الاربعاء 16 محرم 1424 هـ الموافق 19 مارس 2003 لم يكن هذا هو التراجع الاقتصادي الذي واجهه بوش الاب، ولم يكن هذا كذلك، ولن يكون، الركود الذي حدث اثناء فترة حكمه، ويأمل الرئيس الاميركي الحالي الا يكون ما سيحدث هو الانتعاش الاقتصادي الذي حدث ايام والده. فمع الاخذ في الاعتبار ان الولايات المتحدة الأميركية تملك اقتصادا سياسيا، فان بوش الابن يعد محظوظا لأن حالة التراجع الاقتصادي وما أعقبها من ركود لا تتشابه مع تلك الحالة التي حدثت في العامين الأولين لأبيه في البيت الأبيض.اثناء تلك الفترة من حكم بوش الاب، وهي الفترة التي كانت قد بدأت فيها بالفعل حرب الخليج السابقة كانت حالة التراجع التي ابتليت بها البلاد في صيف عام 1990 في نهاياتها. وقد جاء في هذا التراجع، الذي كان نتيجة منطقية لارتفاع اسعار النفط في العالم بسبب غزو العراق للكويت، في اعقاب افضل اوقات عامين من الاخبار الاقتصادية الايجابية، تواصلت خلالها حالة الانتعاش الاقتصادي والخروج من الأوقات العصيبة لفترة السبعينيات واوائل الثمانينيات. وأثناء الفترة الحالية من رئاسة بوش الابن، جاءت الأخبار الاقتصادية السيئة بشكل مبكر وخلال معظم اوقات العام الماضي لم يقم هو بأي عمل سياسي كبير لمواجهة هذه الحالة الاقتصادية، وكما يعلم مستشاروه بشكل جيد للغاية، فان الامر لم يعد كما كان في عهد أبيه. فمثله مثل أبيه، ربما يوشك بوش الابن على التمتع بطفرة عالية في معدل التأييد الشعبي الذي يصاحب شن الحرب، ولكن بشكل يختلف عما كان عليه الوضع في حرب الخليج في عهد والده، فان حرب الخليج المقبلة سوف تبدأ فيما تأخذ معدلات قبول سياسة جورج الابن الاقتصادية في التراجع، ولهذا أسبابه المنطقية. فبالنسبة لبوش الأب، لم تنقذه هذه الحالة من التملق الدولي له في اعقاب الحرب مع الادراك بشكل تدريجي ان الاقتصاد الأميركي ظل في حالة تخبط حتى وهو في غمار سعيه لخوض معركة انتخابية لفترة رئاسية ثانية. وبالنسبة لبوش الابن، فان هذا الدرس جدير بأن يتذكره جيدا لا سيما وان التقدير السلبي لسياسته الاقتصادية أصبح بالفعل حقيقة سياسية. وهذا هو السياق الأكبر الذي يفسر الأخبار الاقتصادية الأخيرة المزعجة والتي افادت بأن الاقتصاد المترنح لايزال اخذ في تحطيم الوظائف اكثر من قيامه بايجاد وظائف جديدة، فجميع الاخبار الخاصة بشهر واحد لا تكون في حد ذاتها اكثر أهمية من الاخبار الخاصة بمعدل دخل الاسر أو أكثر اهمية من الاخبار ربع السنوية الخاصة بمعدل الانتاج. فاتجاه الاخبار هو الذي يهم، وهذا هو الامر الذي يفسر لماذا يعد ذلك التقرير الذي يفيد بأن أكثر من 300 الف وظيفة تم الغاؤها الشهر الماضي وهو اكبر معدل لفقدان وظائف في شهر واحد منذ التداعيات الفورية التي اعقبت هجمات سبتمبر ـ تقريرا مزعجا ومؤلما للغاية.