السبت 19 محرم 1424 هـ الموافق 22 مارس 2003 أثار كتاب «نهاية الحقبة الأميركية» نقاشاً عاصفاً في الأروقة الفكرية والسياسية والاستراتيجية والمهتمة بالمستقبليات، وهو علم في غاية الأهمية في الغرب في هذه الحقبة التاريخية. ويشدد تشارلز كينشان مؤلف الكتاب على مجموعة مهمة من الأفكار الجديرة بالتأمل، حيث يرى أن الولايات المتحدة لا تملك استراتيجية كبرى، وهي قوة تائهة ومتخبطة وسياساتها متناقضة وإدارة بوش تمادت في سياستها الانعزالية والانفرادية. وأن القطبية الأميركية لن تدوم طويلاً، وحتمية التاريخ تقضي بعودة الصراع الدولي. لا تستطيع الولايات المتحدة أن تقاوم نهاية الحقبة الأميركية، بل يجب عليها ألا تفعل ذلك، لأنها لو فعلت فسوف تثير مخاطر التكتلات والنزاعات مع أوروبا الصاعدة وآسيا الناشئة. ولذلك فمن المنطقي أن تستعد الولايات المتحدة لهذا الخروج من موقع السيادة العالمية، مع أن القوى العظمى تجد صعوبة في تقبل هذه النتيجة. وإذا ما تسلحت الولايات المتحدة بالسياسات الصحيحة، فستكون قادرة على إدارة سلمية للتحول من القطبية الأحادية إلى القطبية التعددية وعلى ضمان استمرار الاستقرار والازدهار اللذين تحققا تحت سيادتها. ومن المفيد الإطلالة على الماضي للإعداد للمستقبل. فقد شهدت فترات التاريخ عمليات اندماج بين الدول المتفرقة لتجنب المنافسة المدمرة. وكان هذا الاندماج إما شاملاً أو جزئياً. وتقدم التجربة الفيدرالية الأميركية نموذجاً للاندماج الشامل حيث اتحدت 13 مستعمرة من أجل تحقيق الاستقلال عن بريطانيا، ثم اتفقت على سياسة منعت التنافس البيني وأدت إلى الاتحاد. أما الاندماج الجزئي فقد تمثل في تجمع أوروبا الذي حافظ على السلام عبر نظام متعدد القطبية من عام 1815 إلى منتصف القرن التاسع عشر. فقد حمى هذا النادي غير الرسمي استقلال الدول الأعضاء فيه التي لم تسع إلى اتحاد شبيه بما حدث في أميركا الشمالية. ويقع الاتحاد الأوروبي بين هاتين التجربتين، فهو أقل من دولة اتحادية، لكنه أكثر من تجمع مفكك لدول مستقلة، وتجربة تاريخية في الهندسة الجيو ـ سياسية التي أثبتت فاعليتها في إزالة الاعتبارات الاستراتيجية لحدود أوروبا القومية. وتكشف نظرة قريبة على هذه التجارب التاريخية أن الإدارة السلمية للعلاقات بين مراكز القوى المتقاربة تتطلب ثلاثة شروط: ممارسة انضباط استراتيجي، إنشاء مؤسسات رابطة وملزمة وتنمية تكامل اقتصادي لتشجيع التماثل والثقة ووحدة الهوية والهدف. الماضي يمكن لأي مسافر اليوم أن يعبر الحدود بين الولايات الأميركية بدون جواز سفر أو هوية أو الشعور بعبور حدود سياسية، كما إن الحروب بين هذه الولايات أمر لا يخطر على البال، بل إنها ملتزمة بالدفاع عن أمن بعضها البعض. لكن هذا التواؤم والروح الجماعية لم تكن هي السائدة على الدوام، فهي نتاج عقود طويلة من التكامل الاقتصادي والسياسي بعد أن كانت مستعمرات مستقلة وذات أنظمة سياسة متعددة.. إقطاعية أو دينية. وغالباً ما كانت تتناحر في ما بينها حول الحدود والأراضي. وقد كان الانضباط الاستراتيجي الفكرة الرئيسية التي جعلت هذا الاتحاد ممكناً، إلا أن المؤسسات كانت الآلية التي أعطت الحياة لهذه الفكرة، لأنها أرست قواعد اللعبة ووسائل تطبيق هذه القواعد لإحلال النظام مكان التنافس والشكوك. فقد أوضح