الاحد 20 محرم 1424 هـ الموافق 23 مارس 2003 اجرت صحيفة الغارديان حوارا مؤخرا مع بطرس بطرس غالي، الامين العام السابق للامم المتحدة تناول عددا من القضايا العالمية المطروحة حاليا مع التركيز على السياسة الخارجية التي تتبعها الولايات المتحدة والهدف الحقيقي، من الحرب المحتملة على العراق، ورأي الامين العام السابق في مفهوم الحرب الاستباقية وكيف يرى امكانية التوصل الى تسوية بين العرب والاسرائيليين. وجاء الحوار كالتالي: ـ كيف ترى السياسة الخارجية الحالية للولايات المتحدة الاميركية؟ ـ لقد تغيرت السياسة الخارجية الاميركية بشكل كامل خلال السنوات العشر الماضية فمنذ وصول بوش الاب الى الحكم بدأت مرحلة من التغير الجذري من سياسة اميركا الخارجية ولم يكن المجتمع الدولي عالما بأهمية هذا التغير والآن يمثل بوش الابن والاشخاص الذين يحيطون به مجموعة من المتطرفين اليمينيين فهم مجموعة من الاصوليين المسيحيين. سياسات هؤلاء تعتمد بشكل ايديولوجي على الاعتقاد بأن الولايات المتحدة لديها رسالة خاصة تقوم بتوصيلها للعالم ففي باديء الامر اخترع هؤلاء مسمى العولمة الاقتصادية والآن يريدون ان يعولموا فلسفتهم بالطريقة نفسها ولعلى غرار مسميات مثل الشيوعية والاشتراكية، يمكن ان يطلق على منهج هؤلاء اسم «الاميركانية» فهذا المنهج عبارة عن ايديولوجية تعتمد على تحرير الاقتصاد وفرض نظام ديمقراطي وعن طريق نشر هذه الايديولوجية في العالم فهم يأملون ان يشيعوا السلام والامن. ومنذ هجمات سبتمبر يرى بوش العالم مقسما بين الخير والشر فهم يعودون الى شعارات ريغان عندما تحدث عن تهديد الشيوعية لكن بوش استبدل الارهاب بالشيوعية، فهجوم الحادي عشر من سبتمبر لم يكن اعتداء عسكريا فمن المستحيل ان يتم تدمير القوة العسكرية الاميركية بل كان اعتداء ايديولوجيا. ولذا فان ادارة بوش احتاجت لان ترد بأسلوب ايديولوجي غير ان التغير في السياسة الخارجية الاميركية لم يأت نتيجة هجمات سبتمبر وحسب، فمنذ وصول بوش كانت هناك نية لفعل شيء بخصوص العراق ومواجهة الارهاب وهجمات سبتمبر لم تفعل سوى ان عضدت وقوت من هذه النية. ان التعددية والفردية ما هي الا طرق ووسائل تستخدمها اميركا كيفما شاءت وحسبما يوافق مصالحها. فالامم المتحدة ما هي الا اداة لخدمة السياسة الأميركية، تستخدمها عندما تحتاج إلى معالجة متعددة الاطراف، وعندما لا تحتاج اليها تتصرف خارج اطار هذه المنظمة. وبالطبع، في ضوء ما يملكونه من ميزانية عسكرية تعادل ميزانيات كل الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن مجتمعة، فإن الأميركيين يستطيعون تحمل تكاليف التصرف خارج اطر الأمم المتحدة. ـ الا تتمحور هذه السياسة حول القوة والرغبة في السيطرة على موارد النفط في الشرق الأوسط؟ ـ لا وربما يبدو رأيي هذا مفاجئاً، فأنا اعتقد انهم بالفعل يسيطرون على الشرق الأوسط وموارده النفطية. فلو كان الأمر متعلقاً بالسيطرة على نفط العراق، فإنهم يمكنهم الحصول عليه عن طريق وسائل اقل تكلفة ومن دون ان ينفقوا كل هذه الملايين من الدولارات على حرب في العراق. ـ وهل هذا جديد؟ الا تفعل اميركا دائماً ما تريد؟ ـ نعم فإلى حد معين تفعل ذلك، ولكن من قبل كانت تحتاج لأن تحصل على موافقة القوة العظمى الأخرى من العالم وهي الاتحاد السوفييتي السابق. ولكن نهاية الحرب الباردة وضعت نهاية أيضاً لنظام القطبين والآن يمكن للولايات المتحدة ان تتصرف من دون موافقة قوة أخرى. فالأمر يتناقض كلياً مع فلسفة الأمم المتحدة التي تعتمد على التعددية واتخاذ القرارات بالاجماع. أما الفلسفة الحالية للولايات المتحدة فلسان حالها يقول: «لا نريد اجماعاً، فأنا الذي اقرر». ـ هل ستستمر قيمة الأمم المتحدة كمؤسسة دولية اذا ما قررت أميركا وبريطانيا تجاهلها والهجوم على العراق من دون قرار دولي؟ ـ لقد حاربوا في كوسوفو من دون قرار من مجلس الامن ولم يتجرأ احد على قول اي شيء.. عليك النظر الى الامر من الوجه الاخر: فهل يمكن لمجلس الامن ان يدين هذا التدخل العسكري غير القانوني؟ الاجابة هي: لا.. لأن اميركا سوف تستخدم حق النقض الفيتو او ستضغط على الدول الاعضاء الاخرى للتصويت ضد هذه الادانة، وذلك حتى لا تكون هناك غالبية في التصويت لصالح القرار. ـ تقول اميركا ان هذه هي لحظة الحقيقة بالنسبة للأمم المتحدة. ـ ما يقولونه ليس مهماً، فالمهم هو انهم سوف يتصرفون على اساس القرار رقم 1441 . وتطالب الدول الاعضاء الاخرى بقرار ثان، وعندها سيرد الاميركيون بالقول انهم حاولوا ان يحصلوا على اغلبية في التصويت لصالح قرار ثان ولكنهم فشلوا، ولذا فإنهم يتصرفون بناءً على القرار رقم 1441. اما السيناريو الثاني وهو السيناريو الاسوأ هو ان يتم طرح التصويت على قرار ثان وتستخدم كل من الصين وروسيا وفرنسا حق الفيتو ضده وتقوم اميركا بالهجوم بشكل منفرد بناءً على القرار رقم 1441. وهذا سيكون صفعة على وجه الدول الاخرى في مجلس الامن. ـ اذن اي قيمة ستكون للأمم المتحدة بعد ذلك؟ ـ اذا كنت من المتفائلين فسوف تقول ان هذه ليست اول ازمة تمر بها الامم المتحدة منذ 55 عاماً. فلقد استطاعت الامم المتحدة خلال تاريخها التغلب على ازمات اكثر صعوبة واستمرت بعدها في العمل مثل ازمة حصار برلين والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956 والحرب الكورية والحرب في فيتنام. ولذا فإن الازمة الحالية سوف يتم تذكرها بشكل عرضي وعلى انها حادثة حزينة، ولكن بعد مرور ستة اشهر سيعود كل شيء الى طبيعته. ولكن اذا كنت متشائماً فسوف تقول ان ما يحدث هو بداية نهاية الامم المتحدة تماماً كما كان الامر بالنسبة لعصبة الامم التي تفككت قبل الحرب العالمية الثانية. ـ فهل انت متفائل ام متشائم؟ ـ من الصعب القول ماذا سيحدث. فإذا كانت الحرب قصيرة وحقق خلالها انتصار واضح، فسيكون من السهل على اي شخص ان ينسى ويقول ان اميركا كانت على حق على الرغم من كل شيء. وعلى الجانب الاخر اذا كانت الحرب طويلة وخلفت كثيراً من الدمار فسيقول الجميع ان الامر كان متوقعا وان الامر كان خطأ شنيعاً. فسيكون على الاميركيين حينذاك مغادرة العراق في الوقت الذي سيكون البلد قد تم تدميره وسيطلب من الامم المتحدة ان تتدخل ولكن لن يكون لديها القدرة او الاموال التي تمكنها من علاج الموقف الذي سيكون حينذاك شبيهاً بالوضع الفوضوي في يوغسلافيا. ـ وما هي توقعاتك لما سيحدث؟ ـ انا لست خبيراً بالامور العسكرية. ولا ادري كيف سيتصرف الجيش العراقي. فهل سيتعرض الرئيس العراقي صدام حسين للخيانة من قبل رجاله، ام انه سيستطيع الاعتماد على دعم وتضامن شعبه؟ ـ هل ترى ان الحرب ستكون مبررة اذا وجد مفتشو الامم المتحدة اسلحة تدمير شامل في العراق؟ ـ هناك اسلحة دمار شامل في اسرائيل، فلماذا لا يبدأون بتجريد اسرائيل من هذه الاسلحة؟ في اسرائيل لديهم القنبلة الذرية ولم يوقعوا قط على معاهدة حظر الانتشار النووي. فلماذا لا يبدأون من هناك؟ ان الامر يكال بمكيالين. وهذا الامر كامن من طبيعة الامم المتحدة كمؤسسة سياسية، فبعض القرارات يتم الموافقة عليها كي تنفذ وبعد القرارات يتم تمريرها ويعلم الجميع انها لن تجد ابداً طريقها نحو التنفيذ. ـ ماذا تعتقد بشأن فكرة الحرب الاستباقية في سياق القانون الدولي؟ ـ هذا الهجوم غير قانوني بلا ادنى شك. فهو يتناقض مع الروح الاساسية للأمم المتحدة. وهنا يتبلور قول المتشائمين الذين يؤكدون ان تلك هي «بداية نهاية الامم المتحدة». علينا ان نكون واضحين في هذا الشأن، فإذا وافق مجلس الامن على العمل العسكري فحتى التدخل الاستباقي في هذا الشأن يكون شرعياً. فمجلس الامن يملك حق تخويل استخدام القوة المسلحة، فهو يمكن ان يسمح باستخدام القوة العسكرية وقتما يشاء من دون ان يكون لأحد حق الحكم على قرار المجلس. الا ان حرباً استباقية ناتجة عن قرار فردي اتخذته احدى الدول الاعضاء تعتبر امراً غير قانوني. وتجاهل مجلس الامن امر غير قانوني. ولم يحدث هذا الامر مرة واحدة فقط من قبل عندما قام الاسرائيليون بقصف المفاعل الذري العراقي. ووقتها كان الامر هجمة فردية استباقية. ـ ما هو قدر المصداقية التي سيمكن للأمم المتحدة الاحتفاظ بها في حال قرر الاميركيون التحرك بمفردهم؟ ـ انني مع الدفاع عن الامم المتحدة لأنها هي المؤسسة الموجودة الوحيدة التي يمكن ان تساهم في دمقرطة المؤسسات الدولية. فالدول الفقيرة والضعيفة والصغيرة كلها تحتاج الامم المتحدة لأنها ليست لديها طرف اخر تلجأ اليه. فالدول الكبرى لديها دبلوماسيتها وشبكتها التجارية والاستثمارية ويمكنها التعامل مع سياستها الخارجية من دون الامم المتحدة. ـ اذن فحتى لو فشلت المنظمة في التعامل مع قضية العراق فسوف تظل لها قيمة؟ ـ نحن لا نعلم كيف سترد الدول الاعضاء في المستقبل، وذلك فيما يتعلق بما اذا شجع هذا العمل في حال تنفيذه الدول الاخرى على التصرف بشكل مماثل ام لا. فإذا اعتبر هذا الهجوم امراً استثنائياً، فإن هناك امكانية لأن تواصل الامم المتحدة عملها. ـ ماذا تعتقد ان يكون عليه رد فعل العالم العربي؟ ـ اقولها مرة اخرى. اذا كانت الحرب سريعة او نظيفة، على الرغم من انني لا احب هذا اللفظ الاخير، فسوف لا يكون هناك رد فعل كبير. وسيكون هناك تواصل في الكره العربي لاميركا، وستكون هناك مظاهرات كبيرة، ولكن في غضون اسبوعين او ثلاثة سوف تخبو هذه المظاهرات. ولكن اذا شاهدنا على شاشات التلفزيون دماء تسفك وخسائر ضخمة وبيوتاً تهدم وشعباً يقتل، وقتها ستكون هناك مشكلات. انا لا ادري ماذا سيحدث بشأن العراق، ولكننا لدينا سابقة يمكن ان تساعدنا على تنبؤ قدر رد الفعل من عدمه. فمن خلال 12 شهراً الماضية رأينا اشياءً مرعبة يقترفها الاسرائيليون في الاراضي المحتلة مثل تحطيم المنازل وقتل الاطفال ولم نر اي رد فعل لهذه الاعمال. فلقد كان هناك بعض الاعتراضات والمظاهرات، ولكن لم يزد الامر عن ذلك. فالعالم العربي ضعيف، وليست لديه قوة والولايات المتحدة تدعم اسرائيل. ـ هل تعتقد ان هذا صراع حضارات؟ ـ لا اعتقد هذا. ربما هناك تزايد في الاعمال الارهابية سواء من افراد او جماعات مثل تنظيم القاعدة، ولكن الامر ليس صراع حضارات. فالامر لن يكون ابداً حركة واسعة. ـ ما مدى قوة حركة العروبة؟ ـ ان العروبة تمر بأزمة، فالعرب ضعفاء ومنقسمون على انفسهم. ففي السابق عندما كان هناك قطبان يحكمان العالم، كان العرب قادرين على الانضمام لمعسكر على حساب الاخر. فأحد اسباب الضعف الذي يعانوه حالياً هو انهم ليس لديهم من يمكنهم الاستناد اليه. لا احد يدعمهم. ولا يوجد الا قوة عظمى واحدة، ولا يمكنهم اللجوء الى اي طرف اخر للمساعدة. ففي اثناء الحرب بين مصر واسرائيل، من اين جاءت الاسلحة؟ من روسيا. اما اليوم فلا يمكنهم اللجوء الى اي طرف سوى اميركا، فأوروبا ضعيفة للغاية ولا يمكنها لعب اي دور. ولدى اميركا القدرة على تضخيم هذه الفرقة بين العرب عن طريق تقديم المساعدة لطرف على حساب الاخر. والصراع مع اسرائيل يزيد من هذا الضعف. فالولايات المتحدة تؤيد اسرائيل للدرجة التي لا يمكن ان يكون فيها للعرب اي علاقات جيدة مع اميركا. ـ كيف يمكن تسوية الصراع مع اسرائيل؟ ـ بحلول عام 2010 او 2015 سيكون عدد العرب في الضفة الغربية وغزة يزيد على اعداد اليهود. وحالياً هناك 20% من الاسرائيليين من اصل عربي، وبمرور الوقت ستزيد هذه النسبة الى 30% او 40%، اضافة الى عرب الضفة وغزة. وبذلك سيكون العرب اغلبية. الموقف سيكون متشابهاً مع ما كان عليه الوضع في جنوب افريقيا من فترة الثمانينيات، عندما حكمت الاقلية البيضاء الاغلبية السوداء. ففي خلال عشرين عاماً ستحكم الاقلية اليهودية في اسرائيل الاغلبية العربية. ـ وماذا سيعني هذا بالنسبة لاسرائيل؟ ـ الموقف سوف يتغير، فعلى المدى البعيد لا يمكنم السيطرة عن طريق اقلية. يمكنك القيام بذلك لعامين او ثلاثة او حتى 10 سنوات، ولكن الامر لا يمكن ان يستمر على المدى البعيد. فالاسرائيليون سوف يضعفون وسيضطرون الى التنازل وتغيير موقفهم. ترجمة: حاتم حسين عن «جارديان»