الخميس 17 محرم 1424 هـ الموافق 20 مارس 2003 تتمتع المملكة العربية السعودية بأنواع عديدة ومتنوعة من الانماط والاشكال المختلفة من العمارة على نحو يفوق اي بلد آخر في شبه الجزيرة العربية. فالبنايات الواقعة في المناطق الساحلية والجبلية والسهلية متميزة تماما عن غيرها وتكتسب الطابع المحلي الخالص الذي يميزها ويتيح رصد خصائصها. وعلى العكس من ذلك، فان هناك مدنا عديدة في المملكة مثل مكة والمدينة تعرضت لتأثيرات معمارية اجنبية مباشرة، وراحت اصابع المهندسين المعماريين من مختلف الاتجاهات والمدارس الاجنبية تترك بصماتها على التراث المعماري السعودي الاصيل هناك. وحتى قبل انطلاق آليات الاقتصاد والقائم على النفط، ظل الفن المعماري السعودي والاشكال المعمارية المختلفة كما هو لم يتغير طيلة قرون عدة من الزمان.ولكن مع ظهور النفط والتطور الذي واكبه، اخذت المباني اشكالا اخرى، وتوسعت الاحياء والمدن بطريقة مغايرة تماما للاشكال الهندسية ذات الطابع السعودي، وهو الامر الذي ادى في النهاية الى تهميش وانزواء التراث الفني المعماري السعودي. وفي هذا الكتاب الذي نناقشه هنا والذي يتسم بالجهود والمثابرة، يسجل المؤلف جيفري كينغ ملاحظاته وآراءه الخاصة بالفن المعماري السعودي، المدعمة بأعداد كبيرة من الصور والرسومات والمخططات التي ترصد في مجموعها التراث الفني المعماري السعودي الفريد. والمؤلف يصف في هذا الكتاب الخصائص المميزة للطابع المعماري السعودي للاحياء والقرى لكل منطقة: ساحل البحر الاحمر، واحات الجزيرة الشمالية، سهول نجد الوسطى وساحل الخليج الشرقي كما يستعرض كيفية استخدام تلك المباني. ويسجل كينغ ايضا في هذا الكتاب الزوار الاوائل للقرى والاحياء والمدن في السعودية لكي يضفي على العمل سياقا تاريخيا ثريا وعلى الفن المعماري السعودي ايضا، وهو يقدم في هذا العمل الوثائقي المهم وصفا تفصيليا لمواد البناء المستخدمة وتقنيات البناء. ويعد هذا الكتاب مرجعا مهما ووثيقة تاريخية تساهم في دراسة الفن المعماري للعالم الاسلامي والتاريخ الثقافي والاجتماعي للمملكة العربية السعودية. وقد قسم المؤلف الكتاب الى 7 فصول جاءت كالتالي: الفصل الاول: خلفية .. الطقس ومواد البناء الفصل الثاني: الهندسة المعمارية على ساحل البحر الاحمر وسهل تهامة الفصل الثالث: الهندسة المعمارية شمالي الحجاز والمدن المقدسة الفصل الرابع: الهندسة المعمارية للمرتفعات الجنوبية الغربية ونجران الفصل الخامس: الهندسة المعمارية في نجد الفصل السادس: الهندسة المعمارية للمنطقة الشرقية وجاء الفصل الاخير بعنوان: الهندسة المعمارية للمملكة العربية السعودية والاسلامية بشكل اوسع. واختتم المؤلف الكتاب بثبت المصطلحات العربية في عالم العمارة، وتكمن اهمية هذا الكتاب في ان مؤلفه جيفري كينغ يعمل استاذا مساعدا للفن الاسلامي والفن المعماري الاسلامي بمعهد الدراسات الشرقية والافريقية التابع لجامعة لندن، وهو اختصاصي بالفن المعماري والهندسة المعمارية للمملكة العربية السعودية، وله كتاب مهم بعنوان: المساجد التاريخية بالمملكة العربية السعودية. خيارات صعبة يناقش هذا الكتاب الفن المعماري المحلي داخل حدود المملكة العربية السعودية، وهذا التحديد الجغرافي الدقيق يعتمد اساسا على حدود سياسية اكثر منه حدوداً ثقافية، كما يعكس هذا التحديد الجغرافي ايضا حرية المؤلف في السفر في ارجاء السعودية خلال الفترة من 1972 الى 1975 وبين عامي 