الدستور الأميركي الحقوق والواجبات لمختلف السلطات مما أوجد نظاماً مركزياً متماسكاً لضمان وجود حكومة فاعلة. وعالج الدستور الذي بدأ تطبيقه في عام 1789 كل مواطن الخلل والضعف لإيجاد اتحاد كامل من خلال إرادة جماعية ممثلة للولايات بالتساوي، وتم إعطاء الرئيس سلطة رئاسة القوات المسلحة، مع تحديد سلطته بحصر حق إعلان الحرب في الكونغرس. أما العامل الآخر الذي أدى إلى تدجين النظام السياسي الأميركي فكان الانصهار الاجتماعي وتشكيل هوية مشتركة. وأكمل الحشد الوطني ومتطلبات الحربين العالميتين بناء الدولة الأميركية الحديثة وخلق قاعدة شعبية وأجهزة أمنية ودعماً سياسياً لانخراط أميركا في الشأن العالمي، متسلحة بقوة اقتصادية وعسكرية متفوقة. وبخصوص التجمع الأوروبي، فقد سلك اللورد كاستلريغ البريطاني وكلمنتس فون مترنيخ النمساوي، المهندسان الرئيسيان له، طريقاً مختلفاً لتدجين التعددية القطبية مغايراً لطريق مؤسسي أميركا. فقد جرى إنشاء هذا التجمع في فيينا في عام 1815 وتطور في عام 1818 في وقت كانت أوروبا موزعة بين دول مستقلة لكنها متفرقة سياسياً ولغوياً وثقافياً وأيديولوجياً. وجرت ترجمة ذلك في البروتوكول المشترك في عام 1818، وتبع ذلك اجتماعات على أعلى المستويات بين قادة التجمع الرئيسيين ـ بريطانيا، روسيا، بروسيا، والنمسا، وفرنسا ـ الذين أقروا مناطق النفوذ والمناطق العازلة والمحايدة والمنزوعة السلاح وأقروا عدم التدخل وتشكيل لجان منع الصدامات وصراعات النفوذ والالتزام بعمل عسكري جماعي لمواجهة الأزمات. وأدى ذلك إلى احترام كل بلد للشئون الداخلية للبلدان الأخرى، لكنه لا يعني أن الثورات الليبرالية والحركات المحافظة التي اجتاحت أوروبا في عام 1818 لم توجه ضربة قوية للتجمع. فالاضطرابات السياسية أدت إلى انشغال الدول الأعضاء بشئونها الداخلية، ففرنسا وبروسيا انخرطتا في الشئون والأولويات القومية لتحقيق الوحدة السياسية مما أدى إلى خلق تنافس استراتيجي. يضاف إلى ذلك إن كثيراً من قادة التجمع تركوا مواقعهم مما حرم أوروبا من العلاقات الشخصية الوثيقة ومن أجواء الثقة والإيمان بالهدف المشترك. ولأن هذا التجمع كان يعمل بالأساس على مستوى القيادات، فإن الانصهار الاجتماعي لم يتعمق. ولهذا فإن غياب القيادات أدى إلى نهاية التجمع. وفي عام 1854 وجدت قوى أوروبا الكبرى نفسها في حالة حرب، هذه المرة في القرم. أما الاتحاد الأوروبي فهو المحاولة الثالثة لتدجين التعددية القطبية. فحروب نابليون، وحرب القرم، وحروب توحيد ألمانيا والحربان العالميتان، أوضحت الأثر المدمر لهذه التعددية. وفي ضوء هذا التاريخ الدامي، بدأ قادة أوروبا في أعقاب الحرب العالمية الثانية جهوداً لتغيير الجغرافيا السياسية للقارة. ويلاحظ تسابق الدول الأوروبية على الانضمام إلى هذا الاتحاد، بدلاً من طلب الحماية من الآخرين وتشكيل أحلاف مناهضة، مما يبشر بنهاية التعددية القطبية وإحلال اتحاد سلمي مكانها. المستقبل إن أخطر شيء في دخول حقبة من التحوّل هو الاعتقاد بوهم الثبات الجيو ـ سياسي. وهذا بالضبط ما تعتزم الولايات المتحدة الإقدام عليه. فالولايات المتحدة منشغلة في المعركة على الإرهاب، وهو انشغال سيكون على حساب الانتباه للمخاطر المتأتية من عودة عالم متعدد القطبية، بينما لحظتها القطبية توشك على