الجمعة 18 محرم 1424 هـ الموافق 21 مارس 2003 لقد تمخضت الجزيرة العربية في القرن السادس الميلادي فانجبت رجلا فاح اريج دعوته العالم ليحيا، واشرف نور هدية للبشرية لترقى، ولتميز ما بين الظلمة والنور والهداية والضلال. كان رجلا للحياة كلها، للاجتماع والاقتصاد للعسكر والسياسة. وفي جانب السياسة يختلف عن الساسة الآخرين في انه لم يرث عرشا ولم يغتصب حكما، بل اوجد دولة لا وجود لها سابقا، غيرت مجرى التاريخ. وخلفت بصماتها على احداث العالم حتى العصر الحاضر وستبقى حتى قيام الساعة الا وهو: النبي الرسول الامي محمد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه.. ونريد هنا بالسياسة الدبلوماسية وهي تدبير شئون الدولة مع غيرها بحكمة وحنكة وذكاء، وفي ضوء هذا المفهوم للسياسة. يظهر لنا ان السياسة هذه لا يتعلمها المرء في كتاب او في مدرسة بقدر ما تتضح به فطرته، وان كنا لا ننكر دور العلم في صقل الفطرة، والتسامي بها. فالدبلوماسية التي نحن بصددها ذات علاقة وثيقة بالسياسة داخليا وغالبا خارجيا. وقبل الولوج إلى صلب الموضوع لابد من التعرض لكلمة الدبلوماسية من حيث اللفظ والمعنى والتعريف. فهي كلمة مشتقة من اليونانية، ومعناها الورقة او الوثيقة المطوية وقد جرت العادة عند اليونان القدماء على تزويد السفراء الذين تنتد بهم بلادهم لاقامة علاقات مع بلد آخر بورقة مطوية يذكر فيها الغرض من هذا الانتداب. وتستخدم كلمة دبلوماسية في الاستعمال الشائع بشكل غير دقيق، وذلك للدلالة على معان شتى، فهي تارة تستخدم للسياسة الخارجية، وتارة بمعنى التفاوض، وذلك حين نسمع القول بأن المشكلة القائمة بين الدولتين يمكن حلها دبلوماسيا وتعنى كذلك المؤسسة التي تشرف على ادارة السياسة الخارجية. وتشير ايضاً إلى الطبع والموهبة التي يتمتع بها بعض الاشخاص، وهي تشير كذلك إلى المهارة التي تتميز بها ادارة المفاوضات بين الدول وقد تعني بشكل ما الدهاء. فولادة الروح الدبلوماسية في الاسلام كانت مع شخص المصطفى صلى الله عليه وسلم وقبل البعثة كحلف الفضول. ورفع الحجر الاسود عندما ارادت قريش ان تعيد بناء الكعبة المشرفة وغيره. حتى وكأنها انبعثت بالعطف والعدل وكأنها كانت مقيدة بضابط شرعي. «فحلف الفضول» هذا هو دلالة على ان الحياة مهما اسودت صحائفها، وكلحت شرورها، فلن تخلو من نفوس تهزها معاني الخير والشرف والنبل وتستجيشها إلى النجدة والبر. ففي الجاهلية الغافلة نهض بعض الرجال من اصحاب الهمم العالية والخير وتواثقوا بينهم على اقرار العدالة ومنع المظالم ورد الظلمات وتجديد ما اندرس من هذه الفضائل في ارض الحرم.. قال ابن الاثير: ثم ان قبائل من قريش تداعت إلى ذلك الحلف فتحالفوا في دار عبدالله بن جدعان، لشرفه وسنه وكانوا بني هاشم وبني عبدالمطلب وبني اسد بن عبدالعزي وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة، فتحالفوا وتعاقدوا الا يجدوا بمكة مظلوما من اهلها او من غيرهم من سائر الناس الا عقد معهم معاهدة سياسية، واشترط عليهم شروطا جمدت عداوتهم إلى حين. ولكن قد يستحيل حل المشكلات بالطرق السلمية أحيانا وتكون الحرب السبيل الوحيد لحل المشكلة فيما بين الخصوم.. ففي هذه الحالة كان الرسول صلى الله عليه وسلم ينظر فإن رأى ان بامكان جيشه وبكفاءته الحاضرة انتزاع النصر لم يتوانى في خوض المعركة ولكنه ان رأى المعركة ببعض المقاييس خاسرة فإنه صلوات ربي وسلامه عليه يلجأ إلى كسب المعركة بالدهاء السياسي لا بحد السيف.. وكثيرا ما يكون الدهاء السياسي امضى واجدى من كل سلاح.. لذلك نجده صلى الله