السبت 19 محرم 1424 هـ الموافق 22 مارس 2003 هل يجب ان تغزو الولايات المتحدة العراق وتخلع صدام حسين؟ اذا ما كانت الولايات تخوض بالفعل حربا مع العراق، مع نشر هذه المقالة، فان السبب المزعوم لهذه الحرب سيكون فشل صدام حسين في الامتثال لنظام الامم المتحدة، الجديد للتفتيش على الاسلحة بالشكل الذي يرضي ادارة بوش. غير ان هذا الفشل ليس السبب الحقيقي، فالولايات المتحدة وصدام كانا في حالة تصادم على مدى السنة الماضية.ان السبب الاعمق للنزاع هو موقف الولايات المتحدة الذي يرى ضرورة اقصاء صدام حسين لصعوبة ردعه ويستخدم المناصرون للحرب الاستباقية حججا عديدة للترويج لهذه الحالة، غير ان ورقتهم الرابحة ان سلوك صدام الماضي يثبت انه متهور وعنيد وعدواني بشكل يفرض عدم السماح له بامتلاك هذه الاسلحة خاصة النووية. وهم غالبا ما يقبلون ان الحرب ضد العراق يمكن ان تكون مكلفة، وانها تقود الى احتلال اميركي طويل، وانها تعقد علاقات الولايات المتحدة مع اقطار اخرى، ولكن هذه المخاوف تتوارى امام الاعتقاد بأن تركيبة صدام الى جانب قوته النووية المتوقعة خطر لا يمكن قبوله ولهذا السبب وحده فانه يجب ان يذهب. وبالنسبة للكثيرين من معارضي الحرب فانهم يقرون ان الردع لن يجدي مع العراق، وبدلا من غزو العراق والاطاحة بحكمه، فان المعتدلين يفضلون استخدام التهديد بالحرب لارغام صدام على قبول نظام التفتيش الجديد، على امل ان يزيل المفتشون أي مخزون لاسلحة الدمار الشامل ووسائل انتاجه وضمان عدم امتلاك العراق لمثل هذه الاسلحة. وعلى ذلك، فان كلا من المتشددين المؤيدين للحرب والأكثر اعتدالا المؤيدين للتفتيش يقبلون المسلمة الاساسية نفسها: صدام حسين لا يمكن ردعه، ولا يجب السماح له بامتلاك ترسانة نووية. مشكلة هذه الاطروحة.. انها خاطئة تماما وبكل تأكيد، فالاعتقاد بأن سلوك صدام في الماضي يظهر أنه لا يمكن احتواؤه تقوم على تشويه للتاريخ والمنطق المعيب. وفي الحقيقة فان السجل التاريخي يظهر ان الولايات المتحدة يمكن ان تحتوي العراق بفاعلية، حتى اذا ما كان لدى صدام اسلحة نووية، مثلما تم احتواء الاتحاد السوفييتي خلال الحرب الباردة. وبغض النظر عما اذا كان العراق يمتثل لعمليات تفتيش الامم المتحدة او عما سيجده المفتشون فان الحملة ضد العراق تقوم على اساس منطقي هش. يبدأ الذين يدعون الى الحرب الوقائية بتصوير صدام كمعتد او عدواني دائم، ذي نزعة للسيطرة على الخليج، ويؤكد حزب الحرب ايضا ان صدام اما انه غير رشيد «لا عقلاني» او انه عرضة لسوء التقدير او الحساب. وهو ما قد يعني ان صدام قد لا يمكن ردعه حتى بتهديدات حقيقية او بالانتقام. وقد ذهب كينيث بولاك المدير السابق لشئون الخليج في مجلس الأمن القومي والمؤيد للحرب على العراق بعيدا الى حد طرح ان صدام «انتحاري بغير قصد» والحقائق مع ذلك تقدم لنا رؤية مختلفة، فصدام سيطر على السياسة العراقية لأكثر من 30 عاما، وخلال هذه الفترة بدأ حربين مع جيرانه.. مع ايران في 1980 والكويت 1990 وسجل صدام في ضوء هذه النظرة لا يقل سوءا عن غيره من الدول المجاورة. الاكثر