النهاية، في وقت لا يلتفت فيه معظم المراقبين إلى أهمية صعود أوروبا، لأن تلمس انحدار الإرادة السياسية أصعب من تلمس انحدار القوة العسكرية. ومن هنا تأتي صعوبة قياس التحول الهادئ المهدد الآتي من أحادية القطبية الأميركية. فقد اعتاد معظم الاستراتيجيين الأميركيين على الهيمنة وتجاهل القوى المؤثرة في تغيير السياسات الكونية، ولذلك استكانوا لوهم ديمومة هذه القطبية الأحادية. وما يساعد في نشر هذا الوهم هو حجم الاقتصاد الأميركي والمؤسسة الحربية الطاغية وهذا ما طبع سياسة جورج بوش الخارجية. ولا شك أن إدارة عودة القطبية ستكون صعبة ومحفوفة بالمخاطر تحت أفضل الظروف، لأن تجاهل انتشار القوة الكونية والتركيز على الدفاع الوطني ومحاربة الإرهاب وممارسة الحياة المعتادة كأن شيئاً لم يكن، سوف يؤدي إلى عواقب وخيمة. وسوف يؤدي إلى استعداء أوروبا والطامحين الآخرين وإلى عودة اشتباك الأقطاب والصراعات. أما إذا أرادت الولايات المتحدة إطالة أمد قطبيتها الأحادية، فسوف تتسبب في التذمر الشعبي وفي تراجعها النهائي، وفي إعداد المسرح للحروب. وبدلاً من ذلك، يتوجب على الولايات المتحدة أن تعمل على تشكيل هذا التحول الكوني. والسؤال المركزي ليس إلى متى ستطول القطبية الأحادية، وإنما هل التعددية القطبية الآتية هي عشوائية أو مخطط لها. فإذا كانت عشوائية فإن التعددية القطبية ستجلب معها الصراعات وعدم الاستقرار، أما إذا كانت مخططة فإن بإمكان الأميركيين أن يضعوها على المسار الصحيح. إن عودة عالم متعدد مراكز القوى، يعني بالضرورة عودة بؤر الصراع الجيو ـ سياسي، ولذلك فإن التحدي الذي يواجه الولايات المتحدة هو إيجاد السبل للتقليل من الأخطار الاستراتيجية لهذه البؤر وضبط الأطماع الناجمة عنها. وكما يكشف تاريخ أميركا، فإن الشروط الثلاثة اللازمة لضبط التعددية القطبية في الماضي: الانضباط الاستراتيجي والمؤسسات والانصهار الاجتماعي، يجب أن تكون الأساس لأممية ليبرالية جديدة وانطلاقة الاستراتيجية الكبرى. ففي حال بدأت شرق آسيا مرحلة مصالحة وتكامل فإن النظام الكوني سوف يتشكل من ثلاثة معسكرات رئيسية هي أميركا الشمالية وأوروبا وشرق آسيا. وعلى السطح، يبدو هذا الاحتمال وصفة لصراع بين ثلاثة أقطاب كبار لا يساعد على الاستقرار العالمي، لكن التكامل الإقليمي في الحقيقة هو الأمل الأفضل لعودة سلمية لعالم متعدد الأقطاب لأن الحرب والسلام يبدآن محلياً وليس عالمياً. فطالما تمتعت الدول المتجاورة بالسلام مع بعضها البعض الآخر، فإن باستطاعتها فقط بناء علاقات ودية وثابتة مع الدول الأبعد. ولا شك أن مناطق الاستقرار الإقليمية كفيلة بزيادة الانسجام ، ليس بين الدول المتقدمة فقط، وإنما أيضاً في تشجيع التحديث السياسي والنمو الاقتصادي في العالم النامي. ويكمن تحدي المستقبل في كيفية إقناع دول الشمال في التواصل مع الجنوب بدلاً من إدارة ظهرها لها وتجاهل فقرها وأمراضها.