الاثنين 21 محرم 1424 هـ الموافق 24 مارس 2003 قتلت ناشطة السلام الأميركية راشيل كوري، البالغة من العمر 23 عاماً، سحقاً تحت جنازير جرافة اسرائيلية بينما كانت تحاول منع الجيش الإسرائيلي من تدمير المنازل في قطاع غزة. وكانت راشيل تراسل عائلتها عبر البريد الالكتروني، وتوضح في هذه الرسائل السبب الذي يجعلها تخاطر بحياتها في هذا المكان البعيد عن الوطن. وفيما يلي مقتطفات مما ورد في رسائلها: 7 فبراير 2003 تحية طيبة للاصدقاء والعائلة والآخرين مضى على وجودي في فلسطين الآن اسبوعان وساعة واحدة، ومازلت لا اجد كلمات كثيرة اصف بها ما اراه. فمن الصعب علي ان افكر بما يجري هنا عندما اجلس لأكتب رسالة ابعثها إلى الولايات المتحدة. هنالك شيء ما بخصوص المدخل الافتراضي للرفاهية. لا أعلم ما اذا كان الكثير من الأطفال هنا قد عايشوا منازلهم بدون الثقوب التي احدثتها قذائف الدبابات في جدرانها والابراج الخاصة بجيش احتلال يراقبهم جنودها باستمرار من الافق القريب. واعتقد مع انني لست واثقة تماماً من ذلك ان اصغر طفل فيهم يعرف ان الحياة ليست على هذا النحو في كل مكان. لقد قتل طفل في الثامنة من عمره على يد دبابة اسرائيلية قبل يومين من قدومي إلى هنا، والكثير من الأطفال يرددون اسمه على مسامعي، او يشيرون إلى صوره الملصقة على الجدران. ويروق للأطفال ان يحملوني على ممارسة معرفتي المحدودة باللغة العربية بسؤالي «كيف شارون؟» و«كيف بوش؟» ويضحكون عندما اقول ان «بوش مجنون» و«شارون مجنون» بالطبع، هذا ليس هو ما اؤمن به بالضبط، وبعض الشبان البالغين ممن يعرفون اللغة الانجليزية يصححونني قائلين «بوش ليس مجنوناً.. بوش رجل أعمال. واليوم، تعلمت ان اقول ان بوش هو اداة» ولكنني لا اعتقد انها كانت تترجم بدقة. ولكن على أي حال، يوجد هنا اطفال بعمر ثمانية اعوام يدركون تركيبة القوة العالمية اكثر بكثير مما كنت ادركها انا قبل بضعة اعوام. ومع ذلك، ما كان بمقدور أي قدر من القراءة وحضور المؤتمرات ومشاهدة الافلام الوثائقية والكلام الشفهي ان يعدني لحقيقة الوضع هنا. ولا يمكن للمرء ان يتخيله ما لم يره، وحتى عندها فإنك تكون مدركاً تماماً ان تجربتك للوضع ليست حقيقية بالمرة، فهناك حقيقة الصعوبات التي سيواجهها الجيش الإسرائيلي اذا اطلق النار على مواطنة أميركية عزلاء، وحقيقة انني املك المال لشراء الماء عندما يقوم الجيش بتدمير الآبار، وبالطبع حقيقة انني املك خيار المغادرة في أي وقت. ولم يتعرض احد في عائلتي لاطلاق النار بينما كان يقود سيارته من صاروخ اطلق من برج في نهاية احد الشوارع الرئيسية في بلدتي. وانا لدي منزل ويسمح لي بالذهاب لمشاهدة البحر. وعندما اغادر البيت إلى المدرسة أو العمل، اكون واثقة نسبياً من انه لن يكون هناك جندي مدجج بالسلاح ينتظرني بين «ماد باي» ووسط البلد في «اولمبيا» عند نقطة تفتيش ويملك صلاحية اتخاذ القرار بشأن