من ذلك فان نظرة فاحصة على حربي صدام تبين ان سلوكه كان بعيدا عن التهور. ففي كلتا الحربين قام بشن الهجوم لاعتقاده بحساسية وضع العراق ولاعتقاده بأن اهدافه كانت ضعيفة ومعزولة. وفي كل حالة كان هدفه ان يصحح المعضلة الاستراتيجية للعراق بنصر عسكري محدود. مثل هذا التفكير لا يبرر عدوانية صدام، ولكن رغبته في استخدام القوة في هذه المناسبات تبين انه بالكاد لا يمكن ان يرتدع. لقد كانت ايران الدولة الاقوى في الخليج العربي في السبعينيات وكانت قوتها تعود جزئيا الى اتساع قاعدتها السكانية «ثلاثة اضعاف العراق تقريبا» وبسبب احتياطاتها النفطية، ولكنها ايضا كانت تستمد قوتها من المساندة القوية التي كان يتلقاها الشاه من الولايات المتحدة. وقد كانت العلاقات بين العراق وايران تقتسم بالعداء خلال هذه الفترة، غير ان العراق لم يكن في وضع يمكنه من تحدي الهيمنة الايرانية. وقد مارست ايران ضغطا دائما على النظام العراقي في اوائل السبعينيات، في الغالب بالتحريض على القلاقل بين الاقلية الكردية الخاضعة لحكام النظام العراقي. و النهاية اقنع العراق الشاه بالتوقف عن التدخل مع الاكراد عام 1975 مقابل الموافقة على التخلي عن نصف نهر شط العرب لايران وهو التنازل الذي أكد ضعف العراق. ولهذا فانه لم يكن مفاجئا ترحيب صدام باقصاء الشاه عام 1979، وقد ذهب العراق الى مدى بعيد لتعزيز علاقاته الجيدة مع النظام الثوري في ايران. ولم يستغل صدام الاضطراب في ايران للحصول على ميزة استراتجية على جاره ولم يحاول التراجع عن تنازلاته السابقة رغم ان ايران لم تمتثل بشكل كامل لشروط اتفاقية 1975. الخميني، على الجانب الاخر، قرر ان يمد ثورته عبر العالم الاسلامي، بادئا بالعراق. وفي اواخر 1979 كانت طهران تدفع الاكراد والشيعة في العراق للثورة والاطاحة بصدام، فيما كان يشارك ايرانيون يحاولون اغتيال مسئولين عراقيين كبار، في ذات الوقت الذي تزايدت فيه اشتباكات الحدود بحلول ابريل 1980 بمبادأة ايرانية في الاساس. ولمواجهة هذا الخطر الكبير على نظامه، مع ادراكه ان الجاهزية العسكرية الايرانية قد تراجعت مؤقتا مع قيام الثورة خاض صدام حربا محدودة ضد خصمه القوي في 22 سبتمبر 1980. وكان هدفه المبدئي الاستيلاء على قسم كبير من الاراضي على طول الحدود العراقية الايرانية وليس غزو ايران او اسقاط الخميني. وقد «بدأت الحرب» كما كتب المحلل العسكري افرايم كارثي لأن الدولة الضعيفة، العراق، حاولت مقاومة تطلعات الهيمنة لجارتها ايران الهادفة الى اعادة تشكيل الوضع الاقليمي القائم وفقا لتصورها. وقد تقاتل العراق وايران لمدة ثماني سنوات. وكلفت الحرب الخصمين اكثر من مليون اصابة ونحو 150 مليار دولار على الاقل، وتلقى العراق مساعدة خارجية كبيرة من دول اخرى، بما فيهم الولايات المتحدة والكويت، والسعودية وفرنسا، وجاء ذلك في اطار هدف هذه الدولة منع نشر الخيميني لثورته الاسلامية، ورغم ان الحرب كلفت العراق اكثر مما توقع صدام، فقد احبطت ايضا محاولة الخميني لاسقاطه والسيطرة على المنطقة. ولهذا لم تكن الحرب مع ايران مغامرة متهورة.. لقد كانت استجابة انتهازية لتهديد واضح. ولكن ماذا عن الغزو العراقي للكويت في اغسطس 1990؟ ربما كانت الحرب السابقة مع ايران دفاعية. ولكن من المؤكد انه لم تكن هذه هي الحقيقة في حالة الكويت. ولكن أليس قرار صدام بغزو جارته الصغرى يثبت انه بالغ الطيش وعدواني بشكل يصعب الثقة به ازاء امتلاكه اسلحة دمار شامل؟ وأليس رفضه الانسحاب حتى مع اصطدامه بتحالف متفوق يشير الى انه «انتحاري بغير قصد» ان الاجابة هي «لا» مرة اخرى. ان نظرة فاحصة تبين ان صدام ليس عدوانيا بلا تفكير او متهور، الدليل يثبت النتيجة المعاكسة. ان قرار صدام بغزو الكويت كان أوليا محاولة للتعامل مع ضعف العراق المستمر، فالاقتصاد العراقي تضرر كثيرا بحربه مع ايران، واستمر في الهبوط بعد انتهاء الحرب. وقد كان من الاسباب الرئيسية للمصاعب العراقية الرفض الكويتي لاقراض العراق 10 مليارات دولار وشطب ديون على العراق ناجمة عن حربه مع ايران، وكان صدام يعتقد بأن له الحق في مساعدة اضافية لأن دولته ساعدت في حماية الكويت ودول المنطقة الاخرى من التوسع الايراني. ولجعل الامور أسوأ فان الكويت كانت تزيد انتاجها النفطي عما هو مقرر لها في اوبك مما ادى الى هبوط اسعار النفط وخفض الارباح العراقية الناتجة عن تصدير النفط. وقد حاول صدام استخدام الدبلوماسية لحل المشكلة، لكن الكويت لم تتجاوب. وكما لاحظ البعض، فان الكويتيين كانوا يشكون في ان بعض التنازلات يمكن ان تكون ضرورية، ولكنهم قرروا تخفيضها الى الحد الادنى، وقد اعتزم صدام خوض الحرب، حسبما ذكرت التقارير، في يوليو 1990، ولكن قبل ارسال جيشه الى الكويت اقترب من الولايات المتحدة في محاولة لتحديد كيف سيكون رد فعلها؟ في مقابلة تعد مشهورة الآن مع الزعيم العراقي، فان السفيرة الاميركية ابريل غلاسبي اخبرت صدام: «نحن ليس لنا رأي بشأن النزاعات العربية العربية مثل نزاعك الحدودي مع الكويت». وقالت وزارة الخارجية لصدام ان واشنطن ليس لها التزامات دفاعية خاصة أو أمنية تجاه الكويت. ان الولايات المتحدة ربما لم تكن تعتزم اعطاء العراق الضوء الاخضر ولكنها فعليا قامت بذلك. وغزا صدام الكويت في اغسطس 1990، وهذا العمل كان خرقا واضحا للقانون الدولي، وموقف الولايات المتحدة مبررا في معارض الغزو العراقي وبتشكيل تحالف ضده، ولكن قرار صدام بالغزو بالكاد يمكن وصفه بأنه غير رشيد او متهور. الردع لم يفشل في هذه الحالة اذ لم تجر محاولة لتجربته اصلا. ولكن ماذا عن فشل صدام في مغادرة الكويت بمجرد ان طلبت الولايات المتحدة العودة الى الوضع القائم؟ الا يجب على الزعيم المتعقل ان ينسحب قبل ان يضرب بقسوة؟ بالادراك المتأخر فان الاجابة تبدو واضحة. ولكن صدام كان لديه اسباب جيدة للاعتقاد بأن الاستمرار على موقفه والتشدد في المقايضة يمكن ان يحقق اهدافه. فلم يكن يبدو بشكل جلي ان الولايات المتحدة يمكن فعليا ان تحارب واغلب الخبراء العسكريين الغربيين تنبأوا بأن الجيش العراقي سوف يبدي دفاعا هائلا. تبدو هذه التوقعات حمقاء اليوم، ولكن الكثيرين من الناس اعتقدوا بذلك قبل ان تبدأ الحرب. ومع ذلك فبمجرد ان بدأت الحملة الجوية الاميركية تلحق اضرارا كبيرة بالقوات العراقية بدأ صدام حسين في البحث عن حل دبلوماسي يمكن ان يسمح له بالخروج قبل ان تبدأ الحرب البرية. وبالفعل اوضح صدام انه راغب في الانسحاب الكامل، وبدلا من السماح للعراق بالانسحاب، وترك الفرصة له بالحرب في يوم آخر، فان بوش وادارته اصروا على ان يترك الجيش العراقي معداته خلفه حال انسحابه.. وكما ذهبت امال الادارة فان صدام لم يكن يستطيع ان يقبل بصيغة كهذه. بدون شك فان صدام اخطأ في الحسابات عندما غزا الكويت، ولكن تاريخ الحروب مليء بحالات اخطأ فيها القادة تقدير الفرص للحرب. ومع ذلك لا يوجد دليل يشير الى ان صدام حسين لم يكن يزن خياراته بعناية. وقد اختار استخدام القوة لأنه كان يواجه تحديا خطيرا، ولديه اسباب معقولة للاعتقاد بأن غزوه لن يثير معارضة خطيرة. لا يجب ان ننسى ان الرئيس العراقي نجا من كارثة الكويت، كما هو الحال، مع نجاته من التهديدات الاخرى ضد نظامه. وهو يبدأ الآن العقد الرابع له في السلطة، واذا كان حقيقة انه «انتحاري بغير قصد» فان ارادة البقاء لديه تبدو أكثر شحذا للعمل بشكل جيد. ويمدنا التاريخ بدليلين يشيران الى ان صدام يمكن ردعه.. الاولى انه على الرغم من اطلاقه صواريخ سكود محملة بأسلحة تقليدية على السعودية واسرائيل خلال حرب الخليج، فان لم يطلق اسلحة كيماوية او بيولوجية على قوات التحالف التي كانت تحطم الجيش العراقي. اكثر من ذلك فان مسئولين عراقيين رسميين بما فيهم نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز والرئيس السابق للمخابرات العسكرية الجنرال رفيق السامرائي قالا بأن العراق امتنع عن استعمال الاسلحة الكيماوية لان ادارة بوش الاب وجهت تهديدات غامضة لكنها بدت حاسمة بالانتقام اذا استعمل العراق اسلحة دمار شامل. الثاني في عام 1994 عندما عبأ بقايا جيشه على الحدود الكويتية في محاولة ظاهرة لفرض تعديل على لجنة الأمم المتحدة الخاصة بشأن نظام التفتيش على الاسلحة، ولكن عندما اصدرت الامم المتحدة تحذيرا جديدا وعززت الولايات المتحدة قواتها في الكويت فان العراق تراجع بسرعة. في كلتا الحالتين فان الزعيم العراقي الذي يزعم هؤلاء انه غير عقلاني.. ارتدع. ويستخدم مناصرو الحرب الاستباقية ايضا الخط او الجزء الثاني للاطروحة ويشيرون الى ان صدام استخدام اسلحة دمار شامل ضد شعبه وضد ايران، وانه لهذا من المحتمل ان يستخدمها ضد الولايات المتحدة. ولهذا فإن الرئيس بوش الابن حذر مؤخراً من ان قضية اسلحة الدمار الشامل العراقية، تنحو نحو الاسوأ بمرور الوقت. ان الولايات المتحدة، بكلمات اخرى، تواجه خطراً وشيكاً. ان سجل صدام في استخدام الاسلحة الكيماوية محزن، لكن لا يوجد من بين ضحاياه من يملك ترسانة مشابهة، وهكذا لا يستطيعون التهديد او الرد بنفس الطريقة. ان حسابات العراق كانت يمكن ان تكون مختلفة كلياً لدى مواجهة الولايات المتحدة لأن واشنطن يمكن ان تنتقم باسلحة دمار شامل اذا قرر العراق البدء باستخدام هذه الاسلحة. ولهذا فإن صدام ليس