إلا أن ذلك مرتبط بالمصالح. فالولايات المتحدة تهتم بالسلام والاستقرار في أميركا اللاتينية أكثر من اهتمامها بأوروبا أو آسيا، لأنه عندما يؤدي عدم الاستقرار والمخدرات إلى دفع موجات من المهاجرين إلى الشمال، فإن الولايات المتحدة ستدفع ثمناً باهظاً لذلك، وعندما تنتعش أسواق أميركا اللاتينية تستفيد الولايات المتحدة من التوسع التجاري ومن تراجع الهجرة. وينطبق هذا المنطق على أوروبا وآسيا. فالأوروبيون أكثر اهتماماً بشئون شمال إفريقيا من اهتمام الأميركيين أو الآسيويين، لأن أوروبا ستواجه أمواج المهاجرين في حال انتشار العنف وعدم الاستقرار السياسي في هذه المنطقة. ولهذا، فإن من مصلحة أوروبا تشجيع التنمية في محيطها الجنوبي وفي ربط نفسها بالاتحاد الأوروبي. إعادة ولادة التاريخ هذا الكتاب مبني على فرضية تنظر إلى دورة وتطور التاريخ. فحيث أن الاختراعات والاكتشافات تدفع بالجنس البشري إلى الأمام، فإن هذا التقدم يحمل معه مكونات سياسية واجتماعية تصبح عتيقة نتيجة لتغيير أنماط الإنتاج والاتصالات. وهذه هي نتيجة دورة نهوض وانهيار حقبة معينة حتى لو أن التاريخ واصل حركته إلى الأمام. ويشهد هذا التاريخ ثورة رقمية تستطيع برمجة المعلومات وتخزينها وبثها بتكلفة رخيصة حول العالم. وتشكل الثورة الرقمية تغيراً جوهرياً في وسائل الاتصال وتجميع المعلومات التي من شأنها تحسين أنماط الإنتاج. وقد أخذت تكنولوجيا المعلومات هذه، تحل مكان إنتاج المصانع وأدت إلى تراجع المجتمعات الصناعية مما سيؤثر على الأنماط السياسية والاجتماعية ـ الديمقراطية الجمهورية والقومية، وإحلال دولة الأمة الديمقراطية مكانها. وهكذا فإن حلقة تاريخية تقترب من النهاية فاتحة المجال لحلقة أخرى. ومن هذا المنظور، فإن نهاية الحقبة الأميركية لا تتعلق فقط بنهاية الهيمنة الأميركية وعودة عالم متعدد القطبية، وإنما تتعلق بنهاية الحقبة التي عملت أميركا على تشكيلها... إنها حقبة الرأسمالية الصناعية والديمقراطية الجمهورية والدولة القومية. ولم تكن الولايات المتحدة وحدها هي التي تأثرت فيها الحياة السياسية بطبيعة النشاط الاقتصادي، فقد كان محرك التقدم الصناعي هو نمط الإنتاج المهيمن وأثره على مؤسسات الحكم وهوية المجتمعات. من المبكر تحديد حلقة معينة تربط بين العصر الرقمي وبين علامات الإعياء التي أخذت تظهر على الديمقراطية الأميركية إلا أن ذلك لا يلغي حقيقة إن هذا التحول في نمط الإنتاج هو بداية ضعف المؤسسات السياسية والاجتماعية مما يعني أن الولايات المتحدة تقترب من مفترق طرق تاريخي. وهناك عوامل أخرى تعمل في هذا الاتجاه، مثل تفكك البناء العائلي التقليدي، عدم المساواة الاقتصادية وعدم الشعور بالأمن وزيادة ساعات العمل، مما يؤثر على حيوية النظام السياسي. كما أن عدم المبالاة الشعبية وضعف الدولة القومية دليل آخر على إن المؤسسات الأميركية لم تعد تستجيب للتغيرات السياسية والاجتماعية المرافقة للتحول من المرحلة الصناعية إلى المرحلة الرقمية. وكما حدث في الدورات التاريخية الماضية، يبدو إن تغير نمط الإنتاج يؤدي إلى تدهور المؤسسات. فطوال عهد الولايات المتحدة، استفادت الديمقراطية من المستويات الصحية للمشاركة المدنية والسياسية حيث ساهمت المرحلة الصناعية، رغم مساوئها، في إرساء قواعد هذه المشاركة. أما العقود الأخيرة، فقد شهدت تراجعاً في زخم الديمقراطية وفقداناً للاتجاه، حيث انخفضت المشاركة في الحياة السياسية إلى حد كبير منذ الستينيات. فهناك ما بين 15 ـ 20 بالمئة فقط يهتمون بالشئون السياسية والعامة، وأقل من 25 بالمئة يشاركون في عمليات الاقتراع، وأقل من 35 بالمئة يشاركون في الاجتماعات العامة، الحزبية وغير الحزبية. وهذا