عليه وسلم لجأ إلى الدهاء السياسي حين خرج مظهرا انه يريد العمرة وكان مما قاله عليه السلام «لا تدعوني قريش إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم الا اعطيتهم اياها».. تم من بعدها صلح الحديبية الذي كسر فيه الرسول صلى الله عليه وسلم هذا التحالف ـ اي تحالف قريش جنوب المدينة ويهود خيبر ـ ففي صلح الحديبية قدم على الرسول صلى الله عليه وسلم موفدا من العدو وهو «مكرزين حفض بن الاحنف» فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم مقبلاً قال: «هذا رجل غادر». فأقبل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وحدثه واخبره أنه جاء معتمرا لا يريد حربا.. ثم اقبل عليه ـ الحليس بن علقمة ـ فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم مقبلا قال: «ان هذا من قوم يتألهون.. اي يعظمون الله تعالى». ثم اقبل عليه ـ سهيل ابن عمرو ـ فلما رآه الرسول صلى الله عليه وسلم مقبلاً قال: «قد اراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل». فقد عرف صلى الله عليه وسلم خصائص كل شخصية وهذه من اهم اركان الشخصية الدبلوماسية ـ اي الفراسة ـ ثم ساسها بما يناسبها وبما يدفع شرها عن الدولة ـ سياسة اعرف عدوك ـ فالحليس لما عرف الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بأنه رجل متدين امر صلى الله عليه وسلم اصحابه بحنكته الدبلوماسية ودهائه السياسي بأن يبعثوا الهدى الذي ساقوه في وجهه حتى يراه. ولما رأى الحليس الانعام المهداة لفقراء الحرم يسيل عليه من جوانب الوادي وفي اعناقه القلائد. رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اعظاما لما رأى واخبرهم بالذي رآه. واخبرهم بأن عليهم ان يخلوا بين محمد وبين الكعبة. قال زعماء قريش من المشركين للخليس: اجلس انما انت اعرابي لا علم لك، غضب وقال ـ يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم، أيصد عن بيت الله الحرام من جاء معظما له، والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما قاموا معه، وكانوا على من ظلمه، حتى من مظلمته. فسمت قريش ذلك الحلف، حلف الفضول، فشهده رسول الله صلى عليه وسلم، وقال حين ارسله الله تعالى: «لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبدالله بن جدعان ما احب ان لي به حمر النعم ولو دعيت به في الاسلام لاجبت».. ان بريق الفرح بهذا الحلف يظهر في ثنايا الكلمات التي عبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، فإن هذه الحمية للحق ضد اي ظالم مهما عز، ومع اي مظلوم مهما هان، هي روح الاسلام، الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، الواقف عند حدود الله تعالى، ووظيفة الاسلام ان يحارب البغي في سياسات الامم في صلات الافراد على السواء. فالمصطفى صلى الله عليه وسلم كان يتوق ويتشوق لمثل ذلك الحلف ليكون عمليا متداولا بين الناس، فلكي يسري عمل كهذا العمل بين الناس ويكون محترما لابد من وجود دولة بأركانها الثلاثة: شعب، وارض وسلطة سياسية يخضع لها الناس. اما دبلوماسيا على صعيد السياسة الخارجية لم تبق متأطرة على صعيد الجزيرة العربية، فقد خرجت إلى فارس والروم.. لانه لابد من التعاطي مع الدول المجاورة وبالتالي فإن العلاقات بينها وبينهم تتنوع من حيث التعاون وحسن الجوار والخصومة والحرب وغير ذلك. وبما ان الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحمل رسالة عالمية عليه ان يؤديها إلى الناس كافة ويتعرف اخبارها ويدعوها إلى الايمان بالله تعالى كما دعا قريش وغيرها من قبائل