الثلاثاء 22 محرم 1424 هـ الموافق 25 مارس 2003 يؤكد نعوم تشومسكي، اللغوي والاستاذ الجامعي والناشط السياسي الاميركي، في هذه المقابلة ان جل ما تبتغيه الولايات المتحدة في سياستها الخارجية يندرج في اطار رغبتها في السيطرة على العالم، كما يشير الى ان الجيش التركي يريد توسيع احتلاله العسكري لشمال العراق كي يحكم قبضته على كردستان العراقية، اما فيما يتعلق بقضية الشرق الاوسط فيقول انه طوال 25 عاما حاصرت الولايات المتحدة امكانية حل الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي وان هذا التوجه ليس مطروحا للتغير في المستقبل حسب ما تؤكده كل المؤشرات.وفيما يلي نص الحوار الذي اجرته معه مجلة «ريبليون»: ـ لماذا يقامر برأيك كل من توني بلير وخوسيه ماريا ازنار بدعمهما السياسي للحرب التي تشنها الولايات المتحدة على العراق الى حد التورط فيها؟ ـ حسنا انهما حالتان متباينتان فلقد سلمت المملكة المتحدة بعيد الحرب العالمية الثانية بكونها الشريك الاصغر للولايات المتحدة، كما قالت حينها وزارة الخارجية البريطانية والامر سيان بالنسبة لبريطانيا سواء فيما يتعلق بدرجة المهانة التي تعامل بها أم فيما يتعلق بالحماقات والاعمال الهمجية التي يتعين عليها ارتكابها، وخيارها هو ان تتحد مع اوروبا وان تكون بلدا عاديا، اسبانيا وضعها مختلف فمن وجهة نظري تقوم سياسة الحكومة الاسبانية على انتهازية صرفة، تماما كما هي حال موقف رئيس الوزراء الايطالي بيرلسكوني فهذه الحكومات تفضل وضع نفسها الى جانب المافيا على الالتفات لـ 85 بالمئة من السكان ولن نضيع الوقت بفكرة ان هؤلاء هم رجال دولة كبار يضحون بالاصوات في سبيل معتقد ما. فيا لها من فكرة سخيفة ومنافية للعقل حيث ان المسألة برمتها تتعلق باختيار بسيط: اما ان تصطف مع القوة او مع الديمقراطية، وهم اختاروا القوة. ـ على خلاف تركيا على سبيل المثال؟ ـ ما فعلته الحكومة التركية غير عادي، وكان على كثير من الحكومات الغربية ان تحس بالمهانة والخجل جراء نموذج الالتزام الديمقراطي الذي قدمته تركيا للتو حيث هناك 95 بالمئة من الاتراك يقفون ضد الحرب ولقد اخذ ذلك بعين الاعتبار سواء البرلمان ام الحكومة التركيين هذا اسمه ديمقراطية، وان كانت هناك مخاوف من ضغوط اميركية على تركيا. ـ كيف يمكن لواشنطن ان تضغط على تركيا؟ ـ في المقام الاول واشنطن لديها اسلحة اقتصادية كبيرة، كما هو معروف في المقام الثاني وعلى الرغم من ان تركيا تتصف بالديمقراطية رسميا بيد انها مازالت تعيش وعلى جميع الصعد في ظل نظام عسكري بفضل مجلس الامن القومي بحيث انه هناك دائما تهديد بانقلاب عسكري، ولقد كنت في تركيا قبل بضعة اسابيع وتحدثت في عدة جامعات، حيث اكد لي اصدقائي الاتراك انه كان علي الاخذ بعين الاعتبار ان النسبة العالية لحضور الجمهور لمحاضراتي تعود الى حضور الشرطة السرية لذلك يجب تقدير المثقفين الاتراك، فهم ليسوا مثل مثقفينا لانهم يعيشون تحت تهديد ثابت، ومع ذلك نجدهم لا يعبرون عن وجهات نظرهم فحسب بل يلجأون الى التمرد والعصيان ايضا، لكني اخشى انه في حال قررت السلطة العسكرية انها لا تريد قبول القرار البرلماني، هناك اساليب اخرى كي تتجاوز البرلمان. ـ هل تشير بذلك الى الانقلاب؟ ـ لا اعتقد بوجود ضرورة لحدوث انقلاب فنظام السلطة والامن في تركيا مصمم اصلا كي يتمكن العسكريون من فرض انفسهم على قرارات الحكومة بل اكثر من ذلك، فالجيش التركي سوف يحس بقلق كبير في حال هددت الولايات المتحدة بتقديم دعمها لاستقلال ذاتي اكبر لاربعة ملايين كردي يعيشون شمالي شرق العراق، تركيا لديها 50 مليون كردي والجيش يريد توسيع الاحتلال العسكري لشمال العراق، وانا اتذكر انه في سنوات الثمانينيات ارتكبت الولايات المتحدة وتركيا اسوأ الفظاعات ضد الاكراد، والنتائج مازالت مرئية حتى الآن في الاحياء الفقيرة في اسطنبول المليئة بالاكراد الذين فروا الى المدنية والغالبية الساحقة من الاكراد والاتراك يقفون ضد الحرب لانها تعتقد انه في هذا السياق سوف يعاد انتاج القمع وهذا ليس خوفا لا يقوم على اساس. ـ هل هذه الحرب في سبيل النفط؟ ـ ان النفط عنصر مهم لكن منذ زمن بعيد ـ 80 عاما ـ ربما والنفط شكل قوة محركة في السياسة الخارجية للولايات المتحدة وهكذا يتوجب وجود عناصر اخرى. ـ ما هي؟ ـ اولا هناك اعتبارات سياسية اهلية ففي نظام دعاية الولايات المتحدة تحول الرئيس العراقي في شهر سبتمبر من كونه رجلا سيئا الى كونه تهديدا لوجود الولايات المتحدة وفي شهر سبتمبر وفجأة بدأت استطلاعات الرأي بتضمين السؤال التالي: «هل تعتقد ان الرئيس العراقي يشكل تهديدا مباشرا؟» ومنذ ذلك الحين تقريبا يعتقد ثلثا السكان انه اذا لم نوقف الرئيس العراقي اليوم فسوف يقتلنا غدا وبشكل يدعو للدهشة فان الشعب الاميركي هو الوحيد في العالم الذي لديه ذلك الخوف من الرئيس العراقي في بلدان مجاورة مثل الكويت وايران لا يخافونه، حسنا ما الذي حدث في شهر سبتمبر عام 2002؟ بما ان الانتخابات التشريعية قد اجريت في الولايات المتحدة كان على الادارة الاميركية الحيلولة دون ان تكون مسائل مثل فضيحة انرون او المعاشات اوالبطالة في صلب الانتخابات وعندما يشعر الناس بالخوف فانهم يسعون وراء حماية السلطة. هذا ما تعرفه الادارة جيدا او اكثر مما ينبغي فلقد فعلوا ذلك في الثمانينيات وكي تدرك ما اقول يمكنك القاء نظرة على سيرة حياة كل منهم وستجد ان جميعهم رجال ادارة ريغان وبوش الاب في عام 1981، اول ما فعله ريغان كان اعلان الحرب ضد الارهاب وقالوا لنا ان ثمة ارهابيين ليبيين طليقين في واشنطن وان الروس سوف يقصفوننا من قاعدة جوية في جزيرة غرانادا التي اجتيحت ومن ثم قالوا لنا ان الساندينيين النيكاراغويين كانوا على مسيرة يومين اثنين فقط من تكساس واعلنوا حالة طواريء وطنية لان الامن القومي كان مهددا من قبل نيكاراغوا، كما زعموا حينها. ـ تهديد... ـ لكن ثمة تفسيرا آخر، حيث توجد سياسة عالمية جديدة معبر عنها بشكل مفتوح في تقرير استراتيجية الامن القومي لشهر اكتوبر الذي يوضح بطريقة لا لبس فيها انه على ضوء امتلاك الولايات المتحدة قوة اكبر من قوة بقية العالم الى جانب ما يتعلق بوسائل العنف، يتعين عليها استخدام هذه القوة لضمان السيطرة على العالم الآن والى الأبد. وهذا لا اقوله انا، بل هم الذين يقولونه في التقرير المذكور، حتى انهم يشرحون وجوب التصرف بشكل استبقائي كي لا يجرؤ احد على تحدي تلك القوة. الهدف مجدداً هو ادخال الخوف الى قلب العالم برمته، واحد اشكال فعل ذلك هو مهاجمة بلد بلا دفاع. ـ ماذا عن اسلحة التدمير الشامل؟ ـ من الواضح ان هذه السياسة تزيد ولا تقلص خطر تكاثر وانتشار اسلحة التدمير الشامل كما انها تزيد ايضا خطر الارهاب في الولايات المتحدة نفسها، والادارة الاميركية تدرك ذلك تماماً مثلما تعرضه وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية، لكن الامر سيان بالنسبة لهما، لانهم يعتقدون ـ ربما عن حق ـ ان موارد العنف الخاصة بهم كبيرة بحيث تجعلهم لا يلتفتون لما يقال. ـ انتهى مايكل اجناتيف الاستاذ في جامعة هارفارد للتو من نشر دفاع عما يقومه هو على انه «امبراطورية الولايات المتحدة» التي يقول فيها انها تمثل الشرطي العالمي الوحيد القادر على منع النزاع ما هو رأيك في ذلك؟ ـ يتقاطع هذا الطرح الى حد ما مع طرح المفكرين النازيين، الذي كان يقول الشيء ذاته تماماً حول المانيا، فلنلق نظرة على الماضي ولنتساءل هل ضمنت امبراطورية الولايات المتحدة السلام والديمقراطية والنظام؟ في اميركا اللاتينية على سبيل المثال حيث مارست الولايات المتحدة في تلك المنطقة مشيئتها اكثر من اي منطقة اخرى في العالم بدون مضايقة من اوروبا أو روسيا، واجناتيف يقول انه حتى في فيتنام كان هناك «صراع مأساوي» بين اسلوبين في «بناء أمة»، بين الولايات المتحدة والفيتناميين الشماليين، ترى هل كانت الحقيقة على هذا النحو حقا؟ واذا كانت كذلك، كيف يكون ان فيتنام الجنوبية كانت الهدف الرئيسي للقصف الاميركي؟ ومن ثم يقول ان العنصر الاساسي الذي سوف يحدد ما اذا كانت الحرب على العراق مبررة أم لا هو الصراع في فلسطين، وبالتالي ـ يقول ـ انه يجب على الولايات المتحدة ضمان وجود حل دبلوماسي لذلك الصراع لكن اذا القينا نظرة سريعة على حيثيات هذا الصراع، فسنجد ان الولايات المتحدة وطوال 25 عاما قد حاصرت بشكل احادي الحل الدبلوماسي للصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي امام بقية العالم، لذلك هناك سؤال يطرح نفسه في هذا السياق هو: ما معنى القول الآن بأن على الولايات المتحدة التدخل لحل ذلك الصراع؟ ـ ماذا يجب ان يكون رد الصحافيين امام اقتراح دونالد رامسفيلد ب«تطعيم» صفوف القوات الاميركية بألف مراسل؟ ـ لابد ان رامسفيلد يعتمد على ان هذه الحرب لن تدوم اكثر من بضعة ايام انطلاقاً من تصور ان العراق بلد من «العالم الثالث» يقف ضد الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، اعتى قوتين عسكريتين في التاريخ. والسؤال هو كيف يمكن ان نسمي هذا حربا؟ القضية هي على النحو التالي: اي نوع من المجازر سوف ترتكبه اميركا؟ ورامسفيلد يحسب عن يقين ربما بأنها ستكون حرباً قصيرة جداً، وبالتالي، لماذا لا يأخذ الصحافيون معه؟ فليقل هذا لكن احداً من الصحافيين الجادين لن يوافق على مثل هذه الطروحات. ترجمة : باسل ابوحمدة عن «ريبليون» ـ اسبانيا