الاربعاء 16 محرم 1424 هـ الموافق 19 مارس 2003 أثار كتاب «نهاية الحقبة الأميركية» نقاشاً عاصفاً في الأروقة الفكرية والسياسية والاستراتيجية والمهتمة بالمستقبليات، وهو علم في غاية الأهمية في الغرب في هذه الحقبة التاريخية. ويشدد تشارلز كينشان مؤلف الكتاب على مجموعة مهمة من الأفكار الجديرة بالتأمل، حيث يرى أن الولايات المتحدة لا تملك استراتيجية كبرى، وهي قوة تائهة ومتخبطة وسياساتها متناقضة وإدارة بوش تمادت في سياستها الانعزالية والانفرادية. وأن القطبية الأميركية لن تدوم طويلاً، وحتمية التاريخ تقضي بعودة الصراع الدولي. ان بروز أوروبا هو فقط أحد القوتين الرئيسيتين اللتين تقربان من نهاية القطبية الأميركية. أما القوة الأخرى فهي سياسات أميركا وتغير شهيتها في حمل الأعباء المترتبة على الهيمنة الكونية. ويستبعد معظم المحللين امكانية انسحاب أميركا من المسرح العالمي على اعتبار ان التأييد الشعبي والنخبوي للمشاركة متعددة الأطراف مازال قوياً وبخاصة بعد هجمات الحادي عشر سبتمبر حيث يرى كثيرون ان واشنطن سوف تواصل الامساك بعجلة القيادة. لكن هذا الكتاب يتناول بروز عالمية أميركية اكثر صعوبة كنتيجة حتمية لغياب خصم رئيسي. صحيح ان أوروبا سوف تتحدى الهيمنة الأميركية، لكنها لن تكون الخصم الذي سيحفز انخراط أميركا الكوني. وسوف يظل الارهاب يهدد أميركا داخلياً وخارجياً، ولكن وبينما تقوم أميركا بضربات منفصلة ضد الارهابيين والدول الداعمة لها، فإنها ستحصن الجبهة الداخلية وتقلص من التزاماتها الخارجية لوقاية نفسها من هذا التهديد. كما ان تباطؤ اقتصادها الوطني وتغير وضعها الديموغرافي سوف يخفف من حماس النموذج التوسعي والتعددي لعالمية أميركا الذي مارسته طوال العقود الخمسة الماضية. وحتى لو ان أميركا حافظت على ازدهارها المادي لسنوات قادمة، الا ان تصاعد الانعزالية والانفرادية الجديدة سوف يحدث تغيراً كبيراً في المشهد العالمي. ويتطلب تتبع انحراف خط التورط الأميركي في العالم القاء نظرة على الماضي لكشف القوى التي عادت للتأثير على استراتيجية أميركا الكبرى. فمنذ بدايات انشائها، عملت ثلاثة نقاشات مركزية على تشكيل عالمية أميركا واستراتيجيتها الكبرى وهي: هل ستقود الواقعية أم المثالية مسار الدولة؟ كيف يمكن التوفيق بين الثقافات المتباينة وبين مصالح المناطق المختلفة عند اعداد الاستراتيجية الكبرى؟ وكيف يمكن ادارة السياسات الحزبية والحد من تأثيرها على السياسة الخارجية؟ وقد ظل الحوار بين مؤسسي الولايات المتحدة حول هذه القضايا منذ ذلك اليوم الى الآن هو المكون للنموذج العالمي الأميركي الفريد. وعكس الصراع بين الواقعية والمثالية حول اعداد الاستراتيجية الكبرى التوجهات الأيديولوجية المتنافسة التي أرست دعائم الدولة. فقد كانت القوى الوحشية مركزية في تحقيق الاستقلال عن بريطانيا وفي تمكين الولايات المتحدة في التوسع غرباً. وفي الوقت ذاته فإن كثيرين ممن جاؤوا للاستقرار في أميركا فعلوا ذلك لأسباب مثالية فعكسوا قناعاتهم الأخلاقية والاجتماعية على السياسة الخارجية للدولة الوليدة على اعتبار ان المبادئ تلطف من استخدام القوة وأن الحكم يجب ان يسترشد بالمثل الديمقراطية. وهكذا كانت الاختلافات حول القضايا الجوهرية متعددة وعميقة، ولكن فيما يتعلق بالاستراتيجية الكبرى فقد كان الموقف موحداً. فكما قال الرئيس جورج واشنطن في خطابه الوداعي: (ان الاتحاد يجب ان يسترشد بهدف توسيع علاقاتنا التجارية مع الدول الأخرى مع الابقاء على الارتباط السياسي معها عند أدنى مستوى). وظلت السياسة الخارجية احدى ساحات الصراع الداخلي بعد تشكيل الأحزاب. لكن الولايات المتحدة حافظت على تجنب النزاعات الأوروبية طوال القرن الأول من انشائها وبعد عدة عقود لاحقة. فرغم المساعدة التي قدمتها فرنسا أثناء الثورة، الا ان الولايات المتحدة التزمت الحياد عندما نشب الصراع بين فرنسا وبريطانيا في عام 1793، وظلت على هذا الحال رغم تواصل الصراعات في أوروبا حتى هزيمة نابليون بونابرت في عام 1813. وكان الاستثناء الوحيد هو حرب أميركا ضد بريطانيا في عام 1812 اثر عرقلة البحرية البريطانية للتجارة الأميركية وتعديها على مناطق النفوذ الأميركية، وتسليحها للقبائل على الحدود الكندية. كما شاركت أميركا بشكل متقطع في أعمال عسكرية في القرن التاسع عشر من 1801 ـ 1871 في ليبيا والجزائر واليونان وانغولا وسومطرة وليبيريا والصين واليابان وكوريا. لكن هذه العمليات كانت محدودة وبهدف حماية التجارة والرعايا الأميركيين. وكان عام 1890 فترة تحول في سياسة أميركا الخارجية حيث أنها وسعت حجم أسطولها. فعندما وصل بنيامين هاريسون الى الرئاسة كان الأسطول في المرتبة السابعة عشرة في العالم، وعندما ترك المنصب في عام 1893 كان في المرتبة السابعة ويضم سفناً حربية ضخمة تستطيع مواجهة الأساطيل الكبرى في العالم. كما ضاعفت أميركا من جهودها لاخراج بريطانيا واسبانيا من منطقة نفوذها، وزاد انتصار اسبانيا من شهيتها للتوسع فمدت وجودها الاستعماري في عام 1898 الى بورتوريكو وهاييتي وغوام والفلبين. وعندما أصبح تيودور روزفلت رئيسا في عام 1901 واصل هذه السياسة التوسعية ووسع مجال عقيدة مونرو المبنية على المواجهة، وأكد حق أميركا في التدخل في الدول الأخرى. وعندما دفعت أزمة جمهورية الدومينيك المالية في عام 1904 الدول الأوروبية للتدخل لاستعادة ديونها، أرسل روزفلت عملاء أميركيين للاستيلاء على أجهزة الجمارك لضمان سداد الديون. وربما كان أكبر اشارة على هذا التوجه هي عندما أمر روزفلت الأسطول الأبيض الكبير في عام 1907 بالقيام بجولة حول العالم لاثبات الحضور الأميركي على المسرح الخارجي. كما تبنى مشروع شق قناة بنما، وعندما رفضت الحكومة البنمية تخصيص الموقع المطلوب نظم تمرداً ضدها وأرسل سفنا حربية لدعم المتمردين. والسبب في هذا التوجه التوسعي الخارجي يعود الى النمو الكبير في الاقتصاد الأميركي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتضاعف عدد السكان، والحاجة الى أسواق جديدة تحت حماية الأساطيل الحربية. ويفسر جورج كينان، الدبلوماسي الذي تحول الى مؤرخ، هذه الروح التوسعية بالقول: (لقد استساغ كثير من الأميركيين المؤثرين رائحة الامبراطورية وشعروا بالرغبة لرؤية أنفسهم بين الدول الاستعمارية في ذلك الوقت، ولرؤية علمنا يرفرف على الجزر الاستوائية البعيدة من أجل انتزاع الاعتراف بأميركا كواحدة من الدول الاستعمارية الكبرى في العالم). وهكذا، دخلت الولايات المتحدة القرن العشرين مسلحة بسياسة عالمية جديدة وباستراتيجية كبرى تناسبها. ولم يمض وقت طويل قبل نشوب الحرب العالمية الأولى التي وضعت هذه الأطماع على المحك وكشفت حدود طموحات أميركا العالمية. انهيار عصبة الأمم عندما نشبت الحرب العالمية الأولى في عام 1914، أعلنت