يعني باختصار أن أكثر من ثلث البنية المدنية الأميركية قد تبخرت خلال فترة منتصف السبعينيات وحتى منتصف التسعينيات. كما أن عصر المعلومات أدى إلى قتل الوقت الذي يمكن أن يخصص للمشاركة الاجتماعية، وإلى تراجع الاهتمام بوسائل الإعلام التقليدية، إلا أن الانفتاح على مساحة أوسع من الآراء والحقائق ينذر بخلق جيل انتخابي معارض. كما يظهر أن هذه الثورة قد ساهمت في خلق روح الأنانية والفردية والمادية وانعدام المسئولية، ولذلك فإن الخوف من انهيار أميركا لا يعزى إلى تمددها، وإنما إلى وهنها لأن اهتمام مواطنيها أخذ ينصب على متع التسوق بدلاً من الاهتمام بالصراعات وبتحديات الخدمة الوطنية. وقد أدت هذه الجوانب المظلمة لثورة المعلومات إلى خواء روحي، والأوضاع مرشحة لتدهور أكبر، فالجيل الشاب يقضي وقتا أمام التلفزيون والإنترنت وعلى الهاتف المحمول أكثر من أي جيل آخر، وهو يركض وراء الثروة والراحة الحياتية، وهذا يعني أن قلة اهتمامهم بالمشاركة المدنية سوف تزداد مع تقدمهم في السن.وانعكست هذه اللامبالاة على نوعية الحكم بعد أن فقد الأميركيون ثقتهم في المؤسسات العامة. ففي الستينيات قال ثلاثة من بين أربعة بأنهم يثقون بأن باستطاعة الحكومة الأميركية أن تفعل الصواب في معظم الأحيان. إلا أن هذا الرأي انقلب رأساً على عقب في التسعينيات عندما قال ثلاثة من بين أربعة أنهم لا يثقون بقدرة هذه الحكومة على الحكم الصحيح.ومع مرور الوقت يزداد ابتعاد المواطن الأميركي عن السياسات المحلية التي يعتبرها بشعة وحزبية، كما أصبح هذا المواطن لا مبالياً تجاه أي شيء لا يؤثر عليه مباشرة. وتتحمل ثورة المعلومات جزءاً من هذه المشكلة، لأن وسائل الإعلام، وبخاصة التلفزيون، أصبحت طرفاً في اللعبة السياسية والحملات الانتخابية لاهتمامها بمصادر الإعلان أكثر من اهتمامها بتشكيل رأي عام متنور. وقد أدى اختراق شركات المال للنظام السياسي إلى خدمة أفراد حانقين في استغلال وسائل الإعلام بدلاً من خدمة الأفكار.كما أثر الاختراق المالي والتقني للسياسة الأميركية على حركة التجارة في واشنطن نفسها، فقد زاد عدد مجموعات الضغط بشكل ملحوظ في العقود الثلاثة الماضية حيث يظهر موظفوها في البيت الأبيض يومياً حاملين معهم وعودا بالمال والأصوات. أما الشركات الجديدة فتفتح مكاتب لها في واشنطن حيث تتصارع على النفوذ والتأثير في القرار السياسي. ولم تسلم مراكز البحوث من هذا الاختراق. فهذه المراكز أنشئت في الأساس لتوفير التحليلات وإبقاء الرأي العام على اطلاع على الأوضاع الداخلية والخارجية، ولوحظ في العقود الأخيرة تحزب هذه المراكز وتسييسها بعد تعرضها لضغوط من الشركات الممولة أو المتبرعة، مما أدى إلى انعدام الموضوعية وانحدار في نوعية ونزاهة الحوارات العامة وابتعاد عن الحقيقة. أما الكونغرس فليس في أفضل حال، إذ تراجعت إنجازاته وأصبح أقل تأثيراً في الحياة العامة وأكثر تركيزاً على خدمة مصالح أعضائه. ولذلك، يتضح أن ثورة المعلومات جاءت على حساب بوتقة الصهر الصناعي التي ساعدت في تشكيل الدولة القومية الأميركية الحديثة. فبعد عقود من التقدم الذي سهلته حركة الحقوق المدنية، تبدو أميركا متجهة نحو مرحلة تمييز عنصري واجتماعي من شأنها أن تخلق عرقيات وطبقات متصارعة في ما بينها بعد أن فشلت هذه الثورة في تدعيم