العرب. وفي المرحلة الاولى للدعوة كانت السياسة الخارجية تقتصر على التعامل مع قريش وغيرها من القبائل العربية، الا انه وبعد بسط سيادة الدولة الاسلامية على الجزيرة العربية انتقل التعامل إلى الدول المجاورة فارس والروم الدولتان المجاورتان في ذلك الزمن. اذن الدبلوماسية الخارجية كانت على صعيدين عربي، الجزيرة العربية ـ وصعيد اجنبي ـ فارس والروم ـ فإذا قلنا الدبلوماسية هو القدرة على تقرير الحرب او السلم. ومعروف ان طبيعة الاسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم السلم لا الحرب. لذا كان النبي صلوات الله وسلامه عليه يؤثر حل مشكلاته مع اعدائه بالطرق السلمية، ويتحاشى الصدام المسلح واراقة الدماء ما استطاع إلى ذلك سبيلا، لأن الحرب وسيلة لا غاية في الاسلام وهذا ما شوهد به منه عليه الصلاة والسلام عندما حل المدينة المنورة، وفيها من اليهود الحاقدين جماعات غير قليلة وما جرى منهم معلوم لدى كل المسلمين. ومع ذلك لم يبدأهم رسول الله عليه وسلم بالحرب، بل جرب معهم كل الطرق السلمية حتى نقضوا عهدوهم ونكثوا.. وهكذا استطاع المصطفى صلوات الله وسلامه عليه بتصرفه الحكيم حين عرف خصائص الحليس ان يشق عصا قريش ويوقع الحلف بينها وبين حلفائها من الاحابيش. ولابلاغ دعوته السلمية ارسل الصحابي حاطب بن أبي بلتعة.. كان احد فرسان قريش وشعرائها في الجاهلية ـ شهد بدرا والحديبية.. ارسل إلى المقوقس في مصر. وكانت النتيجة استقبال حسن وهدية للنبي صلى الله عليه وسلم. والصحابي الجليل دحية بن خليفة الكلبي، كان مضرب المثل في جمال الصورة قديم الاسلام شهد كل المشاهد ارسل إلى هرقل الروم.. استقبال حسن.. الصحابي سليط بن عمرو العامري قديم الاسلام ـ بدري، كان يختلف إلى اليمامة ويعرف ملكها اخوه سهل بن عمرو المفاوض باسم قريش في صلح الحديبية ارسل إلى هواذة بن علي في اليمامة، النتيجة اشترط هواذة للاسلام اشراكه في الامر. والصحابي شجاع بن وهب الاسدي، هاجر إلى الحبشة من السابقين الاولين ارسل إلى الحارث بن ابي شمر الغساني في دمشق ـ النتيجة استقبال سيء ورفض. الصحابي الجليل عبدالله بن حذافة السهمي من البدريين، كان يتردد كثيراً على ابرويز ابن هرمز. واسره لملك الروم في احدى الغزوات التي وجهه فيها الفاروق عمر، وعرض عليه التنصر واشراكه في الملك فأبي فأمر به فصلب وامر برميه بالسهام فلم يجزع وامر بأن يلقى امامه باسير مسلم في قدر به ماء مغلي حتى انه شاهد عظام الاسير تلوح من جسمه، وامر بالقائه ان لم يتنصر، فبكى فسئل عن بكائه فقال تمنيت ان لي مئة تلقى هكذا.. فخلى عنه.. ارسل إلى ابروزيز من هرمز فارس، النتيجة تمزيق الرسالة وتهديد بالحرب. ومنهم العلاء الحضرمي، من سادة الصحابة كان له عدة اخوة في صفوف المشركين واخوه اول قتيل منهم. كان مجاب الدعوة ـ خاض البحر بكلمات قالها مشهورة ارسل إلى المنذر بن ساوي بالبحري. النتيجة اسلم المنذر واجاب النبي صلى الله عليه وسلم بالطاعة.. ومنهم عمرو بن امية الضمري كان من مشاهير العرب جرأة ونجدة.. اسلم منصرف الناس من احد اول مشاهده بئر معونة مشهور بالشجاعة ارسل إلى الاصحم بن ابجر النجاشي ـ بالحبشة ـ النتيجة اسلم النجاشي واجاب النبي صلى الله عليه وسلم كتابة. ومنهم ايضاً عمرو بن العاص رضى الله عنهم اجمعين كان احد دهاة العرب المعدودين للمعضلات وله فتوح مشهورة معروفة. اسلم قبل الفتح كان النبي صلى الله وسلم يقربه ويدنيه لمعرفته وشجاعته ارسل إلى جيفر وعبدابني الجلندي النتيجة تودد منهم انتهى باسلامهما.. فرضي الله تعالى عنهم اجمعين