الثلاثاء 22 محرم 1424 هـ الموافق 25 مارس 2003 يقول وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد ان الهجوم الاميركي على العراق هو «حملة جوية دقيقة بصورة لم يسبق لها مثيل» ولكن عليه ألا يحاول قول ذلك لضحى سهيل ابنة الخمسة اعوام، لقد نظرت اليّ مؤخراً عندما كانت وحدة التغذية موصولة بأنفها وتكشيرة عميقة ترتسم على وجهها الصغير، بينما كانت تحاول عبثاً ان تحرك الجانب الأيسر من جسمها. فصاروخ كروز الذي انفجر بالقرب من منزلها في ضاحية الرضوانية ببغداد زرع شظاياه في ساقيها النحيلتين الملفوفتين بالشاش وفي عمودها الفقري والآن، فقدت القدرة على تحريك ساقها اليسرى كلياً. انحنت امها فوق السرير، وعدلت ساقها اليمنى التي تقوم الطفلة الصغيرة بمدها خارج بطانية السرير وتعتقد والدة ضحى، بصورة او بأخرى، انه اذا مدت ساقا الطفلة بشكل مستقيم بجانب بعضهما البعض، فإن ابنتها ستتعافى من الشلل الذي اصابها. كانت ضحى الضحية الاولى من بين 101 مصاب تم احضارهم الى مستشفى جامعة المستنصرية بعد ان بدأ القصف الاميركي المكثف على المدينة مساء يوم الجمعة الماضي وقد جرح سبعة افراد آخرين من عائلتها في الضربة نفسها التي تمت بصاروخ كروز، اما الابنة الاصغر، فهي رضيعة عمرها عام واحد كانت ترضع من صدر امها لحظة وقوع القصف. هنالك شيء قذر يبعث على الغثيان في هذه الزيارات الميدانية للمستشفيات، فنحن نقصف وهم يعانون ثم نظهر ونلتقط صوراً لأطفالهم المصابين. قرر وزير الصحة العراقي ان يعقد مؤتمره الصحفي خارج اقسام المستشفى للتأكيد على الطبيعة «الوحشية» للهجوم الاميركي والاميركيون يقولون انهم لا ينوون الحاق الاذى بالأطفال وضحى سهيل تنظر اليّ والى الاطباء بحثاً عن الطمأنينة وكأنها ستستيقظ من هذا الكابوس وتحرك ساقها اليسرى ولا تشعر بأي ألم. اذن دعونا لوهلة ننسى الدعاية الرخيصة للنظام والتبجح الاخلاقي الرخيص من جانب «السيدين» رامسفيلد وبوش، ونقوم بجولة في مستشفى جامعة المستنصرية وذلك لأن حقيقة الحرب ليست في نهاية المطاف حول النصر العسكري والهزيمة او الاكاذيب عن «قوات التحالف» التي يجول معها صحفيونا في غزو لا يضم سوى الاميركيين والبريطانيين وثلة من الاستراليين. ان الحرب، حتى عندما تتمتع بشرعية دولية ـ الامر الذي لا تتمتع به هذه الحرب ـ تتعلق في الأساس بالمعاناة. خذ أمل حسن (50 عاماً) وهي فلاّحة تضع وشماً على ذراعيها وساقيها ولكنها الآن ترقد في سريرها بالمستشفى بكدمات كبيرة ارجوانية اللون على كتفيها اللذين باتا ضعف حجمهما الاصلي، هذه المرأة كانت في طريقها لزيارة ابنتها عندما ضرب اول صاروخ اميركي بغداد. وتقول امل: «كنت اهم بالخروج من سيارة الاجرة عندما وقع انفجار كبير سقطت على الارض اسبح في بركة من الدماء وكانت الدماء تغطي ذراعي وساقي وصدري» ولا تزال امل تعاني من جروح عديدة في صدرها احدثتها الشظايا. ترقد ابنتها وهد البالغة من العمر خمسة اعوام في السرير المجاور تئن من الألم وكانت قد خرجت من سيارة الاجرة قبل والدتها وكانت قد اقتربت من الباب الرئيسي لمنزل خالتها عندما اطاح بها الانفجار ارضاً كانت قدميها لا تزالان تنزفان مع ان الدم قد تجلط حول اصابع قدميها وتوقف عن