1980 و 1987. وهناك عينة شاملة للانماط المعمارية السعودية داخل هذه الحدود التي توضح تنوع المباني الموجودة في المملكة وفخامتها على نحو يفوق اي دولة اخرى في شبه الجزيرة العربية. وهناك العديد من الاشكال المعمارية السعودية التي توجد عبر الحدود مع اليمن والاردن والعراق والكويت وقطر والبحرين ودولة الامارات وسلطنة عمان. وهذه الانماط والاشكال المعمارية المختلفة الموجودة في السعودية يندر ان تجد مثلها مجتمعة في دولة واحدة. وتعد الهندسة المعمارية والفن المعماري السعودي من الفنون المعمارية الضاربة في اعماق التاريخ. والزائر للمملكة العربية السعودية اليوم سوف يشاهد بعض المدن الحديثة الاسرع انشاء في الشرق الاوسط، وهذه المدن ذات المكاتب الزجاجية والمباني الحديثة والطرق السريعة الواسعة والجسور انشئت جميعها في العقد الذي اعقب عام 1973. وحتى قبل ذلك، شهدت السعودية تغيرات كبيرة نتيجة للتحولات الاقتصادية التي اعقبت اكتشاف النفط في الثلاثينيات وارتفاع اسعاره في السبعينيات حيث كانت مساحة التغيير مكثفة وطالت كل جزء من الدولة. وفي منتصف الثمانينيات اصبح من المستحيل ان تقود سيارتك من الرياض الى المدينة وتقطع خلالها كيلومترا واحدا من دون ان ترى تطورا ما سواء، كان هذا التطور متمثلا في مبنى او مزرعة او احدى وسائل الاتصال. والشيء نفسه ينطبق على كل مكان في المملكة التي شهدت تحولا كبيرا، مثلما ساهمت الثروة واعادة البناء والتوسع الحضاري في تغيير الرياض وجدة والمنطقة الشرقية. باختصار شمل التغيير كل منطقة وحي وقرية في المملكة. والهندسة المعمارية المسجلة في هذا الكتاب تنتمي الى سعودية اخرى غير تلك التي نراها اليوم، فهذا الفن المعماري يرجع الى زمن لم يعرف فيه الطقس مكيفات الهواء والشخص المسئول عن البناء لم تكن امامه خيارات كثيرة سواء في اشكال المباني او المواد المستخدمة في البناء. فقد كانت مواد البناء المستوردة متاحة فقط على السواحل، لكن في المناطق غير الساحلية كان الخيار محصوراً في مواد البناء التي يمكن نقلها فوق ظهور قوافل الجمال او الحمير. وفي السنوات الاخيرة، عندما تم تحديث المدن، فان العديد من البنايات القديمة التي كانت تشكل شاهدا حيا على الفن المعماري العربي الخاص قد اختفت من الوجود. كانت مواد البناء المستخدمة في تلك المباني تتطلب صيانة دورية، وهذا ايضا ينطبق على المباني المصنوعة من الطابوق والطين والجص والاحجار التي ازيلت لتحل محلها المباني الحديثة المصنوعة من الاسمنت، كذلك فان ارتفاع اسعار اراضي البناء في المدن ساهم في ازالة المباني القديمة ويبقى التأكيد على ان عقدي السبعينيات والثمانينيات قد شهد خسارة كبرى في الفن المعماري العربي وقليل من المحاولات التي تمت لتسجيل الاحياء والبيوت قبل هدمها واعادة بنائها. وأياً كان ما تبقى على طريق الحفظ والتسجيلات، الا انه بات واضحاً ان التقاليد التي كانت سائدة من قبل لم تعد موجودة، بل اختفت ويمكن القول إنها ماتت. المباني الحديثة التي انشئت في السعودية مشيدة من قوالب من مركبات الفحم ثم يُصب عليها الاسمنت. وعلى الرغ من هذه الخسارة فإن دائرة الآثار بوزارة التربية والتعليم بدأت تتدخل في عمليات ترميم بعض المباني التي أنشئت قديماً ذات الطابع المعماري المحلي السعودي الخالص، من بين هذه المباني قصر المربع (الذي سيصبح المتحف الوطني) وقصر المسمت في الرياض وقصر الدرعية وقصر القشلة في حائل وقصر