التضامن الاجتماعي. فقد ازدادت الهجرة إلى الولايات المتحدة خلال التسعينيات بشكل كبير مما رفع نسبة المقيمين الأجانب إلى أعلى مستوى منذ الحرب العالمية الثانية. ففي بداية القرن العشرين، كان 90 بالمئة من المهاجرين من أصول أوروبية، وفي نهاية القرن كان معظمهم من أصول إسبانية أو آسيوية وليسوا على استعداد للانصهار في المجتمع الجديد. وتبين من التعداد السكاني الذي جرى في عام 2000، إن واحداً من بين خمسة أميركيين يتحدث في البيت لغة أخرى غير الإنجليزية، و 43 بالمئة لا يتقنون هذه اللغة. وتظهر التناقضات من جديد، حيث أخذ التميز الثقافي يتشكل إقليمياً بين الشمال والجنوب، وبدا ذلك واضحاً من رفض الجنوب لمرشح الحزب الديمقراطي آل غور في الانتخابات الرئاسية في عام 2000 لاعتقادهم بأن هذا الحزب لا يشاركهم مبادئهم.وعلى الجبهة الاقتصادية، يمكن أن تأخذ المصالح المتعارضة شكلاً جديداً. فكثير من الولايات، ورغم ضبط الحدود في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001، تشعر بأن التجارة أصبحت أقل تدفقاً إليها، بينما ظلت الحدود السياسية كما هي. ومن المحتمل أن هذه التغيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية سوف تثير الشكوك حول بقاء أميركا كوحدة سياسية واحدة. وفي كتابه، تفكك أميركا، يلاحظ أرثر شليسنغر أن الولايات المتحدة: تجربة ناجحة إلى حد ما لبعض الوقت، في خلق هوية مشتركة لشعب من أصول وديانات ولغات وثقافات متباينة. لكن استمرار نجاح هذه التجربة رهن باستمرار إيمان الأميركيين بالهدف. فإذا ابتعدت الجمهورية عن هدف الرئيس جورج واشنطن: شعب واحد، فأي مستقبل ننتظر؟ إنه تفكك التجمع الوطني، الأبارثايد والبلقنة والقبلية. يصعب تصور أن بلداً غنياً متعدد الأعراق وديمقراطياً، مثل الولايات المتحدة يمكن أن يواجه هذا المصير، ولكن ذلك لا يتطلب سوى نظرة إلى الشمال ليتبين الأميركيون أن بلداً بمثل هذه المواصفات يواجه خطر التشرذم. ففي آخر استفتاء جرى في عام 1995، كانت مقاطعة كويبيك الكندية الناطقة بالفرنسية قاب قوسين أو أدنى من الانفصال الذي أيده 4,49 بالمئة من السكان. وقد اعتقد كثير من المراقبين أن أحداث 11 سبتمبر 2001 سوف تساعد في قلب هذه التوجهات السياسية والاقتصادية المقلقة بعد أن تزايد الالتحام الشعبي والثقة في الحكومة، ولكن لا يمكن تفسير ذلك إلا بردة فعل مؤقتة على ظروف استثنائية، ردة فعل تختفي في طرفة عين لأن هذه التوجهات متجذرة في نمط الإنتاج وانعكاساته على الحياة السياسية. والقضية هنا لا تكمن في أن العصر الرقمي سوف يؤدي إلى تشرذم أميركا السياسي، فهي بلد قادر على التكيف مع حركة التغير السريعة، لكنها تكمن في تحديات خطيرة من نمط فريد في المستقبل سوف تحدث تناقضات في أسس الديمقراطية الجمهورية والدولة الوطنية. فبعيداً عن تمهيد الطريق لمستقبل هادئ من التحول السياسي والاجتماعي، فإن العصر الرقمي يبشر بتحول أكثر عمقاً شبيه بالتحول الذي رافق العصر الصناعي، إنه يبشر بانهيار شبيه بانهيار عصر التصنيع وبداية العصر الرقمي. فالتفوق الأميركي آخذ في الضعف في وقت يشهد بداية عصر جديد. وسوف يظهر انهيار الهيمنة الأميركية في هذا العقد، والعقد الذي يليه، لكن حلقة التغيير هذه لا تجعلنا نقلق من التحديات التي تواجه الأسرة الدولية.