الاربعاء 16 محرم 1424 هـ الموافق 19 مارس 2003 محاكمة «ج» ستجري اليوم في محكمة في وسط البلاد، الا انه لن يمثل أمام المحكمة. صحيح ان النيابة العامة «الدولة» قد وعدت في احدى الجلسات السابقة بأن لا تطالب بابعاده الفوري الى غزة، الا انه لا يصدق هذه الوعود، ويشك ان هناك مؤامرة شريرة قد أعدت له ويخاف من الظهور أمام المحكمة فلا يجد نفسه بعد ذلك الا على ظهر سيارة شرطة تقله الى حاجز ايرز عند «العرب» كما يقول.«المخربون» تذكر «ج» قاصدا كلمة «العرب» السابقة «كانوا يقولون لنا دائما ان اليهود سيعصروننا مثل الليمونة ومن ثم يلقونكم الى القمامة». الآن يقول «ج» الذي يعمل في خدمة الاجهزة الامنية الاسرائيلية منذ عام 1986 حيث كان في الثالثة والعشرين من عمره، ان كلمات «المخربين» حول اسرائيل كانت دقيقة. فهو يشعر الآن انه مثل الليمونة تماما حيث عصروه وهم يوشكون على القائه. «ج» من مواليد قطاع غزة ويمكث في اسرائيل منذ العام 1967 من دون تصاريح أو وثائق بعد ان حصل خلال سنوات طويلة على تصاريح عمل. واعتقاده هو ان أحدا ما في «الامن» الفلسطيني قد أوصل لأحد ما في «الشاباك» الاسرائيلي بأنه خطير من الناحية الأمنية حتى يحول دون دخوله لاسرائيل. وهناك أساس لاعتقاده هذا، ففي فترة العلاقات الجيدة بين الجهازين الفلسطيني والاسرائيلي كانت هذه خدعة معروفة في اوساط اجهزة الامن الفلسطينية: اذا ما كان هناك شخص مستهدف لاسباب فلسطينية داخلية فانهم كانوا يرسلون عنه معلومات مزيفة لنظرائهم الاسرائيليين حتى لا يسمحوا بخروجه من القطاع. «ج» لم يعد قادرا على الحصول على التصاريح المطلوبة للبقاء في اسرائيل منذئذ «قبل اربع سنوات ونصف». وفي هذه الاثناء تعرف على يهودية اسرائيلية وتزوجها في المحكمة الشرعية وطلق زوجته الغزاوية «حيث يوجد له خمسة اولاد يعيشون كالمنبوذين اجتماعيا». «ج» هو واحد من كثيرين - وهناك من يقول انهم آلاف كثيرة من المتعاونين الصغار الذين كانوا يوصلون المعلومات في الشئون الجنائية والأمنية الصغيرة نسبيا لاسرائيل خلال سنوات طويلة. هؤلاء كانوا يحصلون على مبالغ تتناسب مع المعلومات التي يوصلونها. ولم يكونوا مسجلين كمتعاونين بصورة رسمية، وانخفاض مرتبهم لم يمنحهم حق الحصول على الهوية الاسرائيلية التي كان من المفترض ان يحصلوا عليها حيث انها ستلزم اسرائيل في هذه الحالة بدفع مبالغ ومخصصات ثابتة لهم. ولو كانت اسرائيل لتعترف بهم جميعا وبواجبها تجاههم لاضطرت في هذه الحالة الى انفاق مبالغ ضخمة. وقد تردى وضعهم منذ استئناف الانتفاضة في اكتوبر 2000 ولم يعد بامكانهم ان يدخلوا أو يخرجوا تحت غطاء تصاريح العمل التي كانوا يحصلون عليها في السابق من اسرائيل. الغضب في المجتمع الفلسطيني على العملاء الكبار المعروفين - الذين يحتمون بالهوية الاسرائيلية والثراء الفاحش الذي جمعوه - والغضب على المجهولين الذين ساعدوا وما زالوا في عمليات «التصفية» والاغتيالات التي يقوم بها الجيش الاسرائيلي، والعجز في مواجهتهم، يحول الأسماك الصغيرة من العملاء والمتعاونين القدامى الى هدف أكثر عرضة وسهولة. المحامي رونين كوهين الذي يمثل المتعاونين في مواجهة السلطات الاسرائيلية يقدر بأن آلاف المتعاونين يمكثون في اسرائيل من دون تصاريح ويخشون من العودة الى اماكن سكناهم خشية الانتقام من قبل المجتمع أو مما تبقى من اجهزة الامن الفلسطينية. لذلك تقوم السلطات الاسرائيلية باغلاق عيونها ولا تقوم بازعاجهم خلال بقائهم في اسرائيل من جهة، الا انها تحرمهم من أي حقوق أو بطاقات بما في ذلك رخصة السياقة، ناهيك عن التأمين الصحي لهم ولاولادهم. ولكن