النزف بفعل الضمادات المربوطة على كاحليها واسفل ساقيها وهناك ولدان صغيران في الغرفة المجاورة سعدي سليم يبلغ من العمر 11 عاماً وشقيقه عمر 14 عاماً وكلاهما يعانيان من جروح بفعل الشظايا في السيقان والصدر. اسراء رياض ترقد في الغرفة الثالثة، وهي تعاني من اصابات مماثلة تقريباً، حيث اصيبت ساقاها بجروح من الشظايا عندما ركضت مرعوبة من المنزل الى الحديقة مع بدء الغارة الجوية، ايمان علي تبلغ من العمر 23 عاماً وتعاني من جروح متعددة من الشظايا في بطنها واحشائها. ولا تزال نجلاء حسين عبّاس تحاول تغطية رأسها بوشاح اسود، ولكنها لا تستطيع ان تخفي الجروح الارجوانية في ساقيها. انها جروح الشظايا المتعددة وبعد هنيهة، ستبدو «الجروح المتعددة من الشظايا» مثل وباء طبيعي، الامر الذي افترض انه كذلك بين شعب عانى من الحروب على مدار اكثر من عشرين عاماً. وكل هذا، سألت نفسي البارحة، هل كان كل هذا من اجل 11 سبتمبر 2001؟ هل كان كل هذا من اجل «الرد» على مهاجمينا، على الرغم من ان ضحى سهيل ووهد حسن وايمان علي لا علاقة لهن، لا علاقة لهن قطعاً بتلك الجرائم المرتكبة ضد الانسانية بدرجة تفوق علاقة الرئيس العراقي؟ انني اتساءل: من قرر ان هؤلاء الاطفال، هاته النسوة الشابات، عليهن ان يعانين جراء ما حدث في 11 سبتمبر؟ ان الحروب تكرر نفسها. فدائماً، عندما «نأتي» لزيارة اولئك الاشخاص الذين قصفناهم، يكون لدينا السؤال نفسه. ففي ليبيا عام 1986، اتذكر كيف كان الصحفيون الاميركيون يسألون الجرحى بشكل متكرر: هل جرحوا ربما بفعل الشظايا من نيران مضاداتهم الارضية؟ ومرة اخرى، في عام 1991، «سألنا» الجرحى العراقيين السؤال نفسه. والبارحة، وجد طبيب عراقي نفسه يسأل من قبل مراسل لاحدى المحطات الاذاعية البريطانية السؤال التالي: «هل تعتقد ايها الطبيب ان بعضاً من هؤلاء الاشخاص ربما اصيب بفعل نيران المضادات الجوية العراقية؟ هل ينبغي ان نضحك ام نبكي على هذا؟ هل ينبغي علينا دائماً ان نلومهم على جراحهم؟ بالتأكيد، علينا ان نسأل لماذا انفجرت صواريخ كروز تلك مكان ما انفجرت، على الاقل 320 في بغداد لوحدها، انطلاقاً من حاملة الطائرات الاميركية كيتي هوك. لقد قدمت اسراء رياض من السعيدية حيث توجد ثكنات ضخمة للجيش. ومنزل نجلاء عباس يقع في الرسالة حيث تقع فيلل تخص عائلة صدام. ويقيم الشقيقان سليم في الشرطة الخامسة حيث يوجد مستودع للسيارات العسكرية. ولكن تلك هي المشكلة برمتها. فالاهداف منتشرة في جميع انحاء المدينة. والفقراء ـ وجميع من شاهدتهم البارحة كانوا فقراء ـ يعيشون في بيوت رخيصة وخشبية احياناً تنهار تحت تأثير الضرر الذي يلحقه الانفجار. انها الحكاية القديمة نفسها. اذا قمنا بشن الحرب ـ بصرف النظر عن مدى تكلمنا بحماقة عن رعايتنا للمدنيين ـ فإننا سنقتل ونشوّه الابرياء. لقد احصى دكتور حبيب الهضائي الحاصل على شهادة الطب من جامعة «ادنبرة» 101 مصاباً في المستشفى من مجموع 207 جرحوا في الغارات، كان من بينهم 85 شخصاً من المدنيين ـ 20 من النساء وستة من الاطفال ـ و 16 جندياً. وقد توفي شاب وطفل في الثانية عشرة تحت العملية. ولم يقل احدكم عدد الجنود الذين قتلوا خلال الهجوم الفعلي. ان التنقل في بغداد كان