الاثنين 21 محرم 1424 هـ الموافق 24 مارس 2003 يأسف كريس باتن، البريطاني مفوض العلاقات الخارجية في اللجنة الأوروبية على عدم تمكن دول الاتحاد الأوروبي بخمس عشرة من الحديث بصوت واحد وقوي، في النزاع العراقي، ويأمل هذا السياسي المحافظ المحنك بأن يتمكن الاتحاد الأوروبي أمام الهاوية التي تنفتح تحت أقدامه من استعادة تماسكه والعمل على ان يسود النظام المتعدد نفسه الذي وفر أطول فترة من السلام والازدهار عرفتها أوروبا. وفيما يلي نص الحوار الذي أجرته معه صحيفة «ايه بي سي». ـ ألا يعني عدم التمكن من الحيلولة دون وقوع الحرب فشلاً للاتحاد الأوروبي أيضاً؟ ـ كلما كانت هناك حرب كان هناك فشل للسياسة وللدبلوماسية على السواء، فلا أحد أراد أن يحل هذا النزاع بصواريخ موجهة تبدد ظلمة الليل، وعندما اجتمع المجلس الاوروبي في فبراير الماضي اتفق على ضرورة التصرف عن طريق الأمم المتحدة وعلى ضرورة نزع أسلحة العراق وعلى ضرورة ان تكون الحرب الملاذ الأخير. وللأسف لم يتم التوصل إلى اتفاق حول اللحظة التي كان يجب ان يبدأ فيها العمل العسكري. لقد بدأت تلك الحرب الآن، وآمل وأتضرع إلى الله ان تنتهي سريعاً بأقل عدد ممكن من الضحايا. ـ ما هي خطورة الجراح المفتوحة في الاتحاد الأوروبي؟ ـ اعتاد الجنرالات على الحديث عن «أضرار جانبية» عندما يشيرون إلى أضرار غير مخطط لها مسبقاً، حين يبدأون بالقاء القنابل على بعضهم البعض، لذلك فإنني قلق من الأضرار الجانبية السياسية التي نجمت حتى الآن، وهي أضرار لحقت بالاتحاد الأوروبي، وبحلف الناتو، وبالعلاقات عبر الأطلسي وبعلاقاتنا مع العالم العربي وبالأمم المتحدة، وثمة نص في معاهدة ماستريخت يفيد أنه يتعين على الدول الأعضاء العمل سوياً من أجل دفع تضامنها السياسي قدماً، كما يتعين عليها الحيلولة دون وقوع أي عمل يتعارض مع مصلحة الاتحاد أو يمكنه التأثير في فعاليته كقوة متماسكة في العلاقات الدولية. ـ الصلاة هي ما تنقصنا الآن، لكن ما هو الثمن الذي سندفعه؟ ـ ان الضرر الذي لحق بالاتحاد الأوروبي، يجب ان يعترف به كلا الطرفين في حرب الأدلة هذه. آمل أن ينظروا إلى الهاوية وأن يدركوا مدى أهمية العمل الآن بكل ما باستطاعتنا واظهار التسامح وكرم الأخلاق لاصلاح الضرر ومحاولة العودة إلى المهمة المتعلقة بجعل الاتحاد الأوروبي كياناً يحسب حسابه في العالم، عندما تنتهي هذه الحرب ومع أننا نواجه الآن تحدياً وصفه تشرشل بأنه «صحراء بلا رحمة» فإن التحديات تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، هل نريد العودة إلى سياسة دولية، كما في القرن التاسع عشر مع دول قومية تسعى إلى مصالح قومية وتوازنات للقوة؟ بتعبير آخر، هل نريد التخلي عن المؤسسات العالمية، التي تمثل السبب الرئيسي الذي كان من خلاله النصف الثاني من القرن العشرين سلمياً أكثر بكثير من النصف الأول؟ وهل نعتقد فعلاً بأن أسلوب مواجهة المشكلات في القرن الحادي والعشرين هو العودة إلى أساليب القرن التاسع عشر؟ أم ينبغي أن نعزز من قوتنا كي تعود التعددية للعمل من أجل بسط سلطة الأمم المتحدة؟ إن المسألة بهذه البساطة، وليس لديّ أدنى شك حول اختياري هذا ولا حول ما يجب أن تكون عليه أوروبا. ـ كان النقاش محتدماً للغاية، حيث تتراكم الاحقاد وبالتالي يمكن لعملية اعادة اللحمة إلى الاتحاد أن تأخذ زمناً طويلاً. ـ لقد قيلت أشياء قاسية جداً. ولذلك فقد آن الأوان للاعتراف بوجود اختلافات بالرأي ومحاولة ايجاد نقاط لقاء منذ اليوم بالذات. ـ في حال تم التوصل إلى حد أدنى من التماسك، ما هو الدور الذي يتعين على الاتحاد الأوروبي المطالبة به في عراق المستقبل؟ ـ من الممكن ان يكون الوقت مبكراً جداً بالنسبة لبعض البلدان البدء بالحديث حول إعادة البناء، وإذا أردنا استخدام كلمات أخرى أقل فظاظة، فإننا نقول ان ثمة دماراً كبيراً سيحدث خلال الأيام المقبلة إلى درجة لا تسمح بالتركيز إلا على المساعدات الانسانية الآن. وإذا أخذنا ثلاثة أمثلة حديثة على الصراع وتفكك الدول وهي تيمور الشرقية وكوسوفو وأفغانستان، نجد أن الاتحاد الأوروبي كان المساهم الأكثر سخاء في بناء أمة جديدة واصلاح أضرار الحرب لكن في الحالات الثلاث كانت القيادة بيد الأمم المتحدة التي قدمت القاعدة الشرعية والأخلاقية والسياسية. لذلك فإن قدرتنا في العراق كي نتمكن من فعل ما فعلناه في أفغانستان ستعتمد على أمرين اثنين: اتفاق الدول الخمس عشرة وعلى أن يكون هناك غطاء من منظمة الأمم المتحدة. لقد قال لي الكثير من الناس ان ذلك الموقف عدواني جداً، لكن توني بلير قال الأسبوع المنصرم أمام مجلس العموم أيضاً انه يجب ايجاد قرار للأمم المتحدة ليس فيما يتعلق بالمساعدات الانسانية وحسب بل فيما يتعلق بإدارة العراق أيضًا. ـ وماذا عما هو أبعد من العراق؟ ـ يجب أن يكون هناك التزام جديد من جانب المجتمع الدولي للسعي لاقرار السلام في الشرق الأوسط، وإذا كان هذا يعني أحياناً عدم الاتفاق مع الولايات المتحدة، فما هي المشكلة في ذلك؟ مع أني آمل ان تلتزم الولايات المتحدة الآن بصورة ثابتة وبدون شكوك ليس بالاعلان عن خارطة الطريق الخاصة بعملية السلام فحسب، وإنما بتطبيقها أيضاً. ـ ان تماسك الدول الخمس عشرة شرط ضروري لكنه ليس كافياً كي يكون للاتحاد الأوروبي وزن في الساحة الدولية إذ لا يوجد اليوم بالذات نظام صلب للدفاع الأوروبي. ـ يتعين على البلدان الأوروبية أن تنفق أكثر على أمنها، ذلك ان نسبة وتناسب النفقات منخفضة للغاية، ومع ان وضع فرنسا والمملكة المتحدة جيداً، فإن البقية تجر أقدامها، لذلك لا اعتقد أن بامكاننا لعب دور بارز حتى نقوم بذلك الجهد على الأقل، والمسألة ليست مرتبطة بمزاحمة الولايات المتحدة حيث لا يمكننا ولا يجب علينا محاولة ذلك، لكن يتعين الانفاق اكثر بطريقة اكثر فعالية. ـ هل تخشى من أن تبتعد كل من أوروبا والولايات المتحدة بصورة دراماتيكية بحيث يتنافى الشعور بمناهضة أميركا في أوروبا؟ ـ آمل ألا يحدث هذا.. ولنكن واضحين، فكثير من الاشياء التي نرغب القيام بها كأوروبيين، ستكون اكثر سهولة في التطبيق إذا استطعنا العمل سوياً مع الولايات المتحدة، والعكس صحيح أيضاً فكثير من الاشياء التي يريدها الاميركيون يمكن الحصول عليها بسهولة أكبر إذا عملوا مع أوروبا، الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة، لكنها ما زالت بحاجة إلى أصدقائها، وإن توجيه النقد للولايات المتحدة ليس مرادفاً لوجود سياسة خارجية أوروبية. ترجمة: باسل أبو حمدة عن «ايه بي سي» ـ اسبانيا