الاربعاء 16 محرم 1424 هـ الموافق 19 مارس 2003 لم يحتاج الفلسطينيون الى حِيَل، لأنه لا أحد في اسرائيل يرغب أن تفسد له هذه الحقائق أحلامه في الحديث الذي أفضى به الى صحيفة «معاريف»، أخرج رئيس هيئة الأركان العامة من كتب التاريخ الغابر الملحمة الهوميرية حول حصان طروادة والذي بسببه هزمت طروادة. فقد قام الجنرال موشيه يعالون بالمقارنة ما بين أعمال الخداع التقليدية وبين النية المبيتة للفلسطينيين عندما وقعوا على اتفاقية أوسلو، ولكن ذكر أنه ليس هو المؤلف: «اقرأوا التحليل الفلسطيني. انهم يصفون هذا الصراع كالخروج من بطن حصان طروادة». هذه المقارنة مثيرة للخيال، وقبل أن يغرق رئيس هيئة الأركان بموجات العار التي سيبعثها اليه اليسار الراديكالي في اسرائيل، من المستحسن تهدئة الخواطر. ان محاولة عزو غيض من الحذاقة والمراوغة لعرفات وشركائه والتي وضعها أوديسيوس في مؤامرة الحصان، قد تهين المقاتلين اليونانيين. ناهيك عن أن المؤامرة في كافة مراحلها تلقت مساعدة سماوية من جانب بعض الآلهة الغاضبة، والتي مست كرامتهم من قبل الطرواديين. وبالمقابل، فان اتفاقية أوسلو هي من صنع يد الانسان فقط. فقد تكرم الفلسطينيون بالتزامات كثيرة لم يحلموا بتنفيذها أبدا، ومن الجانب الاسرائيلي أصيب الذين يديرون المفاوضات بشلل فكري مذهل، بحيث أنه عندما أضاءت مصابيح الانذار، استمروا بغناء أغاني السلام ويقصون لنا عن «شرق أوسط جديد». فاذا كان هناك مكان للمقارنة التاريخية، فليست قضية حصان طروادة هي التي تناسب اتفاقية أوسلو، بل الفشل العظيم لحرب اكتوبر. حيث انتصرت المعادلة المسكينة على المعلومات الاستخباراتية. انها العرض المرضي لـ «الادمان على تنفيذ سياسة تناقض المصلحة الشخصية»، حسب أقوال المؤرخة باربارة توخمان في كتابها الرائع «حملة الشر»، في الفصل المخصص لحصان طروادة. ولم يضطر الفلسطينيون لبناء حصان خشبي لاخفاء مقاتلين في داخله. وحتى عندما اكتشفت نواياهم، لم يرغب أحد في الجانب الاسرائيلي أن تدمر الحقائق المرة دكان الأوهام لديهم. ومن تجرأ على فتح فمه ولم يأبه بشيء، نددوا به واعتبروه عدو السلام. سنستذكر حادثتين بارزتين: في مايو 1995 تحدث ياسر عرفات في مسجد بجوهانسبورغ، ممجدا الجهاد، ووصف اتفاق أوسلو بأنه «اتفاق الحديبية». وحتى تشبيه عرفات هذا ، بأن اتفاق أوسلو ما هو الا خدعة، لم تحرك ساكنا لدى حالمي أوسلو. في 21 من ديسمبر 1995 وقع ممثلو منظمة التحرير الفلسطينية وحماس في القاهرة اتفاقا يسمح لحماس القيام بعمليات ضد اسرائيل، شريطة ألا تحرج هذه العمليات السلطة الفلسطينية. انه مثال طبيعي لتهكم عرفات: يتحدث بورود السلام ويداه تسمح باراقة الدماء ـ وتوقع أيضا على شيكات لمنفذي العمليات، كما تم الكشف عنه فيما بعد. «عضو الكنيست أبو عمار»، وصف بتهكم رئيس الحكومة في حينه شمعون بيرس، عضو الكنيست بيني بيغن، والذي اعتاد اسماعه اقتباسات محرجة من اتفاقية القاهرة، ومن أقوال شخصيات فلسطينية أخرى، والذين كشفوا بوضوح خدعة أوسلو. «هذا لا يهمني» رد بيرس. «هذه فقط اقتباسات»، قالوا الناطقون بلسان الحكومة. ان الحصان الطروادي الفلسطيني كان شفافا تماما، وحتى عندما بانت منه العبوات الناسفة، اعتبروها في الجانب الاسرائيلي حمامة سلام ناصعة البياض. عن« معاريف»