الخميس 17 محرم 1424 هـ الموافق 20 مارس 2003 على الرغم من التطورات التي يعيشها اليمن من حيث تزايد تحولها التدريجي من مجتمع قروي الى مجتمع حضري بتوسع المدن والحواضر اليمنية خلال السنوات العشرين الاخيرة ، الا ان هناك صعوبة كبيرة في تأقلم السكان الوافدين مع طبيعة ومتطلبات الحياة الحضرية وما تقتضيه من سلوكيات وعادات ولعل مرد ذلك الى الثقافة التقليدية التي مازالت تحتل مكانة عميقة في نفس الفرد اليمني لم يتركها بل يحملها معه الى المدينة، واذا ما علمنا ان المجتمع اليمني في الاساس هو مجتمع ريفي ظل سكان الريف يشكلون فيه حوالي 98% بسبب الاعتماد على النشاط الزراعي غير انه مع تشييد المدن والحواضر خاصة في العقدين الاخيرين نزح العديد من سكان الريف الى الحضر. وطبقاً لاخر الاحصائيات لعام 2001 فان نسبة سكان الحضر بلغ حوالي 21% مقابل 79% في الريف اليمني. لكن رغم هذا التحول النسبي في تنامي سكان الحضر فان هناك ظاهرة اخرى افرزتها هجرة ذوي الاصول القروية الى المدينة وهي ظاهرة ترييف المدينة او قرونتها حسب ما يعبر عنه علماء الاجتماع وتتبدى مظاهر قرونة او ترييف المدينة في اكثر من سلوك وعادة تعبر في كنهها عن مدى هيمنة الثقافة التقليدية والعادات التي تشبع بها هؤلاء في مواطنهم الاصلية حتى باتت سمة تغلب على سلوكياتهم واسلوب حياتهم وهم يعيشون في المدن والحواضر. ويقول الباحث السوسيولوجي فيصل سيف من الواضح ان احياء المدن سواء كانت احياء سكنية او تجارية ليست سوى كيانات مصغرة للمجتمعات الريفية والقروية اليمنية اذ نجد حياً كاملا يتحدر اصحابه من منطقة ريفية محددة يتساكنون جنباً الى جنب ويعيشون في اسلوب حياة اشبه بتلك التي كانوا يعيشونها في مناطقهم الاصلية على مستوى علاقاتهم ببعضهم البعض ومصاهراتهم وتبادل الزيارات وحتى في طقوس اعراسهم ومآتهم وافراحهم يحرصون على تلك الطقوس التي اعتادوا عليها في قراهم بل ان الكثير منهم ينخرطون في عمل واحد او مهنة واحدة واحيانا ينتقل هذا الجوار الى السوق حيث تلاحظ المتحدرين من منطقة معينة يشتغلون بمهنة واحدة وفي سوق واحد ويسكنون في حي واحد حتى وان كان ذلك الحي يسكنوه بالايجار. وأيضا نجدهم ينقلون عاداتهم في تربية الماشية والأغنام الى تلك الاحياء وبالاسلوب الذي اعتادوا عليه في قراهم وأعتقد ان هذا السلوك والعادة تمنحهم الشعور بالامان والاطمئنان لبعضهم البعض وتؤكد مدى ريبتهم بالآخرين من غير الذين يتحدرون من مناطق غير مناطقهم كما انهم يجسدون بذلك وثوقهم الشديد بالانتماء الى مادون الدولة وهذا مؤشر على ان هناك ضعفاً في الولاء للدولة مقابل تزايد الولاء للانتماء الاسري والقبلي والعشائري والمناطقي وهذا على عكس ما هو حاصل في المجتمعات الحضرية. كما ان ذلك لا يعني اطمئنانهم لبعضهم البعض الا في حدود الجيرة والقرب من بعضهم البعض من السكن والحنين الى الانتماء الواحد. مع بقاء فواصل وحدود لتلك العلاقات تحكمها الثقافة التقليدية التي تميل الى المحافظة والارتياب بالغريب ويتضح ذلك من خلال نمط السكن المتبع فالمنازل وان كانت في بعض شوارع الاحياء تعود الى ابناء منطقة واحدة فإنها مع ذلك تبقى مساكن مفصولة عن بعضها البعض بأسوار محكمة تعكس في طبيعتها المحافظة الشديدة التي يتميز بها القروي اليمني والتي من أساسها العزل الشديد للنساء عن الرجال حتى وان كانوا من الاقارب او ابناء منطقة واحدة. ويدفع هذا الامر كل رب اسرة الى تشييد منزل