شان اللجوء المعتاد الى الاخذ في الاعتبار بشكل مبكر معطيات مثل هذا التقرير من اجل تخفيف آثاره، وذلك عن طريق ما يتم حاليا من استدعاء العمال للتجنيد في قوات الاحتياط او قوات الحرس الوطني، لأمر يقل ويتضاءل فهي معقولة أمام تلك الحقيقة الاكثر اهمية المتمثلة في ان فقدان الوظائف غدا امرا معتادا في الاقتصاد الاميركي. والاكثر من ذلك فان الامر يؤكد تزايد اعداد طلبات الحصول على مقابل وتعويض عن البطالة خلال الفترة الماضية في جميع أرجاء البلاد. ان النقطة الاكثر أهمية لا تتمثل في تضخم معدل البطالة «فلا يوجد دليل دامغ على هذا الامر»، ولكن النقطة الاهم هي ان الانتعاش الاقتصادي الحقيقي لم يبدأ بعد وسط علامات تشير الى ان التوجهات الاكثر اهمية في الاقتصاد الآن تعتبر سلبية اكثر من كونها ايجابية. فقد بدأت مبيعات التجزئة، التي تمثل ثلثي الانتاجية الاقتصادية للبلاد، العام الحالي وهي في حالة ضعيفة حيث بدأ منتجو السيارات الكبار في خفض خطط الانتاج، ووصلت ثقة المستهلك بالسوق الى اقل معدلاتها منذ عشرة اعوام، كما وصلت اسعار النفط الى معدلات مرتفعة حتى قبل ان تنشب الحرب وربما لن تنزل عنها بسرعة حتى بعد الانتهاء من حرب قصيرة وذلك لأن المخزون النفطي غدا قليلا، كما بدأت الحكومات المراحل الاولى من تقليص الخدمات وزيادة الرسوم «لا سيما بالنسبة للتعليم الجامعي» بشكل لم يحدث في العصور الحديثة.بينما يساعد تواصل انخفاض اسعار الفائدة على استقرار سوق الاسكان، يبدو هذا الاستقرار اقصى ما يمكن ان نعتبره من ضمن الاخبار السعيدة.وكما هي الحال مع جميع الرؤساء، خاصة والده، فانه ليس هناك أمر أكثر أهمية على الصعيد السياسي من التوجه الاقتصادي اثناء الفترة التي تسبق خوض انتخابات الرئاسة الثانية. فبالنسبة لبوش الأب جاء الانتعاش الاقتصادي الذي لم يصاحبه تقدم في مجال البطالة فضلا عن عدم حدوث زيادة في مستويات دخول الأسر، اثناء عامي 1991 و1992 بمثابة نذير شؤم اطاح به. وبالنسبة لبوش الابن، فانه حتى هذه اللحظة لا يبدو انه تعلم مما حدث لأبيه. وتكمن المفارقة هنا في أن الموقفين مختلفين للغاية. فبوش الأب مر بكابوس الفشل في انتخابات الرئاسة الثانية، حيث اعقبت حالة الرخاء حالة كبيرة من المشكلات تزامنت مع توجه الناخبين الى صناديق التصويت. اما بوش الابن فهو يبني دوما اماله على النجاح والحصول على فترة رئاسة ثانية عن طريق التخلص من المشكلات التي تعيق طريقه نحو هذا الهدف والعمل على أن يتزامن موعد الانتعاشا الاقتصادي مع موسم الانتخابات. فالانخفاض الكبير في حجم الاستثمارات الذي تلى فترة الطفرة التكنولوجية ثم هذا التراجع الحاد ولكن القصير نتيجة هجمات سبتمبر، كان من المفترض ان يعقبه انتعاش اقتصادي كبير يدعمه خفض الضرائب. لكن شيئا من هذا لم يحدث. ثم افترض بوش ان هذا الانتعاش الذي تقوده عودة زيادة واحياء الاستثمارات ستظهر اثاره في الفترة الحالية. لكن هذا لم يحدث كذلك. اذا فان الانتهاء من حرب قصيرة والمضي قدما نحو اقرار مزيد من الخفض الضريبي من المفترض أن يحدث رخاء في وقت لاحق هذا العام. وبافتراضه هذا يكون بوش الابن، مثلما فعل والده عام 1991، قد قام بفعل الكثير للاحتفاظ بالرئاسة، نعم الظروف الاقتصادية مختلفة كل الاختلاف، ولكن عادة بوش في أن يراهن على مجرد افتراض أكثر من المراهنة على خطة واضحة، هو عامل التشابه مع ما حدث مع والده. عن «بوسطن غلوب»