لديه حافز لاستعمال الاسلحة الكيماوية او النووية من الولايات المتحدة وحلفائها باستثناء حالة ان يكون بقاؤه مهدداً. وهذا المنطق البسيط يشرح لماذا لم يستخدم اسلحة دمار شامل ضد الولايات المتحدة خلال حرب الخليج ولم يطلق صواريخ برؤوس كيماوية او بيولوجية على اسرائيل. الاكثر من ذلك.. انه اذا لم يكن هناك امكانية لارتداع صدام فما هو الشيء الذي يمكن ان يوقفه عن استخدام اسلحة الدمار الشامل ضد القوات الاميركية في الخليج العربي التي قصفت العراق بشكل متكرر خلال العقد الماضي؟ لقد اتى الردع بمفعوله مع صدام بشكل جيد في الماضي وليس هناك سبب للاعتقاد بأنه لا يمكن ان يأتي بمفعوله بنفس الدرجة جيداً في المستقبل. ان الرئيس بوش يكرر الزعم بأن التهديد من جانب العراق يتزايد دون الاخذ في الاعتبار سجل صدام في الماضي. وهذه البيانات يجب ان ينظر اليها كمحاولات صريحة لتخويف الاميركيين بسحب تأييدهم للحرب. ان جورج تينيت ناقض الرئيس بشكل قاطع في رسالة للكونغرس في اكتوبر 2002، حيث يقول فيها ان من غير المحتمل ان يبدأ صدام هجوماً باسلحة الدمار الشامل ضد اهداف بالولايات المتحدة مالم تستثيره واشنطن، وانه حتى اذا امتلك العراق ترسانة ضخمة من اسلحة الدمار الشامل فإن الولايات المتحدة تظل تحتفظ بقدرة انتقامية نووية هائلة واذا استخدم صدام اسلحة دمار شامل فقط اذا هددت الولايات المتحدة نظامه، فإن المرء حينئذ ليندهش لماذا يسعى انصار الحرب لتحقيق ذلك؟ ان الصقور لديهم موقف احتياطي بشأن هذه القضية. نعم ان الولايات المتحدة يمكنها محاولة ردع صدام بالتهديد بالانتقام بالقوة الهائلة، ولكن هذه الاستراتيجية يمكن الا تحقق اهدافها لأن استخدام العراق في الماضي اسلحة كيماوية ضد الاكراد وايران يبين ان صدام يمكن ان يستخدم اسلحة دمار شامل دون اهتمام بالنتائج. لسوء الحظ بالنسبة لهؤلاء الذين يفضلون الحرب الان، فإن هذه الاطروحة من الصعب ان تتوافق مع مساندة الولايات المتحدة في الماضي للعراق. تلك المساندة التي تزامنت مع بعض سلوكياته التي يثار جدلاً بشأنها الان لتصويره كرجل مجنون غير عاقل. لقد ساندت الولايات المتحدة العراق خلال عقد الثمانينيات عندما كان صدام يستخدم الغاز السام ضد الاكراد والايرانيين، وساعدت العراق على استخدام الاسلحة الكيماوية بشكل اكثر فعالية بامداده بصور اقمار اصطناعية لمواقع القوات الايرانية. كما ان ادارة ريغان ايضاً سهلت جهود العراق لتطوير اسلحة بيولوجية بالسماح لبغداد باستيراد مواد جرثومية مثل الجمرة الخبيثة وفيروس غرب النيل. ان احدى الشخصيات الرئيسية في بذل الجهد لمحاكمة العراق وهو وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد كان حينئذ مبعوث ريغان للشرق الاوسط قد زار بغداد وقابل صدام في عام 1983 بهدف واضح هو تعزيز العلاقات الجيدة بين الولايات المتحدة والعراق. وفي اكتوبر 1989 وبعد نحو عام من استخدام صدام الغازات السامة ضد الاكراد، فإن الرئيس جورج بوش (الاب) وقع وثيقة رسمية من مجلس الامن القومي يعلن ان العلاقات بين الولايات المتحدة والعراق يمكن ان تخدم مصالحنا طويلة المدى وتوفر الاستقرار في كل من الخليج والشرق الاوسط. واذا كان استخدامه للاسلحة الكيماوية يبين بشكل واضح انه رجل مجنون ولا يمكن احتواؤه فلماذا فشلت الولايات المتحدة في ادراك ذلك في عقد الثمانينيات؟ لماذا لم يبال رامسفيلد والرئيس الاسبق بوش الاب بشأن اسلحته الكيماوية والبيولوجية؟ ان الاجابة الاكثر احتمالاً هي ان صانعي السياسة الاميركيين ادركوا حقيقة ان صدام لا يمكن ان يستخدم هذه الاسلحة ضد الولايات المتحدة وحلفائها مالم تهدده واشنطن بشكل مباشر. اما اللغز الحقيقي اليوم هو سبب الاعتقاد باستحالة ردعه؟ الضربة الثالثة ضد سياسة الاحتواء، طبقاً لأولئك الذين دعوا الى الحرب هو ان مثل هذه السياسة من غير المحتمل ان توقف صدام عن الحصول على اسلحة نووية، وانه بمجرد الحصول عليها ـ هكذا تذهب الاطروحة ـ فإن مجموعة كبيرة من الاشياء السيئة سوف تحدث. على سبيل المثال فإن الرئيس بوش حذر من ان صدام ينوي ان يبتز العالم. وعلى نفس النمط فإن مستشارة الامن القومي الاميركي كوندوليزا رايس تعتقد انه يمكن ان يستخدم اسلحة الدمار الشامل لابتزاز كامل المجموعة الدولية. آخرون يخافون من ان الترسانة النووية يمكن ان تسهل للعراق غزو جيرانه، وحينئذ ستردع الولايات المتحدة عن محاولة اخراج الجيش العراقي كما حدث في 91 وفي اسوأ افتراض فإن صدام يمكن ان يوفر بشكل سري سلاحاً نووياً للقاعدة او منظمات شبيهة، مما يمكن هذه الجماعات من مهاجمة الولايات المتحدة مباشرة. ان الادارة ومناصريها يمكن ان يكونوا على حق في حالة واحدة فقط هي ان يكون الاحتواء غير كاف لمنع العراق من امتلاك السلاح النووي يوماً ما. فقط الغزو والاحتلال الدائم للعراق يمكن ان يضمن ذلك. ومع ذلك فإن الولايات المتحدة يمكن ان تحتوي العراق النووي كما احتوت الاتحاد السوفييتي. ولا يوجد شيء من السيناريوهات المرعبة لانصار الحرب الاستباقية من المتوقع ان يحدث. فبالنسبة الى الزعم بأن صدام يمكن ان يستخدم الابتزاز النووي ضد خصومه، فإن ارغام دولة اخرى على تقديم تنازلات يتطلب من المبتز ان يكون واضحاً حول امكانية استخدامه للسلاح النووي ضد الدولة الهدف اذا لم يحقق ما يريد. ولكن هذه الاستراتيجية عملية فقط اذا كان المبتز لديه سلاح نووي، فيما ليس لدى الدولة الهدف او حلفائها هذا السلاح. فإذا كان لدى المبتز والدولة الهدف اسلحة نووية، فإن تهديد المبتز يعد فارغاً لأنه لا يمكنه تنفيذ تهديده بدون التسبب في دمار ذاته. هذا المنطق يشرح لماذا لم يكن الاتحاد السوفييتي الذي كانت لديه ترسانة نووية كبيرة خلال معظم الحرب الباردة قادراً على ابتزاز الولايات المتحدة او حلفائها او حتى لم يحاول ذلك. ولكن ماذا لو قام صدام حسين بغزو الكويت ثانية؟ وقال حينئذ انه سوف يستعمل الاسلحة النووية اذا حاولت الولايات المتحدة خوض عاصفة صحراء اخرى؟ مرة ثانية.. هذا التهديد يفتقد المصداقية ذلك انه اذا ما بادر صدام حسين بحرب نووية ضد الولايات المتحدة من خلال الكويت، فإنه بذلك يجلب الرؤوس النووية الاميركية على رأسه هو. وبتوفير الاختيار بين الانسحاب او الموت فإنه بالتأكيد سوف يختار الاول. وعلى هذا فإن الولايات المتحدة يمكن ان تشن عاصفة صحراء ثانية ضد صدّام نووي التسلح بدون الانجرار الى حرب نووية. ومن السخرية ان بعض المسئولين المناصرين للحرب اعتادوا ان يعترفوا بأن صدام لا يمكنه استخدام اسلحة نووية لاغراض هجومية. ففي عدد يناير /فبراير 2001 من فورين افيرز على سبيل المثال وصفت مستشارة الامن القومي رايس كيف يمكن للولايات المتحدة ان تتصرف اذا امتلك العراق اسلحة دمار شامل. وقالت ان خط الدفاع الاول يجب ان يكون مبدأ الردع الواضح والكلاسيكي.. اذا امتلكوا اسلحة دمار شامل فإن اسلحتهم لن يتم استخدامها لأن اي محاولة لاستخدامها سوف تؤدي الى ابادتهم. اذا كانت رايس تعتقد ان اسلحة العراق كان من غير الممكن استخدامها عام 2001، فلماذا تعتقد الآن ان صدام يجب ان يطاح به قبل ان يحصل عليها؟ لهذا فإن السؤال هو لماذا نعتقد الان ان الترسانة النووية سوف تمكن صدام من ابتزاز المجموعة الدولية فيما لم نتطرق الى ذكر هذا الاحتمال في عام 2001؟ بالطبع اصبح السيناريو المرعب الان هو ان صدام سوف يعطي الاسلحة النووية الى القاعدة او جماعات اخرى. وجماعة مثل القاعدة من المؤكد تماماً انها ستحاول استخدام تلك الاسلحة ضد اسرائيل او الولايات المتحدة. ولهذا فإن هذه الدول لديها الباعث القوي لاتخاذ كافة الاجراءات المقبولة للابقاء على هذه الاسلحة بعيدة عن ايدي مثل هذه الجماعات؟ ومع ذلك فإن احتمال وصول هذه الاسلحة الى القاعدة عبر العراق ضعيف جداً. فأولاً لا يوجد دليل ذو مصداقية يربط العراق بالهجمات على مركز التجارة العالمي والبنتاغون، او بشكل اكثر عمومية على تعاون العراق مع القاعدة ضد الولايات المتحدة. وقد ذهب الصقور داخل وخارج ادارة بوش الى حدود بعيدة خلال الشهور الماضية لايجاد رابطة ولكنهم عادوا خالي الوفاض. ان افتقاد الدليل على صلة حقيقية بين صدام والقاعدة امر لا يثير الدهشة لأن العلاقات بين صدام والقاعدة كانت ضعيفة تماماً في الماضي. فأسامة بن لادن اصولي راديكالي وهو يمقت الزعماء العلمانيين مثل صدام. كما ان صدام يقمع الحركات الاصولية في العراق. واخذاً في الاعتبار هذا التاريخ من العداء فإنه من غير المحتمل ان يسلم الرئيس العراقي للقاعدة اية اسلحة نووية، يمكن ان تستخدم بطرق قد يصعب عليه التحكم فيها. وقد يؤدي الضغط الاميركي الى الدفع بهذين الحليفين غير المحتملين الى التلاقي في نهاية الامر، مثلما اصبحت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي حلفاء خلال الحرب العالمية الثانية. وسيبقى من غير المحتمل مع ذلك ان يشرك صدام القاعدة في امتلاك اسلحته ذات القيمة، لعدم ثقته في انها يمكن ان تستخدم بشكل يضع بقاءه على المحك. خلال الحرب الباردة لم تشرك الولايات المتحدة حلفاؤها في خبراتها النووية كما رفض الاتحاد السوفييتي توفير سلاح نووي للصين رغم توافقهما العقائدي والطلبات الصينية المتكررة، ولا يوجد ما يشير الى ان صدام قد يتصرف بشكل مختلف. ثانياً من