الاثنين 21 محرم 1424 هـ الموافق 24 مارس 2003 قبل الحرب بيومين سافرت في الخط رقم (5) الذي يصل بين تل ابيب ـ الشمال، المسافرون أخذوا يتفحصونني في خوف كعادتهم في الأزمنة الرديئة. داكن البشرة، شرقي، وحقيبة كبيرة على كتفي؟ وها هي فتاة متنكرة في زي ملاك تصعد الى الحافلة في محطة ديزنغوف. على كتف الفتاة يوجد قناع واق ويبدو ان والدتها القلقة المحبة قد أعطتها إياه. صعود هذا الملاك جعلني أتخيل كيف نسير كلنا نحو الموت وان الله قد أرسل لنا هذا الملاك ليقودنا الى جنة عدن. وهكذا التقت في لحظة تل ابيبية عادية حربان اثنتان: الحرب الصاعدة والحرب الهابطة. وكأن الامر يشبه دخول عام جديد على أنقاض العام السابق مع فرق واحد وهو ان الحروب لا تتبدل مثل السنين وإنما تتراكم فوق بعضها البعض. حربنا القديمة مع جيراننا الفلسطينيين، الانتفاضة لا تخلي مكانها للحرب الجديدة مع العراق وانما تنزاح جانبا لتخلي لها مكانا على مقعد الدماء حتى تجلس بجانبها. الاسرائيليون في هذا الاسبوع يستعدون للخطر الداهم من الحربين معا: القناع الواقي خشية الهجمات الصاروخية وتوخي الحيطة والحذر من امكانية ظهور انتحاري في المقهى الذي يجلس فيه: حرب داخل حرب. في خضم القلق القاتل الذي يتواصل هنا بلا توقف منذ عامين ونصف في داخل تعليمات متناقضة ومهدئة، الا انها مخيفة في ذات الوقت، اسأل أنا الاسرائيلي نفسي: هل يعتبر اندلاع الحرب الجديدة في صحراء بابل نهاية للحرب القديمة أم انها سبب لتقريب موعد ظهور موجة انتقام وعمليات كبرى جديدة؟ هل هي نهاية الانتفاضة أو توسيع لها بوسائل اخرى؟ هل نشهد الآن نهاية وشيكة للعامين والنصف الأكثر دموية من كل الحروب الداخلية التي شهدناها منذ عام 1948 أم أننا على عتبة مستقبل غير مؤكد وأكثر غموضا مما شهدنا حتى الآن؟. اجتزنا عامين ونصف رديئين جدا. ضربنا وضُربنا وتحولنا الى قساة غليظي القلوب وبلا أمل يرتجى. كل المردة خرجت من قماقمها ونسيت الايام الهادئة ومحادثات السلام والانجازات الكبيرة والازدهار الذي عاشه الجانبان الذي بدأ حذرا ولكنه كان واعدا في الوقت نفسه. في الفترة نفسها التي شهدنا فيها الانتفاضة، ضرب (الارهاب) الولايات المتحدة ايضا، هذه الامبراطورية الكبرى والوحيدة في عصرنا الحديث وحليفتنا الكبرى. أبراج التوائم انهارت وسقطت وسط أعمدة الدخان والغبار وكأنه يوم الآخرة. سمعت عن الكارثة الاميركية خلال عملي في مكتبة عامة حيث كنت أعد مقالة حول عملية محطة القطار في نهاريا التي حدثت قبل ذلك بيوم. وجدت في المكتبة صورة مذهلة أعدها أحد المصورين حيث يظهر فيها أحد قتلى نهاريا قبل موته بنار القاتل المهاجم بسنوات. الصورة كانت مثل نبوءة اذ أظهرته وهو مشتعل. في نهاريا أو على سطح أبراج التوائم. منذ ان حدثت العملية الضخمة في نيويورك والتي نقشت للأبد في ذاكرة الغرب انضمت قوات بوش الابن لمكافحة رياح (الارهاب) المستطيرة، ذلك الشبح المراوغ الذي يكون بلا اسم أو جسم احيانا كثيرة ويوجه ضرباته لنا ليختفي من جديد. ملاحقة هذه الرياح المستطيرة أعادت الجيوش النظامية الضخمة التي تعود للدول الديمقراطية كاسرائيل والولايات المتحدة الى العالم وهي أشبه بصورة الشخص الحامل للمسدسات بصورة جيدة ومرخصة ولكن من دون هدف واضح. الاميركيون تنازلوا مثلنا عن قسم من حقوق المواطنين عندهم من اجل مكافحة (الارهاب) وأخضعوهم لعمليات تفتيش مهينة وأقاموا محطات اعتقال وضربوا افغانستان ضربة قاتلة قاضية الا انهم لم يمسكوا حتى طرف أسامة بن لادن المراوغ. الرياح المستطيرة واصلت ضرباتها لاحقا في الجزر الهادئة في آسيا وها هي تنشر الرعب الآن في باريس وبرلين ولندن. هنا واصلنا، على الرغم من المطاردة الكبرى والناجعة شكليا، الموت في الباصات المحترقة. وعلى الرغم من أننا أعدمنا مئات الفلسطينيين الموجودين على قوائم التصفية وكثيرين غيرهم الا ان رياح (الارهاب) المستطيرة واصلت كيل ضرباتها لنا. الآن، وفي الوقت الذي تتواصل فيه حربنا هنا، وان كانت قد ضعفت قليلا، نشبت الحرب في بغداد. «البورصات ترد بصورة جيدة.. الأسهم ترتفع بنسبة 4% في بورصة تل ابيب» جاء في هذا الاسبوع «الانتصار السريع سيؤدي الى نمو بنسبة 2% في السنة المقبلة». مع نهاية حرب الخليج الثانية يعدوننا مثلما حدث بعد موجة (الارهاب) والرد عليها بأن الهدوء سيخيم هنا وسيظهر شرق أوسط جديد وسينصب على رأس الحكم المستقر فقط اشخاص ممن يحبون الكوكا كولا. الا ان الاسرائيلي الذي يرتدي القناع الواقي يعرف وهو في الغرفة المغلقة ما هي قيمة كل وعود دحر (الارهاب) بالقوة والانتصار الكبير المقبل. الانتفاضة ودحرها الرديء حولنا جميعا الى شكاكين كبار، ليس فقط بالنسبة لوعود الجنرالات، وانما بالنسبة لطبيعة الانسان واحتمالية ان يتعلم كيف يعيش في هدوء مع المردة والشياطين والرياح المستطيرة التي اصطنعها بأم يديه. عن « يديعوت أحرونوت »