ذهابي إلى عملي وعودتي إلى منزلي بعد الانتهاء من العمل. وبعد فترة من التشتت، أقيم الآن في رفح، وهي مدينة تضم 140 الف نسمة 60% منهم من اللاجئين الذين لجأ الكثيرون منهم مرات عديدة، وبينما كنت اسير اليوم فوق حطام المنازل المدمرة، صاح بي الجنود المصريون من الطرف الآخر للحدود قائلين «اذهبي! اذهبي»» لان دبابة قادمة . ثم لوحوا لي بأيديهم وقالوا: «ما اسمك؟» ولكن كان هناك شيء مزعج حيال هذا الفضول الودي، فقد ذكرني بمدى الفضول الذي كان لدينا كأطفال ازاء الاطفال الآخرين. اطفال مصريون يصيحون على نساء غريبات يتجولن في طريق الدبابات. واطفال فلسطينيون يقتلون من جانب الدبابات عندما يختلسون النظر من وراء الجدران لكي يروا ما يحدث. واطفال امميون يقفون امام الدبابات حاملين لافتات عليها شعارات معينة. فتية اسرائيليون في الدبابات يصيحون احياناً ويلوحون احياناً اخرى ـ كثيرون منهم اجبروا على القدوم الى هنا، وكثيرون منهم عدائيون ليس الا، حيث يقومون باطلاق النار على البيوت عندما نبتعد. اجد صعوبة في الحصول على الاخبار من العالم الخارجي هنا، ولكنني سمعت ان التصعيد في الحرب على العراق امر لا مفر منه. يوجد قدر كبير من الخوف هنا من «اعادة احتلال غزة». والحقيقة هي ان غزة يعاد احتلالها كل يوم بدرجات متفاوتة ولكنني اعتقد ان الخوف يتمثل في احتمال قيام الدبابات بدخول جميع الشوارع والبقاء هنا بدلا من الدخول الى بعض الشوارع ومن ثم الانسحاب بعد بضع ساعات او أيام لمواصلة المراقبة واطلاق النار من اطراف التجمعات السكنية، واذا كان الناس لم يفكروا بعد بعواقب هذه الحرب على شعوب المنطقة برمتها، فانني آمل ان يبدأوا بذلك. 20 فبراير 2003 أمي، لقد قام الجيش الاسرائيلي بحفر الطريق المؤدي الى غزة، وتم اغلاق المعبرين الرئيسيين، وهذا يعني ان الفلسطينيين الذين يريدون الذهاب للتسجيل للفصل الثاني في الجامعات لا يمكنهم القيام بذلك، ولا يستطيع الناس الذهاب الى اماكن عملهم، كما ان اولئك المحجوزين على الجانب الآخر لا يمكنهم العودة الى بيوتهم، وفرق التضامن الدولية، التي لديها اجتماع غدا في الضفة الغربية لن نستطيع الذهاب اليه، وربما كان بامكاننا المرور لو اننا استغلينا ميزتنا الدولية كأشخاص بيض، ولكن ذلك كان سيعني ايضا التعرض لخطر الاعتقال والترحيل مع ان احدا منا لم يرتكب اي شيء غير قانوني. ان قطاع غزة مقسم الآن الى ثلاثة اقسام. وهناك حديث عن «اعادة احتلال غزة»، ولكنني اشك بحدوث هذا الامر، لأنني اعتقد ان ذلك سيكون خطوة حمقاء جيوسياسيا بالنسبة لاسرائيل في الوقت الحالي. واعتقد ان الامر الاكثر احتمالا هو استمرار عمليات التوغل الصغيرة التي لا يلتقطها الرادار الدولي وربما ايضا عملية «ترحيل السكان» التي يلمح لها غالبا.