الولايات المتحدة حيادها التام ورغبتها في مواصلة الاتجار مع الأطراف المتحاربة، فقد كان الشعب ضد دخول هذه الحرب، وكذلك كان الرئيس وودر ويلسون ومستشاروه. الا ان هذه المواقف تغيرت بسرعة في مطلع عام 1917 عندما بدأت الغواصات الألمانية مهاجمة السفن التجارية الأميركية في مياه المحيط الأطلسي. وفي 6 ابريل أعلن الكونغرس بطلب من الرئيس ويلسون الحرب على ألمانيا، وبذلك تكون الولايات المتحدة قد تورطت في هذا النوع من الصراع الذي حذر منه المؤسسون الأوائل. لكن المثير في الأمر ليس كيف تورطت أميركا في هذه الحرب، ولكن كيف انتهى هذا التورط. فعندما بدا ان الحلفاء على وشك الانتصار، كرس ويلسون رئاسته للتفاوض على معاهدة فرساي واحلال السلام، فأعلن عام 1918 مشروعاً من أربع عشرة نقطة كبديل للوضع الماضي. ونص المشروع على مفاوضات علنية بدل السرية، وعلى ازالة الحواجز من أمام التجارة، وعلى خفض تسلح الدول الكبرى الى أدنى مستوى يتناسب مع الدفاع الوطني ويسترشد باعتبارات الأمن الجماعي والرغبة في مواجهة العدوان. ولوضع هذه الأفكار موضع التنفيذ، اقترح ويلسون انشاء عصبة الأمم كتجمع دولي لتنسيق العمل المشترك ضد أي عدوان. الا ان مجلس الشيوخ رفض مشاركة أميركا في عصبة الأمم فوجه ضربة لفكرة ويلسون، وكشف هشاشة الطموح الأميركي الجديد. حدود الأممية الأميركية في الأيام الأولى من حملته الانتخابية أوضح جورج بوش نيته في تركيز السياسة الخارجية على الأميركتين، وكان ينطلق في ذلك من مرتكزات تاريخية. ومن هذا المنطلق كان أول اجتماعين عقدهما بعد توليه الرئاسة مع رئيس وزراء كندا ورئيس المكسيك. كما كان أول مؤتمر دولي له قمة الاميركتين في كويبيك. وقد عزف بوش على أوتار التناقضات التقليدية بين الشمال والجنوب للفوز بانتخابات عام 2000، الا ان أسلوبه الشخصي ومواقفه السياسية أعادت الى الحياد دعوات الدفاع عن حقوق الولايات، والحد من سلطة الحكومة الفيدرالية وتخفيض الضرائب وانتقاد نخبة واشنطن المتخندقة وكبح جماح التورط الخارجي، والتراجع عن الأممية الليبرالية والمنظمات متعددة الجنسيات. ولا يعد ظهور التيار المتردد والانفرادي نتاج ظاهرة مؤقتة ناجمة من توقعات لحظية لرئيس ينحدر من تكساس، وانما الى ان الأممية الأميركية والاستراتيجية المنبثقة منها كانت تمر بعملية تغير جيو ـ سياسي نظراً لانعكاسات نهاية الحرب الباردة على الوضع الداخلي، وزيادة التساؤل عن جدوى الاستمرار في تحمل الجزء الأكبر من عبء ادارة النظام العالمي. كما ان المشهد السياسي الأميركي يتغير بشكل سيؤثر على الانخراط الأميركي الخارجي. فالجيل الشاب الذي لم يشهد الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة أصبح يتولى مناصب بارزة، كما ان الاستقلال الاقتصادي وثورة المعلومات والارهاب سوف يحضهم ضد الانعزالية، الا ان ذلك سوف لن يجعلهم أمميين بشكل تلقائي مثل أسلافهم. كما ان بناء تحالفات أممية، اقليمية وحزبية، سوف يصبح أكثر صعوبة. أميركا المترددة ان غياب صراع القوى الكبرى حالياً لا يعود الى قوة أميركا، وانما أيضاً الى طبيعتها السياسية. فهي تملك القوة الكافية للضغط على الآخرين واستغلالهم كما يحلو لها، لكنها تغلف هذه القوة الطاغية بلمسات ليّنة نسبياً، وهذا ما يمنع الدول الأخرى من التكاتف في مواجهتها. وهذا ما يفسر الينا سعي المكسيك لربط اقتصادها بأميركا رغم الشكوك ورغم