منفصل عن منازل الاخرين ويرفض السكن بشقق داخل عمارات مكونة من عدة شقق ولهذا فان هذا الدافع قد أدى إلى تنامي وتزايد التوسع الافقي للمدينة اليمنية وغياب التوسع الرأسي نتيجة لتلك النزعة المحافظة التي تخشى من احتكاك الفتيات بالصبيان وما قد يجلبه ذلك الاحتكاك من عار. ويرى سيف ان مثل تلك الاعتبارات قد حالت دون شيوع وانتشار الشقق في المدن اليمنية على غرار ما هو حاصل في العديد من البلدان العربية وترتب على هذا الوضع مشكل حضري كبير على صعيد تخطيط المدن فعلى سبيل المثال مخططو التنمية الحضرية في منتصف الثمانينيات وضعوا حدودا احتمالية لمستوى نمو وتوسع بعض المدن اليمنية مع مطلع الالفية الثالثة لكنهم بعد سنوات قليلة وتحديدا مطلع التسعينيات لاحظوا ان التوسع العمراني قد تجاوز تقديراتهم وخطوطهم الاحتمالية تلك بصورة فاقت كل التوقعات والخرائط المرسومة. وترتب على هذا مشاكل كبيرة في توفير الخدمات مثل توصيل مياه الشرب والكهرباء والهاتف وجعل الكثير من تلك المدن تعيش في وضع اشبه بوضع الريف من حيث غياب امدادات المياه والصرف الصحي وغيره كما افرز مشكلة اخرى يعاني منها السكان وخاصة اولئك الذين يبحثون عن قطعة ارض بكلفة معقولة يشيدون عليها مساكنهم والسبب ان ميل السكان الى بناء مساكن منفردة ونفورهم من السكن في شقق قد ادى الى ارتفاع اسعار الاراضي والعقارات بشكل جنوني يفوق مقدرة اي شخص محدود الدخل على بناء منزل له وتنتج عنه وجود احياء شعبية تكتفي بسكانها وتفتقد لأي مواصفات تخطيط حضري. السكن العمودي مثير للمتاعب ويرى حسن قائد موظف ان السكن في شقق كما هو حاله مثير للمتاعب والمشادات الدائمة مع الجيران بسبب نظافة العمارة او كلفة اضاءة سلالمها ومياهها ولهذا فالعمارات المكونة من شقق تعاني دوماً من سوء نظافة سلالمها ورفض البعض لتقاسم تكاليف النظافة او الضوء حتى ان الكثير من تلك العمارات تحولت الى مظهر من المظاهر الدالة على ان سكانها يتحدرون من اصول قروية يغلف على علاقاتهم الشجار الدائم والخلافات وهذا ما زاد من نفور الناس من السكن في شقق وعدم التوجه للاستثمار في هذا المجال نتيجة لاحجام الكثيرين عن السكن فيها وتفضيلهم السكن في منازل منفردة مستقلة تبعدهم عن الاحتكاك اليومي بالجيران وخلافاتهم المستمرة معهم. ليس هذا فحسب بل هناك العديد من الناس الذين كانوا يملكون شققاً في بعض المجمعات آثروا بيعها والانتقال الى منازل منفردة غالباً ما تكون بالقرب من ابناء قراهم او اقاربهم لانهم بذلك يشعرون بالامان والطمأنينة على عكس السكن بالشقق التي تضم في العادة اما ملاكا اغراباً عن بعضهم البعض او مستأجرين لها بعد ان تركها اصحابها للعيش في بيوت انفرادية كثيرا ما يحرص فيها اصحابها على وجود حوش او حديقة كمتنفس لافراد الاسرة الذين يضيقون من البقاء داخل جدران اربعة للشقق قريبين من معارفهم وابناء مناطقهم. النتيجة التي يخرج بها المتابع لهذا السلوك في المدن الحضرية اليمنية هي ان المجتمع اليمني في الحياة الحضرية لايزال اسير القيم الثقافية التقليدية التي نشأ عليها وان تلك القيم والعادات ستبقى تشكل اسلوب عيشه وحياته لكنها لن تصمد طويلا امام الايقاع المتسارع لاسلوب الحياة في المدينة وما تتطلبه من اندماج في مسارها اليومي الذي سيتكفل بإزالة ان لم يكن التخفيف من تلك العادات المتوارثة غير ان ذلك سيستغرق زمناً طويلاً حتى يتكيف الناس مع حياة الحضر وتقتضيه من اندماج حتمي.