ابراهيم في الهفوف. وتعد أهم محاولة لحفظ التراث هي تلك التي تمت في مدينة جدة القديمة في عهد أمير جدة السابق الشيخ محمد سعيد فارسي. وخلال فترة الثمانينيات أبدى طلبة قسم الآثار والمتاحف بجامعة الملك سعود اهتماماً متزايداً بالفن المعماري التقليدي للأحياء في المناطق التي يعيشون فيها، وان عدداً من هؤلاء الطلبة كتبوا دراسات مفيدة حول الفن المعماري الإقليمي. هذا الاهتمام الذي أبداه الجيل الجديد في الماضي جاء في الوقت المناسب، وأعطى تشجيعاً لاستمرار هذا العمل. ما تبقى لكم يوضح المؤلف ان الفن المعماري القديم الذي لا يزال باقياً في المملكة العربية السعودية والدول المجاورة في شبه الجزيرة العربية هو آخر ما تبقى من نوعه في العالم الاسلامي، وان وصف هذا الفن المعماري ـ بتحليل علاقته بماضيه ربما يشابهه من فنون معمارية اخرى ـ جاء متأخراً في تطوير الدراسات الاسلامية، وكان ذلك بسبب صعوبة الدخول الى مناطق عديدة من شبه الجزيرة العربية حتى وقت قريب. ولا يزال هناك الكثير الذي لم يتم اكتشافه من الناحية الاثرية في جميع مناطق السعودية، والمباني المكتشفة سوف تساهم في رسم اطار تاريخي يتم من خلاله استعراض ما تبقى من فن معماري تراثي. وبالتأكيد فان المباني التقليدية سوف تثبت فائدتها بالنسبة لمختلف المجالات الاثرية مستقبلا. ان الهندسة المعمارية السعودية القديمة تلاشت بسبب مجتمعات لم تشهد سوى القليل من التغيير حتى منتصف القرن العشرين اكثر من معظم المناطق الاخرى في العالم الاسلامي. وقد ادى التحفظ الاجتماعي وغياب الابتكار التقني على مدى قرون طويلة الى عدم حدوث تغيير يذكر في التصميم المعماري الا فيما ندر. هذا التحفظ الاجتماعي ساهم في تكوينه التمسك المتحفظ بطرق بناء معينة وباستخدام مواد بناء محددة من السوق المحلي فقط، وبالتالي فان استخدام الاحجار المرجانية في البناء على السواحل والطين في الداخل يعكس الاستخدام القديم لهذه المواد بعينها. غير ان ذلك لايعني ان العمارة السعودية لم تعد جامدة او ذات نمط واحد، فقد كانت على العكس من ذلك، ومن الناحية التاريخية كان مجيء الفرس الى جدة في القرن العاشر قد ادى الى ادخال انواع جديدة من المباني او على الاقل ظهور مبان متميزة. ففي المدينة كان هناك نوع من المباني في حارة الاغوات كانت اقدم ومختلفة تماما عن تلك المباني الموجودة في اواخر القرن التاسع عشر، والتي كان يغلب عليها الطابع التركي او السوري. وكانت مكة والمدينة في تلك الفترة قد اظهرتا تأثراً كبيراً بالشكل المعماري في كل من سوريا واسطنبول، حيث تحمس الاشراف وقاموا ببناء المباني على احدث طراز قادم من الشمال، ويبدو ذلك كافيا للدلالة على ان كل اشكال العمارة الحديثة كانت انعكاسا لما كانت عليه في الماضي البعيد من دون ان تتبدل او تتغير. ويقول المؤلف انه على الرغم من هذا التوضيح الا انه من الصحيح ايضا ان معظم المباني الواردة في هذا الكتاب تكاد تكون مشيدة النمط الذي كان موجوداً في شبه الجزيرة منذ قرون طويلة. وتبدو العمارة في نجد وقد تطورت قليلا عن المناطق شبه الصحراوية في وسط السعودية وتوسعها شمالا الى سوريا والعراق. ولم تتعرض المنطقة الوسطى للمملكة العربية السعودية لتأثيرات خارجية عديدة كالتي اثرت في التطور الاثري على السواحل، وهي المناطق التي كانت اكثر انفتاحا بالنسبة للتجارة الخارجية والحج والعالم الخارجي بشكل عام. وحتى في اوائل السبعينيات كانت