لسبب ما تمت ملاحقة «ج» المذكور سالفا، وفي احدى الليالي في الثامن من أغسطس عام 2002 دخل اربعة رجال شرطة الى شقته في احدى مدن الساحل واتهموه بالوجود غير القانوني في اسرائيل. «كم دفع لكم العرب حتى تبيحوا دمي؟» رد هو عليهم. زوجته «ش» اتصلت مع «ي» المسئول عنه، وهو ضابط استخبارات في حرس الحدود. فاتصل هذا بدوره فورا بمحطة الشرطة طالبا عدم وضعه مع أبناء الأقليات في زنزانة واحدة، وسرعان ما قام محاميه باخلاء سبيله مقابل كفالة مالية واقامة جبرية كاملة. «ج» شعر من خلال هذه الصفقة ان محاميه قد «أهدر دمه» وباعه. والآن يواجه صعوبة اخرى: خلال فترة السجن أخذوا منه بطاقة هويته واختفت بصورة غامضة ولم يعد بامكانه ان يجددها «الهوية تابعة للسلطة ولا يمكن تجديدها الا في غزة». «أنا لم أترب مع العرب» قال بلغة عبرية جيدة جدا معبرا عن وضعه العاطفي. «منذ نعومة أظفاري وأنا أعمل مع والدي في الزراعة والبناء في اسرائيل، ربطت حياتي بمصير اليهود، فاذا نقلوهم الى جنوب افريقيا سأنتقل معهم، واذا ألقوهم في البحر فسيلقون بي واياهم». «ج» اعتاد الى حد كبير على الحياة في اسرائيل منذ صغره لدرجة انه لم يكن مدركا لحقيقة انه مسجل كلاجيء في وكالة غوث اللاجئين التابعة للامم المتحدة، ووالداه من اللاجئين من منطقة النقب حيث فرا في عام 1948 الى قطاع غزة. وفي هويتهما سجل انهما من مواليد «اسرائيل». هذا ما يسجلونه في هوية كل لاجيء فلسطيني في الضفة وغزة من مواليد ما قبل 1948 ولكن «ج» يلوح بصورة هويات والديه ويقول انه لا يتأثر اذا نعته أحد بأنه «خائن»، فهو ليس خائنا لانه لا يملك دولة يخونها، فقد فتح عيونه في اسرائيل، حسب رأيه، وترعرع فيها. «ج» لا يفصح عن الظروف والملابسات التي دفعته للشروع في ايصال المعلومات للشرطة الاسرائيلية وحول كل ما يحدث في صفوف الغزاويين الموجودين في منطقة ريشون لتسيون. محاميه يقول انه كان قد تورط جنائيا في السابق، ومن هنا وصل الى العمل مع السلطات مثلما يحدث مع معظم المخبرين والمتعاونين. ومع اندلاع الانتفاضة في عام 1987 بدأ «ج» يعمل في خدمة «الشاباك» حسب قوله من دون ان يدلي بمعلومات تفصيلية حول فترة عمله خلال الانتفاضة الشعبية ضد الاحتلال الاسرائيلي. ـ هل قتلوا أحدا ما بناء على المعلومات التي أدليت بها؟ ـ لا. ـ وكيف تعرف؟ ـ لا أعرف، ولكنني متأكد ان ذلك لم يحدث. «ج» يقول انه لم يتطرق «للأسماك الكبيرة». في غزة كانوا يعرفون انه متعاون، ولكن ليس بصورة مؤكدة. وعندما كان يشتبه بأحد ما كان يخبر «الشاباك» فيرسل أحدا آخر للتأكد. ـ هل اختبأت في سيارة مستعربين وأنت ملثم لتتعرف على بعض الاشخاص؟ ـ أجل. قالها مع تعابير عدم ارتياح، وليس واضحا اذا كان لا يريد الادلاء بمعلومات حول نشاطاته أم انه لا يريد ان يعترف ان هذه اعمال استخبارية أمنية ويود القول انه لم يكن له ضلع فيها. «ج» لم يرغب ايضا في التحدث عن المبالغ التي حصل عليها من «الشاباك». المبالغ كانت تدفع له مرة في الشهر حسب قوله عندما كان يلتقي بالمسئول عنه. الا انه لا يذكر المبالغ التي حصل عليها، فقد مرت فترة طويلة حسب رأيه. أحد اصدقائه المتعاونين مثله قال له حانقا: «فجأة لم تعد تتذكر أي شيء؟» فرد عليه «ج»: 300 شيكل أو 400 ربما». وأخيرا وصل المبلغ الى 500. «ج» يقول ان «الشاباك» أوقف تعامله معه عندما اكتشف انه يتعامل مع الشرطة ايضا. وهكذا واصل العمل مع الشرطة حتى اقامة السلطة الفلسطينية في عام 1994. وواصل الخروج والدخول لاسرائيل ومنها بتصاريح العمل التي بحوزته. في عام 1998 استدعي «ج» للتحقيق من قبل المخابرات العامة