إنني أمكث الآن في رفح ولا نية لدي بالتوجه شمالا. وما زلت اشعر بأنني بأمان نسبيا واعتقد ان اكثر الاخطار احتمالا بالنسبة لي في حال حدوث توغل واسع النطاق هو الاعتقال. فمن شأن خطوة تهدف الى اعادة احتلال غزة ان تثير غضبا اكبر من استراتيجية شارون المتعلقة بالاغتيال اثناء المفاوضات السلمية والاستيلاء على الارض، والتي تنجح بصورة جيدة الآن في انشاء مستوطنات في جميع انحاء الاراضي المحتلة بصورة بطيئة، ولكنها تقضي بشكل اكيد على اي احتمال له معنى بممارسة الفلسطينيين لحق تقرير المصير. سلامي لك ولولادي ولسارة وكريس والجميع. راشيل 27 فبراير 2003 (الى والدتها) احبك يا أمي واشتاق اليك حقا. لقد رأيت كوابيس في منامي عن دبابات وجرافات خارج منزلنا وكنا انا وأنت داخل المنزل. واحيانا يعمل الادرينالين كالمخدر لاسابيع ثم في المساء او الليل تراودني تلك الكوابيس من جديد .. ويبدو انها شيئا ضئيلا من الواقع. انني خائفة بالفعل على الناس هنا. فالبارحة راقبت أباً يقود طفليه الصغيرين الممسكين بيديه الى الخارج وفي مرمى الدبابات وبرج للقناصة وجرافات وسيارات جيب عسكرية لانه اعتقد ان بيته سيتم تفجيره. مكثت أنا وجيني في البيت مع عدة نساء وطفلين صغيرين. وكان خطأنا في الترجمة هو الذي جعله يعتقد ان منزله هو الذي يتم تفجيره وفي الواقع ان الجيش الاسرائيلي كان يتحضر لتفجير عبوة ناسفة في الارض قريبا من المكان.. وهي عبوة يبدو ان المقاومة الفلسطينية قد زرعتها. وهذا يحدث في المنطقة التي جرى فيها يوم الاحد الماضي تجميع حوالي 150 رجلا خارج المستوطنة تحت تهديد السلاح، بينما قامت الدبابات والجرافات بتدمير 25 بيتا بلاستيكيا مستخدمة للزراعة، وهي مصدر رزق لحوالي 300 شخص، لقد شعرت بالرعب لمجرد التفكير بأن هؤلاء الرجال سيتعرضون للقتل جميعا فحاولت ان اقف بينهم وبين الدبابة، وهذا امر يحدث كل يوم.فكرت كثيرا حول ما قلتيه على الهاتف عن كون العنف الفلسطيني لا يساعد في حلحلة الوضع، كان هناك 60 ألف عامل من رفح يعملون في اسرائيل قبل عامين، والآن لا يستطيع الذهاب الى اسرائيل من اجل العمل سوى 600 شخص ومن بين هؤلاء الـ 600 شخص، كثيرون انتقلوا من هنا لان نقاط التفتيش الثلاث من هنا الى عسقلان (اقرب مدينة في اسرائيل) جعلت المسافة التي كانت تقطع في غضون 40 دقيقة تحتاج الى 12 ساعة وما كان يعتبر في عام 1999 مصدرا للنمو الاقتصادي في رفح تدمر كليا واعني بذلك مطار غزة الدولي والحدود مع مصر والمدخل الى البحر الذي قطع في العامين الماضين بفعل نقطة تفتيش ومستوطنة غوش قطيف ويبلغ عدد المنازل المدمرة في رفح منذ بداية الانتفاضة اكثر من 600 منزل وهي في معظمها لاشخاص لا صلة لهم بالمقاومة ولكن تصادف سكنهم بمحاذاة الحدود. اعتقد ان رفح هي افقر مكان في العالم، كان هنا طبقة متوسطة مؤخرا ونتلقى تقارير تفيد ان شحنات الازهار من قطاع غزة كان يتم تأخيرها في السابق عند نقاط العبور في ايرتز من اجل اجراء الفحص الامني، ويمكنك ان تتخيلي قيمة الازهار المقطوفة منذ اسبوعين في السوق الاوروبية، وهكذا جفت هذه السوق ايضا. ثم تأتي الجرافات وتدمر مزارع الخضروات والبساتين الخاصة بالمواطنين، فما الذي تبقى للناس؟ اخبريني اذا كان بمقدورك ان تفكري بشيء ما. فأنا لا استطيع لو ان ايا منا تعرضت حياته ورفاهيته للخنق، وعاش مع الاطفال في مكان ينكمش باستمرار وحيث نعرف من تجارب سابقة، ان الجنود والدبابات والجرافات قد تأتي الينا في اية لحظة وتدمر جميع الدفيئات التي كنا نزرعها لفترة طويلة وفعلت ذلك بينما كان بعضنا يتعرض للضرب ويجري احتجازه مع مئات الاشخاص الآخرين لساعات عديدة.. فهل تعتقدين اننا قد نحاول استخدام وسائل عنيفة بعض الشيء لحماية ما تبقى لدينا؟ انني افكر بهذا بشكل خاص عندما اشاهد البساتين والدفيئات واشجار الفاكهة تتعرض للتدمير بعد سنوات من الرعاية والفلاحة، افكر فيك وفي الوقت الذي تستغرقه النباتات كي تنمو ومقدار الحب الذي ينشأ بينكما واعتقد حقا ان معظم الناس في وضع مشابه، سيدافعون عن انفسهم بأفضل وسيلة ممكنة. 28 فبراير 2003 اشكرك يا أمي على ردك على رسالتي. فتلقى رسائل منك ومن الأشخاص الآخرين الذين يهتمون لامري يساعدني حقا. بعد ان كتبت لك رسالتي امضيت عشر ساعات من غير اتصال بالآخرين من مجموعتي قضيتها مع اسرة على خط المواجهة في حي السلام، كانت الغرفتان الاماميتان غير قابلتين للاستخدام بسبب القذائف التي اخترقت الجدران، ولهذا فان العائلة كلها المؤلفة من ثلاثة اطفال والأبوين تنام في غرفة نوم الوالدين، نمت على الارض بجانب الابنة الصغرى ايمان وتقاسمنا البطانيات جميعا وفي صباح تناولت الافطار معهم، ثم غادرت مشيا على الاقدام الى حي البرازيل حيث يعيش نضال ومنصور وجدتهما ورأفت وباقي افراد الاسرة الممتدة التي غمرتنا بعطفها وودها. يمكنك دائماً سماع الدبابات والجرافات اثناء مرورها، ولكن جميع هؤلاء الاشخاص مرحين بصدق مع بعضهم البعض ومعي وعندما اكون مع اصدقاء فلسطينيين، اشعر الى حد ما برعب اقل مما اشعر به عندما احاول ان امثل دور مراقب حقوق الانسان او مقاوما مباشرا. انا اعرف ان الوضع يصل اليهم على كافة المستويات ولكنني مع ذلك مذهولة من قوتهم وقدرتهم على الدفاع عن هذه الدرجة العالية من انسانيتهم ـ الضحك والكرم والارتباط الاسري ـ في وجه الاهوال المرعبة التي تواجههم في حياتهم وفي وجه الحضور المستمر للموت، شعرت بتحسن كبير بعد هذا الصباح، وقضيت وقتا طويلا في الكتابة عن خيبة املي من اكتشافي بصورة مباشرة، درجة الشر التي مازلنا قادرين على ارتكابها وينبغي علي على الاقل ان اذكر انني اكتشف درجة من القوة ومن القدرة الاساسية لدى البشر في ان يظلوا بشرا في احلك الظروف وهو امر ايضا لم اعهده من قبل واعتقد ان الكلمة المناسبة هي الكرامة، اتمنى ان تلتقي بهؤلاء الناس، آمل بأنك ربما قد تفعلين ذلك في يوم ما. ترجمة: ضرار عمير عن «جارديان»