قرى نجد تمثل مشهدا ربما يكون مختلفا عن التجمعات السكنية القديمة في الشرق الادنى، وهناك نوع مختلف تماما للبيوت ذات الافنية، والتي تمثلها مجمعات كبيرة في القنفذه في جزيرة فارسان وبيت ابن عبد الوهاب في دارين وبيت المؤيد في البحرين. هذه المجمعات الكبيرة الواقعة على البحر الاحمر وسواحل الخليج تنتمي الى فترة كانت اسعار الاراضي فيها غير مرتفعة ويبدو انها تعكس نمط البيت القديم على سواحل السعودية. وهناك تشابه كبير بين المباني ذات الطابق الواحد والسطح المنبسط المصاحبة لهذه المجمعات على السواحل الغربية والشرقية للمملكة العربية السعودية. ولذلك ليس هناك اختلاف بين مربع ساحل تهامة على البحر الاحمر في القنفذه وفاراسان او زابد والمباني الشبيهة بالمربع التي توجد بطول الخليج في القطيف ودارين والجبيل. هذه المباني المشيدة على شكل المربع تتكون من طابق واحد، وتتميز بأنها مفتوحة وذات نوافذ عديدة يمكن اغلاقها بمصراع خشبي. ويؤكد المؤلف ان العلاقات المعمارية حول سواحل الجزيرة العربية موضوع يستحق المزيد من الدراسة فقد كانت الطرق البحرية حول السعودية وسيلة اتصال اسهل من الطرق البرية وكانت التجارة البحرية تمثل الخلفية التي عن طريقها تم انشاء مبان ذات انماط معمارية خاصة تكون مناسبة اكثر للمناخ الساحلي لشبه الجزيرة العربية. تأملات في خور دبي حتى اليوم، فإن القوارب التي تقف في خور دبي لا تبدو بعيدة عن وجهات اخرى، مثل المكلا وعدن والصومال وغيرها. فهي من سلالة القوارب نفسها التي رُسمت في القرن الثالث عشر في مخطوطات مقامات الحريري، وفي الوقت الحاضر مثلما كانت الحال عليه في القرن الثالث عشر كانت «البغلة» و«البوم» التي يشرف عليها العرب ويقودها الهنود تجعل الرحلة حول السعودية وفيما وراءها تعانق الساحل وتقوم بالتجارة في الموانيء مع سهولة الاتصال بالآخرين وهو ما يحدث في الرحلات البحرية. هذه الاتصالات الساحلية هي التي أسهمت في وجود ذلك النمط من العمارة ذي الطابع الخاص على السواحل السعودية والذي له علاقة بشرق أفريقيا والهند وهو ما يستحق البحث. وفي السعودية، فإن النمط المعماري الذي يعود الى ما قبل الاسلام للبيوت المرتفعة مثل الأبراج يمثله قصر غمدان في صنعاء الذي تم اكتشافه حوالي عام 25 قبل الميلاد، وتم ترميمه في القرن السادس، وكان هذا القصر موجوداً حتى عصر الخليفة عثمان بن عفان (644 ـ 656 ميلادية). ويقول الحمداني ان قصر غمدان كان يتكون من 20 طابقاً، وكان كل طابق يبلغ ارتفاعه حوالي مئة متر. ولصاحب هذا القصر غرفة علوية مترفة في هذا البرج ارتفاعها ستة أمتار ومسقوفة بالرخام، وبها أسد مصنوع من الحديد في كل ركن من أركانها الاربعة. ويقول المؤلف ان هذه الحجرة المترفة تشبه غرف الاستقبال الفاخرة في الطوابق العليا في البيوت المرتفعة المنتشرة من اليمن الى الحجاز. والانتشار الجغرافي لكل المباني المرتفعة في غربي السعودية معقد وان توزيعها ومغزى انتشارها لا يزال في حاجة الى المزيد من الدراسة، ويمكن القول ان هذا الانتشار جاء لأسباب قبلية بقدر ما جاء لعوامل هندسية، ويبدو ذلك صحيحاً في منطقة عسير. فهناك يبدو ان التجمعات الطبوغرافية لا تبدي أي احترام للحدود الجديدة. فالمباني التي وجدت فوق جبل بني مالك وجبل فيفا يوجد مثيل لها على الحدود في اليمن الشمالي، في حين ان المباني المرتفعة في نجران تشبه الى حد كبير من حيث الشكل تلك المباني المرتفعة الموجودة