سوف تؤدي مرحلة التغيير هذه إلى تضخيم المخاضات المرافقة لعودة التعددية القطبية، وذلك لسببين، أولهما أن الانتقال من المرحلة الصناعية إلى المرحلة الرقمية سوف يكون ضاغطاً على الأنظمة السياسية في العالم. فالموقع الدولي المتميز الذي تحظى به الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان مبني أساساً على اقتصادياتها المتقدمة.لكن إنجازاتها تضعها في طليعة التاريخ، وستكون أول من يشعر بالآثار المقلقة للاقتصاد الرقمي على مجتمعاتها. فإذا تعثرت مؤسساتها السياسية والاجتماعية في السنوات المقبلة، فإن هذه الأنظمة سوف تنشغل بمشكلاتها الخاصة ولن تكون قادرة على التعامل مع ظروف دولية معقدة. يضاف إلى ذلك أن الدول التي ما زالت مؤسساتها في مرحلة تحول، مرشحة لتصدير مشكلاتها من خلال سياسة خارجية عدوانية. فالثورة الفرنسية وتأثيرها على الحياة السياسية والمؤسسات الاجتماعية لعبت دوراً بارزاً في إشعال الأطماع الجيو ـ سياسية وحروب نابليون. ويمكن أن تعزى الحرب العالمية الأولى إلى حركة تصنيع ألمانيا والتوجه القومي المنبثق عن الحراك السياسي الناجم عن التغير الاقتصادي. وربما يؤدي تغير المرحلة التاريخية إلى تضخيم الاضطرابات لسبب آخر، هو أن القضايا العالقة مرشحة للانفجار على الخط التاريخي الفاصل. فالدول، في مراحل التاريخ المختلفة، غالباً ما تأخذ الأخرى في طريقها لأنها تترجم مبادئ مؤسسية متناقضة. وهذه المشكلة مرشحة للتفاقم نظراً للبون الشاسع بين الدول في مقدمة التاريخ وتلك التي في مؤخرته. ولم يحدث أن كان هذا الفارق بمثل هذا الاتساع الذي هو عليه الآن. فالشعب الأميركي مشغول في البحث عن أفضل السبل لتوسيع انتشار الإنترنت إلى المنازل، وفي قضايا الاستنساخ. أما شعوب كثير من الدول الفقيرة فما زالت تستخدم الخشب كمصدر للطاقة، وتبحث عن وجبه طعامها التالية، ولا تحلم في الحصول على أكثر المرافق الصحية بدائية. إن هذين العالمين لا يرتبطان في الغالب بشيء مشترك مما يجعل من الصعب عليهما الالتقاء لمعالجة التحديات الجماعية، سواء أكانت بشرية أو بيئية أو جغرافية. وكلما تقدمت الحقبة الرقمية كلما ازدادت الفجوة بين الذين يملكون والذين لا يملكون. وتعد الصعوبات التي تواجه الدول النامية في اللحاق بالآخرين، مصدرا رئيسياً للقلاقل المتوقعة. والدول التي تحاول الدخول في العصر الرقمي سوف تمر بمراحل مهمة تكلفها ثمناً باهظاً. فروسيا تحاول الاندماج بالأسواق العالمية بسرعة، لكن غياب طبقة متوسطة قوية يجعلها بدون قاعدة نقل سياسية قادرة على التعامل مع تقلبات الاقتصاد العالمي. وخلال التسعينيات، استفادت دول جنوب شرق آسيا من ارتباطاتها القوية بالأسواق المالية العالمية، ولكنها عندما أدخلت اقتصادياتها إلى المرحلة الرقمية، اكتشفت أن مؤسساتها السياسية والاجتماعية التقليدية لا تقوى على مجاراة هذه المرحلة مما أدى إلى الأزمة المالية التي اجتاحت المنطقة، مما يثبت حقيقة أن الدول التي تتعجل الدخول إلى التاريخ تدفع ثمناً مكلفاً جراء ذلك. وهذه صورة واضحة للمستقبل الذي ينتظرنا. فعلى أقل تقدير، قد لا تعني هذه الصورة أن التاريخ يوشك على النهاية، إلا أن المؤكد هو أن عودة التعددية القطبية أمر لا مفر منه، وأن التفوق الأميركي سوف يضعف مع صعود أوروبا وآسيا.