الصعب ان يثق صدام بامكانية ان يتم هذا التحويل دون ان يتم اكتشافه. فمنذ احداث 11 سبتمبر ووكالات المخابرات الاميركية وحلفاؤها تركز انشطتها على القاعدة والعراق، في محاولة لايجاد روابط بينهما. واذا كان العراق يمتلك اسلحة نووية فإن المراقبة الاميركية لهذين الخصمين سوف يتم تكثيفها بدرجة كبيرة، ولتقديم اسلحة نووية للقاعدة فإنه سيكون على صدام ان يراوغ الاعين والاذان العديدة لاجهزة المخابرات التي تسعى للامساك به في حال تلبس اثناء محاولته تسليم اسلحة نووية. وحتى اذا ما فكر صدام حسين بأنه يستطيع تهريب اسلحة نووية الى ابن لادن فإنه يظل من غير المحتمل ان يفعل ذلك. فصدام حاول امتلاك الاسلحة النووية على مدى عشرين عاماً بتكلفة ومخاطرة كبيرين. وعلى ذلك فإن تقديمه اسلحة يمثل مخاطرة كبيرة بالنسبة له، وحتى لو قام بذلك دون ان يتم اكتشافه فإنه سيفقد كل سيطرة على الزمان والمكان اللذين يمكن ان تستعمل فيهما هذه الاسلحة ـ فضلاً عن ان صدام لا يمكن ان يكون متأكداً من ان الولايات المتحدة سوف لن تقوم بالقضاء عليه اذا ما اشتبه بأنه يسر لأي جهة امكانية ضربها باسلحة نووية. ليس من المدهش ان اولئك الذين يفضلون الحرب على العراق يصورون صدام على انه متأصل العدوانية وغير عاقل جزئياً. وهم في مجال تسويق الحرب الاستباقية يحاولون الايحاء بأن الحفاظ على السلام يمثل مخاطرة غير مقبولة، وافضل طريقة لتحقيق ذلك هي النفخ في التهديد او تضخيم القدرات العراقية او الحديث عن اشياء مرعبة سوف تحدث اذا لم تتحرك الولايات المتحدة بشكل سريع. وبالقدر نفسه فإن من غير المدهش ان المناصرين للحرب يرغبون في تشويه سجل التاريخ لتعزيز قضيتهم. ان المنطق والتاريخ يؤكدان ان سياسة الاحتواء الحذر يمكن ان تحقق هدفها الان وفي حالة امتلاك العراق ترسانة نووية مستقبلاً، لماذا؟ لأن الولايات المتحدة وحلفاءها الاقليميين اقوى بكثير من العراق ،ولأن الامر لا يتطلب الكثير من النبوغ او الموهبة لتحديد ماذا يمكن ان يحدث اذا حاول العراق استخدام اسلحة الدمار الشامل في ابتزاز جيرانه او توسيع اراضيه. او شن هجوم مباشر على دولة اخرى. ان صدام ليس سوى زعيم يرغب في البقاء والامساك بالسلطة، وعلى مدى حكمه الطويل كشف صدام مراراً عن ان هذا الهدف الاكثر اهمية على الاطلاق، وهو ما يؤكد لماذا يمكن ان يأتي الردع والاحتواء بتأثيرهما. واذا ما خاضت الولايات المتحدة حرباً ضد العراق الآن او فيما بعد فإن الاميركيين يجب ان يضعوا في اعتبارهم ان استراتيجية القوة الرشيدة ستكون غائبة. وهذه الحرب ستكون واحدة اختارتها ادارة بوش لكي تحارب فيما لم يجب عليها ان تحارب. وحتى اذا ما سارت الحرب جيداً وكانت ذات تأثيرات ايجابية على المدى الطويل فانها سوف تبقى حرباً غير ضرورية واذا ما سارت على غير ما يرام سواء في شكل خسائر اميركية كبيرة او ضحايا مدنيين او تصعيد للارهاب او تزايد الكراهية للولايات المتحدة في العالمين العربي والاسلامي، فإن مهندسيها يجب ان يقدموا الكثير من الاجابات بشأنها. ترجمة: مصطفى عبدالرازق عن فورين بوليسي