حول صعدة، كذلك فإن تقنيات البناء في نجران وصعدة والمنطقة الشمالية الشرقية لليمن تكاد تكون متطابقة. ويؤكد المؤلف ان بناء المباني المرتفعة ذات الطوابع المتعددة في كل من مكة والمدينة والطائف وجدة لها علاقة بالمباني المرتفعة في غربي المملكة. وتبدو مكة من بين مدن الحجاز متميزة بأن فيها مباني مرتفعة منذ فترة طويلة، ففي حين ان ابن المجاور تحدث عن بيوت ذات طابقين فقط في القرن الثالث عشر، إلا انه في عام 1807 علي بك ذكر ان هناك منازل ذات ثلاثة طوابق وأربعة طوابق في مكة. وهذه المباني المرتفعة في مكة ربما تكون جاءت استجابة للحاجة الى أماكن أكثر للأعداد الكبيرة من الحجاج، كما ان مكة تتمتع بتدفق أعداد كبيرة اليها ليس في موسم الحج فقط، ولكن على مدار العام لأداء العمرة. وإذا فهمنا على هذا النحو مغزى المباني العالية في كل من مكة والمدينة، إلا ان الأمر في جدة يختلف، فقد كان الزوار في أوائل القرن التاسع عشر يشاهدون بيوت ذات طابقين أو ثلاثة فقط، مما يعني ان المباني العالية جاءت بعد ذلك، فقد شوهدت المباني ذات الخمسة والستة طوابق خلال فترة افتتاح قناة السويس في الأول من يناير عام 1870 والتي جلبت معها الكثير من الازدهار والتجارة الى جدة، كما ان الضغط السكاني الناجم عن هذا الازدهار تفاقم من خلال حقيقة انه لم تعد توجد أرض للبناء، فاضطر المقيمون فيها للجوء الى البناء الرأسي. وهناك مدن أخرى واقعة على البحر الاحمر جذبت اليها الحجاج من مختلف دول العالم، لكن ليس بالدرجة من الازدهار التي عاشت فيها جدة. العمارة والخصوصية يلفت النظر الى ان التصميم الداخلي للمباني في السعودية يعكس الاهتمام بخصوصية المرأة في منزلها، فقد كانت النوافذ مرتفعة عن مستوى الشارع للتأكيد على خصوصية السكان، وكذلك من أجل منع دخول الاتربة عبر النوافذ. والى جانب الاهتمام بخصوصية المرأة، كان هناك ايضاً الاهتمام بالدور الاجتماعي والترفيهي للرجل الذي انعكس في وجود غرف استقبال منعزلة عن الغرف التي تستخدمها النساء. وقد ساهمت الأنواع المختلفة للمباني في شبه الجزيرة العربية بشكل عام في التأكيد على خصوصية المرأة والدور الاجتماعي والترفيهي للرجل. وكانت جميع البيوت في ذلك الوقت تخدم هاتين الفرضيتين: خصوصية المرأة والترفيه عن الرجل، فقد كانت الحجرات الخاصة بالرجال في الطوابق العليا وحجرات النساء في الطوابق السفلى حفاظاً عليهن وستراً لهن. كذلك فإن المداخل الى حجرات النساء تتميز بصعوبة فتحها أو عدم وجود أي فتحات يمكن أن يختلس أحد النظر عبرها. ويختم المؤلف الكتاب بقوله ان هذا الكتاب يعد سجلاً متكاملاً لكل ما شاهده بعينه خلال الفترة من عام 1972 الى عام 1987 عندما غادر السعودية. ويضيف ان العمارة القديمة في كل مكان في شبه الجزيرة العربية قد أزيلت وحلت محله مبان مشيدة بالاسمنت، ويؤكد ان أكبر وأهم تغيير حدث في أي بيت هو ادخال مكيفات الهواء، الأمر الذي ألغى الحاجة الى بناء مبان بالطرق التقليدية القديمة التي كانت تقاوم حرارة الصيف وتوفر الهواء البارد لسكانها. كذلك فإن انتقال أعداد كبيرة من السعوديين للمعيشة في المدن والأحياء في المملكة يعد سبباً آخر لذلك التغيير الذي حدث للمباني. ايضاً فإن الطفرة النفطية أدت الى ثراء معظم سكان المملكة أكثر من أي وقت مضى، وأدى ذلك الى نمو مدن واحياء كثيرة، وهو ما أدى بدوره الى ازالة المباني القديمة التي كانت تراثاً مهماً ذهب أدراج الرياح.