مشاعر العداء لها. ومن حسن الحظ ان هذه القوة العظمى الوحيدة غير متهورة بالمقاييس التاريخية، لكن هناك شواهد مقلقة تشير الى عكس ذلك. فالولايات المتحدة تبدو اليوم مثل رئيس مخفر متردد أكثر من كونها طاغية جشعاً، وعندما تفقد حماسها لتكون رئيس شرطة فلن يوجد من يحتل هذا المنصب. ففي العقد الماضي حشّدت أميركا 700 ألف جندي، من بينهم 540 ألف أميركي لاخراج القوات العراقية من الكويت في عام 1991، ثم ظلت طوال عقد تضغط على النظام العراقي، وكذلك فعلت في البلقان عندما قادت تحالفاً لوقف سفك الدماء في البوسنة وأخرجت القوات الصربية من كوسوفو، وأسقطت سلوبودان ميلوسيفيتش من السلطة وأرسلته الى المحكمة الدولية في لاهاي. كما ردت أميركا بسرعة على الهجمات الارهابية عليها وأرسلت آلاف الجنود ومئات الطائرات وعشرات السفن الحربية لقصف أفغانستان. ولكن ردود الفعل الأميركي ظلت محدودة، مثل التردد في احتلال بغداد خشية التعرض لمخاطر وتهديد مصادر النفط، والتردد في اشراك القوات البرية في المعارك. والحالة الاستثنائية في وقوف الشعب والكونغرس وراء العمل العسكري كانت بخصوص الرد على هجمات نيويورك وواشنطن، لأن الولايات المتحدة نفسها هي التي تعرضت للهجوم هذه المرة، وليس بلداً نفطياً خليجياً أو أقلية عرقية في البلقان. ولذلك، لو ان السياسات الأميركية عملت على كبح سياستها الخارجية فسوف تنسحب قبل ان يستعد الآخرون لملء الفراغ، لأنه لا توجد قوة أخرى تملك القوة العسكرية والارادة السياسية معا للقيام بحملة بحجم الحملات الأميركية. ان رؤية ما سيكون عليه المستقبل ليست خيالاً. انه مستقبل سيشهد نهاية الحقبة الأميركية داخل أميركا نفسها. وهنا يجب التفريق بين القوى القانعة التي وصلت القمة، والقوى الناهضة التي تعمل على تغيير الأمر الواقع للحصول على الاعتراف والنفوذ فالتزامات الأولى الخارجية مدفوعة بالضرورة، بينما التزامات الثانية مدفوعة باستغلال الفرص. بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، كان يجب ان تختفي مبررات التورط الأميركي الخارجي، الا ان أميركا حافظت على التزاماتها المتعددة، بل انها وسعتها، كما هو الحال في توسيع عضوية حلف الناتو وزيادة تحالفاتها العسكرية في شرق آسيا واشتراكها في نزاعات أميركا اللاتينية. وهذه التصرفات مغايرة لمسلك القوة القانعة. والسبب في ذلك ان سياسات أميركا مازالت محكومة بقناعات الماضي ويديرها مسئولون اكتسبوا خبرتهم من سنوات الحرب الباردة ولم يرتقوا للمتغيرات الجديدة. وسوف يكون لضعف الأممية الأميركية عواقب وخيمة على عالم اعتاد على السيادة الأميركية. فالولايات المتحدة أخذت تبتعد عن البؤر الساخنة، الا أنها في الوقت ذاته ترفض العمل مع الآخرين لملء الفراغ خشية ان يؤدي ذلك الى تضاؤل نفوذها. لكن واشنطن لا تستطيع ان تكسب الدنيا والآخرة، فهي اما ان تدير العرض بمفردها، وأما ان تترك المجال للآخرين لتحمل جزءاً من العبء العالمي فتخاطر بفقدان نفوذها. يضاف الى ذلك ان الدول الأخرى، أخذت تتذمر من الأحادية الأميركية التي تعجل في عودة الانقسام والنزاعات الى العالم. واذا ما استمر هذا الحال فسوف تجد الولايات نفسها في مواجهة أوروبا وآسيا. وقد أدى انتخاب جورج بوش الى تعميق هذا التوجه الانفرادي حيث ان كبار مساعديه من تيار الصقور الذين يتجاهلون الاتفاقات الدولية واعتراضات الحلفاء، وهو نفسه قال: «لقد