الفلسطينية حيث سجن عدة اشهر وتعرض للتعذيب الشديد. «حطموا ثلاثة أضلاع من ضلوعي وأوثقوا كل جسمي ونكلوا بي ولم يعطوني سجائر وسكبوا الماء على الارض بجانبي حتى أتزحلق وعلقوني من يدي لعدة دقائق وداسوا علي وضربوني بكل ما وقع تحت أيديهم». وهو يقول ايضا انه أوشك على مفارقة الحياة فسارع المحققون الى نقله للعيادة، ولكنهم ألزموه بالامتثال كل يوم في المركز. «ج» يقول انه سمع عن يهودي من المواقع السكنية القريبة حيث يقوم بتهريب الغزاويين لاسرائيل. كانت لهذا اليهودي سيارة تبريد كبيرة ينقل فيها الغزاويين مقابل 1500 شيكل على الرأس بهذه الطريقة خرج «ج» من غزة، وكان اول شيء قام به عندما عاد الى اسرائيل هو اخبار السلطات عن الشخص الذي قام بتهريبه من غزة، وطلب تقديم المساعدة لاثنين استطاعا التسلل لاسرائيل. عمله تركز في السنوات الاخيرة على اكتشاف مواقع المتواجدين غير القانونيين داخل اسرائيل. كل عملية اكتشاف تستغرق اسبوعين حيث يحصل عن كل عملية من هذا النوع مبلغ ألف شيكل. وقد واصل مهمته هذه بتسليم الاشخاص غير الشرعيين الى ان أصبح هو نفسه ضحية للتواجد غير القانوني في البلاد. وبعد فراره من غزة الى اسرائيل شيد لنفسه كوخا في أحد التجمعات السكنية في اسرائيل، فقام أحدهم باشعاله. ومجهولون قاموا بتهديده هاتفيا. رجال الشرطة وحرس الحدود المسئولون عنه وعدوه حسب قوله بأن يرتبوا له ولزوجته المطلقة ولاولاده تصاريح قانونية، الا ان ذلك كان عبثا. واعتقاده هو ان المسئولين الأعلى منهم هم الذين يرفضون اصدار التصاريح له ولاولاده. بعد ذلك قالوا له ان من الأفضل الحصول على هوية اسرائيلية من خلال «جمع الشمل». وقالوا انهم سيقدمون توصية ايجابية حوله. ولديه الآن نسخ من عشرات الرسائل التي قام بارسالها لكل سلطات الدولة بما فيها الرئيس حتى يتدخلوا في قضيته. «ج» توجه لمنظمة «بتسيلم» ايضا للحصول على المساعدة في يونيو 2002 قبل ان يتم اعتقاله. ورد وزارة الدفاع على طلبات «بتسيلم» بشأنه كان «ان «ج» كان مخبرا للشرطة في السنوات 1993-1999، ولم يكن متعاونا للشباك، وان له سوابق جنائية وأمنية سلبية». كما جاء في الرسالة الجوابية ان «لجنة معالجة شئون المهددين تعارض اعطاء تصاريح بقاء له في اسرائيل». «لجنة معالجة شئون المعرضين للتهديد» هي لجنة تابعة لمكتب منسق العمليات في المناطق، وهي تتولى قضية المخبرين الصغار الذين لا تعتقد وزارة الدفاع والسلطات انهم وفق معايير ومستوى «ادارة تأهيل المتعاونين» التي تتولى ترتيب أوضاع العملاء والمتعاونين مع اسرائيل. اعتقاد السلطات ان الخدمة التي يتلقاها المتعاون تتناسب مع المهمة التي قام بها، فاذا كان قد وشى بأن جاره قد كتب شعارات فسيكون مستحقا لخيمة يسكن فيها، أما اذا كان قد أعطى الهاتف الخلوي المفخخ ليحيى عياش فهذا يعني انه سيحصل على فيلا. اجراءات جمع شمل العائلات للفلسطينيين المتزوجين من اسرائيليات توقفت في مارس 2002 بعد عملية مطعم «ماتسا» في حيفا حيث تبين ان منفذها قد حصل على هوية بهذه الطريقة. الحكومة قررت التشدد في اجراءات ومعايير جمع الشمل، الا ان العملية ما زالت معطلة حتى الآن. وهكذا كان «ج» وأمثاله من المتعاونين الصغار الذين يأملون بأن يكون جمع الشمل خشبة الخلاص لهم. وعندما اعتقل «ج» في أغسطس داخل اسرائيل اتصل اصدقاؤه من غزة به وقالوا له ان اجهزة الأمن الفلسطينية تتنافس فيما بينها حول من الذي سيقبض عليه في حاجز ايرز. هذا الخبر لوحده كان كافيا لتحسين ظروف سجنه من الزنزانة الى الاقامة الجبرية في البيت، كما حصل معه، وان لا يظهر أمام المحكمة مرة اخرى. عن «هآرتس»