الجمعة 18 محرم 1424 هـ الموافق 21 مارس 2003 اذا اعتدلت عواطف الانسان احس بوجود الجماعة وبحقوقها عليه.. واذا غاب عنه الاحساس بالجماعة وغلبته روح الفردية فانه ينحدر حتما الى قاع الأنانية. والقرآن الكريم يحارب هذه الفردية الطاغية التي تصل بصاحبها الى الاثرة والى حرمان ذوي الحقوق حقوقهم ويدعو المؤمنين الى ان يحسوا بالمجتمع الذي يعيشون فيه وان يؤدوا ما عليهم له من حقوق. ولما كان المال من العوامل الأساسية التي تدفع الانسان الى دائرة الفردية والانانية فقد عني القرآن بمعالجة ذلك في اكثر من سبعين آية تحث على الانفاق وتحبب في البذل وهذه الآيات كلها على ما سنرى تعمل على ايقاظ عاطفة الخير في الانسان وعلى التقليل من حب المال حتى يقل خطر الفردية التي تنتهي بالانسان الى الاثرة والانانية. ولقد سلك القرآن منهجا تربويا سليما لنقل الانسان من فرديته الاثرة الى جماعيته الخيرة. ففي السور الاولى التي نزلت بمكة ساس النفس بسياستين حكيمتين تكفي كل منهما لكي تستل من النفس المؤمنة ما قد يكون قد شاع في شعابها دواعي الأنانية التي تنميها البيئة والتربية الفاسدة ـ الاولى ـ النفي على المعرضين حبهم الشديد للمال وعملهم الدائب لجمعه وكنزه واعتدادهم البالغ به وخديعتهم فيه وظنهم انه اله يعبد وتكاثرهم ومفاخرتهم به حتى الهاهم ذلك عن طاعة الله. ففي أول سورة نزلت من القرآن ردع شديد لمن كفر بنعمة الله عليه فطغى حين كثر ماله وتهديد له بأن مرجعه الى الله فسيجازيه عن طغيانه «كلا ان الانسان ليطغى أن رآه استغنى ان الى ربك الرجعى». واذا كانت هذه الآيات نزلت في ابي جهل كما قال المفسرون فان ذلك لا يمنع ان يكون هذا شأن المعرض عن ايات الله وان الله يحذر كل من يطغيه المال. وفي السورة الثانية وهي سورة «ن» جعل المال أحد الأسباب التي تحمل الاحمق على التكذيب بآيات الله وقد جاء هذا الحكم على احد كفار قريش بعد ما وسمه القرآن بمياسم من العيوب لم يصف بها احدا قبله ولا بعده فهو كثير الحلف بالباطل حقير ذليل مغتاب يكثر من الطعن على الناس والعيب فيهم ويسعى بالنميمة للافساد بينهم وهو بخيل بالمال مانع لكل خير صاد عن سبيل الله القويم وهو ظلوم فاجر سيئ الخلق شديد في الخصومة بالباطل. «ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد اثيم عتل بعد ذلك زنيم ان كان ذا مال وبنين اذ تتلى عليه آياتنا قال اساطير الأولين» فهذا الوصف الذي ينظم البخل في جملة هذه الصفات الكريهة ينبه الاذهان الى شناعة البخل ومن ثم الى ما يجره المال على صاحبه ان وقع فريسة له ولطغيانه. واذا كانت آيات سورة العلق وصفت الانسان بالطغيان حتى ليستغنى وآيات سورة القلم اخبرت ان المال كان احد سببين في التذكير بايات الله فان ايات اخرى من سورة الهمزة اشارت الى ان المال يحمل صاحبه على احتقار الناس والعيب فيهم وانه يخدع صاحبه فيظن انه يخلد في الدنيا ولا يموت ليساره وغناه ولذلك هدد القرآن امثال هذا بالويل في أول الآيات وبالنار التي تحطم العظام وتكسرها في آخرها «ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالا وعدده يحسب أن ماله أخلده، كلا لينبذن في الحطمة» والهمزة الذي يعيبك في الغيب واللمزة التي يعيبك في الوجه وقال بعض المفسرين المراد هنا النيل من اعراض الناس والغض منهم والطعن فيهم. ومن اوائل السور نزولا سورة «العاديات» وفيها وصف الانسان بأنه شديد الحب للمال «وانه لحب الخير لشديد» وسورة الفجر وفيها «وتحبون المال حبا جما» والسياق في الموضعين يجعل هذا الحب للمال غير محمود ذلك انه اقترن في السورة الاولى بجحود الانسان لنعمة ربه وفي الثانية بأكل التراث أكلا لما. وحين امتن الله على نبيه في سورة «الضحى» بأنه لا يزال يواليه بنعمه وحبه وبأنه وجده يتيما فآواه الى عمه ابي طالب ووجده ضالا عن معالم النبوة وأحكام الشريعة فهداه اليها ووجده فقيرا فاغناه بمال خديجة وما اعطاه من الرزق حين امتن عليه بذلك اوصاه باليتامى والمساكين والفقراء فقال عز وجل «فأما اليتيم فلا تقهر واما السائل فلا تنهر» وبجانب الآيات السابقة نجد آيات اخرى تبعث الخوف والقلق في نفوس الاشحاء وهي سورة المدثر «كل نفس بما كسبت رهينة الا اصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين». فالناس كلهم مأخوذون بذنوبهم الا اهل طاعة الله وخشيته فهم ينعمون في الجنات ويسألون المجرمين عن الأسباب التي حبستهم في النار فيجيبهم هؤلاء بأن اسباب ذلك أربعة: تركهم الصلاة في الدنيا وعدم تصدقهم على المساكين وخوضهم في الباطل وتكذيبهم بيوم الجزاء وجاء في سورة «البلد» تحريض الانسان على ان يجاهد نفسه ويتحمل المشقة في انفاق المال في وجوه الخير «فلا اقتحم العقبة وما ادراك ما العقبة فك رقبة او اطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة». ولعله قد وضح لنا ان القرآن قد رسم الطريق للحد من طغيان المال على النفس البشرية حتى يظل لها نقاؤها واستعدادها لفعل الخير والقربى الى الله وعندئذ يفوز الانسان برضا المولى سبحانه وتعالى وهو خير ما يتمناه العاقل في الدنيا والآخرة. فاللهم انعم علينا بفضلك وكرمك ورضاك ولا تجعل طغيان المال يلهينا عن ذكرك. وجنبنا الشح. آمين عبدالكريم صقر