تجربة غريبة مؤخراً. فالاهداف قد جرى انتقاؤها بعناية فعلاً مع ان دمارها اصاب بشكل محتّم الابرياء. كان هناك قصراً رئيساً شاهدته وعلى مدخله تمثالان بارتفاع 40 قدماً لصلاح الدين في كل زاوية ـ اما الوجه على كل منهما فكان بالطبع لصدام حسين، وفي الوسط بينهما، يوجد ثقب اسود كبير في واجهة المبنى. وقد دمرت وزارة انتاج الاسلحة الجوية وتحولت الى كومة هائلة، من الاسمنت والحطام. ولكن في الخارج، كان هناك ساتران من اكياس الرمل يقف عندهما جنود عراقيون بزي انيق وبنادقهم فوق المتراس لاتزال جاهزة للدفاع عن وزارتهم من العدو الذي دمرها بالفعل. ازدادت حركة السير على الطرق المارة بجوار نهر دجلة. ولم يطل اي سائق النظر الى القصر الجمهوري على الجانب الاخر من النهر ولا على وزارة المشتريات الخاصة بالاسلحة. وظلت تلك المباني تحترق لمدة 12 ساعة بعد الضربات الصاروخية الاولى. وبدا الامر وكأن القصور المحترقة والوزارات المدمرة واكوام الحطام التي يتصاعد منها الدخان هي جزء عادي من الحياة اليومية في بغداد. وقد لاحظ العراقيون ماذا يعني كل هذا ففي عام 1991، ضرب الاميركيون مصافي النفط وشبكة الكهرباء وانابيب المياه والاتصالات. ولكن البارحة، كانت بغداد لاتزال تعمل كالمعتاد. فخطوط الهاتف الارضية كانت لاتزال تعمل، وكذلك الحال بالنسبة للانترنت، والطاقة الكهربائية كانت تعمل بأقصى طاقتها، والجسور فوق نهر دجلة ظلت سليمة دون قصف. وذلك لأنه، بالطبع عندما يأتي الاميركيون الى هنا، فإنهم سيحتاجون الى وجود نظام اتصالات وكهرباء ومواصلات بحالة عمل جيدة. وما يتم تجنيبه الدمار ليس هدية للشعب العراقي، وانما هو لمصلحة الاسياد الجدد المفترضين للعراق. صدرت الصحف اليومية العراقية بطبعة ضمت اربع صفحات فقط بمجموعة من المقالات حول صمود الامة وعنوان يقول: «سيادة الرئيس: النصر سيأتي بأيد عراقية». ومرة اخرى، لم تكن هناك محاولة من قبل الولايات المتحدة لتدمير مرافق التلفزيون وذلك يعود الى انهم ربما يريدون استخدامها لدى وصولهم. واثناء القصف ليلة الجمعة، ظهر جنرال عراقي ببث حي على شاشة التلفزيون لتطمين الامة بالنصر. وبينما كان يتحدث، هزت اصوات انفجارات صواريخ كروز الستائر من خلفه وكذلك الكاميرا التلفزيونية. اذن، الى اين يقودنا هذا كله؟ في الساعات الاولى من صباح الامس، نظرت عبر نهر دجلة على القصر الجمهوري والوزارة المدمرة بجواره. وكانت هناك حرائق مشتعلة في بغداد واعمدة الدخان تطال السماء، وبدا القصر المدعم والذي يشبه المتراس وألسنة اللهب تتصاعد من جدرانه وكأنه قلعة من العصور الوسطى وقد اشتعلت فيها النيران، وبدت كأرض الرافدين في لحظة تدميرها كما شوهدت مرات عديدة خلال آلاف السنين. زينوفون ضرب الى الجنوب من هنا، والاسكندر الى الشمال. والمغول نهبوا بغداد. وجاء الخلفاء، ومن ثم العثمانيون ومن بعدهم البريطانيون وجميعهم رحلوا. والآن يأتي الاميركيون والامر لا يتعلق بالشرعية الدولية. وانما يتعلق بشيء اخر اكثر اغراء، شيء صدام نفسه يدركه تماماً، نوع معين من القوة، وهي القوة نفسها التي رغب كل غاز للعراق باستعراضها بينما كان يشق طريقه الى ارض هذه الحضارة العريقة. ترجمة: ضرار عمير عن «اندبندنت»