة وحدها. فهي في نهاية المطاف مجرد مجموع للدول التي تشكلها. الأمل والتوقع كان ان تتشكل ادارة دولية تكون فوق كل المصالح الفردية وتعبر عن حلم السلام العالمي والنظام الدولي. أسس هذا الحلم في العهد الجديد تتواصل ممتدة من أفكار عمانويل كانت حول «السلام الأبدي» الى مبادرة الرئيس ويلسون لاقامة عصبة الامم بعد الحرب العالمية الاولى. الا ان العلاقة بين هذا الحلم وبين الواقع العملي الذي تعيشه الامم المتحدة تماثل العلاقة بين ما جاء في التوراة وبين واقع حركة شاس: الحلم موجود وحي، الا ان الواقع متعكر. ولأن كل مثال من الأمثلة التي أوردناها أعلاه حدث وتبلور على أساس تغليب المصالح الفئوية الضيقة على حساب الحلم والتوقع بالتسامي عليها وفرض نظام عالمي قائم على السلم الدولي. في كل مثال من تلك الأمثلة الثلاثة حالت المصالح الفئوية دون قيام الامم المتحدة بعملية فعالة ناجعة: فخلال الحرب في البوسنة لم تستطع اوروبا المنقسمة على نفسها التوصل الى اتفاق مع اميركا، والرئيس بوش الأب لم ير سببا يدعوه للمخاطرة بأرواح جنوده دفاعا عن البوسنيين ـ المسلمين في البلقان البعيد. أما في رواندا فقد خشي كلينتون الليبرالي والانساني حسب كافة الآراء من التدخل في افريقيا من دون مصلحة اميركية واضحة. وفي الكوسوفو كان واضحا ان روسيا ستستخدم حق الفيتو في مجلس الامن حتى تحول دون تمرير عملية ضد يوغسلافيا «الدولة السلافية الشقيقة» لموسكو. الجهاز الدولي فشل في كلتا الحالتين. وعندما فشل الجهاز الدولي عندما اتضح ان ايقاف الجرائم الفظيعة الدائرة لن يتم الا بالقوة كانت الولايات المتحدة وحليفاتها في الناتو هم الذين أخذوا على عاتقهم ما يتوجب على الجهاز الدولي ان يقوم به. في ظل ظروف اخرى وفي واقع أكثر تعقيدا، كان هذا ما حدث خلال الاثنتا عشرة سنة الاخيرة وخلال الاربعة اشهر الاخيرة في قضية العراق. أكثر من دزينة من المرات أصدر مجلس الأمن قرارات ملزمة، الا ان العراق لم ينفذها. ورغم الاجماع على ذلك الا ان الخلاف قد نشب حول كيفية مواجهة هذا الرفض العراقي.شن الحرب هو من أصعب القرارات دائما. ولا يعرف أحد كيف سينتهي الصراع الحالي. والحقيقة هي ان الولايات المتحدة قد ارتكبت كل الأخطاء الممكنة على الطريق الموصل للوضع الحالي. عن «يديعوت أحرونوت»