آن الأوان للتخلي عن المعاهدات القديمة والتركيز على حماية الشعب الأميركي». فهذه الادارة ألغت اتفاقية الحد من الصواريخ البالستية، وعارضت المحكمة الجنائية الدولية ولم تلتزم بمعاهدة الحظر الشامل للأسلحة البيولوجية وانسحبت من بروتوكول كيوتو حول سخونة الكرة الأرضية. وقد تواصلت الشيزوفرينيا الأميركية من ادارة كلينتون الى ادارة بوش. فعندما زار وزير الدفاع دونالد رامسفيلد أوروبا لأول مرة لحضور مؤتمر الأمن في ميونيخ في فبراير 2001 أظهر تجاهلاً لأوروبا ولم يأت على ذكرها، مشدداً على ان قوة الدفاع المقترحة يجب ان تقوي حلف الناتو وليس أوروبا. ولا شك ان هذه السياسة الأحادية تسمم العلاقات مع أوروبا وتنذر باستعداء الخصوم والحلفاء على حد سواء. فاذا كان العالم الذي سيأتي بعد انتهاء الحقبة الأحادية الأميركية سوف يعتمد على المشاركة وتحمل المخاطر والمسئوليات بالتساوي، فإن أميركا التي تفضل ان تعمل بمفردها تصدر المشكلات الى المستقبل. وربما تتمتع أميركا بهذا العناد وهي ما زالت متفوقة، لأن الدول الصغيرة لا تملك خياراً سوى ممارسة اللعبة حسب الشروط الأميركية. ولكن، عندما يأخذ هذا التفوق في التراجع وتبدأ مراكز القوى الأخرى في التشكل والبروز، فإن هذا النبض الانفرادي كفيل بعودة الصراع الجيو ـ سياسي العالمي. الارهاب والأممية الأميركية لقد أدت هجمات 11 سبتمبر 2001 الى قلب هذه التوجهات، حيث حشدت أميركا كل قوتها العسكرية والأمنية لملاحقة الارهاب، وأصبحت السياسة الخارجية على رأس أولوياتها. كما أدت الى اصطفاف شعبي والى اختفاء الصراعات الحزبية باسم الوحدة الوطنية. وعملت ادارة بوش على تشكيل تحالف دولي لهذه الغاية، واستجابت معظم دول العالم لهذا المسعى. وبدا ان ادارة بوش أعادت اكتشاف فوائد العمل المشترك مع الآخرين. الا ان الارهاب سوف يؤدي في المدى البعيد الى عودة التوجهات الأحادية والانعزالية التي كانت سائدة قبل هجمات 11 سبتمبر. ذلك انه على الرغم من التصريحات العلنية، الا ان الولايات المتحدة لم تكن صادقة كما يبدو على سطح الأحداث. فمن المؤكد انها رغبت في تحالف عريض قدر الامكان بما يسمح للقوات الأميركية بالوصول الى قواعد في الشرق الأوسط ويمنح الشرعية لضرب أفغانستان. لكن واشنطن لم ترحب بتقييد حريتها في المناورة في ادارة حرب التحالف، اذ أنها أرادت ضوءاً أخضر من الدول المختلفة لتقديم مساعدات محدودة، لكنها لم تشركها في المشاورات التي تعد اختباراً حقيقياً للعمل متعدد الأطراف، وحركت مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي والناتو على هواها بشكل أثار قلق أوروبا. فبينما رفع جورج بوش شعار: (اما معنا أو ضدنا) الا انه أبلغ الجميع بأنه قائد الفريق غير المنازع الذي يدير المشهد العسكري والسياسي ولا يكترث بابلاغ الحلفاء بالتطورات أو اشراكهم في المعلومات ولا يهتم بتحذيراتهم أو نصائحهم، سواء أكانوا سعوديين أم أوروبيين. كما ترتبط دوافع السلوك الانفرادي بالمنظور السياسي في الشرق الأوسط، ذلك ان محاربة الارهاب في المنطقة، تعني الضياع في متاهات الانقسامات السياسية والعرقية والدينية والقومية التي يمكن لكل منها ان توقع أي غريب في شراكها. صحيح ان معظم الدول العربية أدانت هجمات 11 سبتمبر، الا ان الشعوب انطلقت بتظاهرات معادية لأميركا في أفغانستان، باكستان، الصومال، عمان، نيجيريا، واندونيسيا. وفي هذه الأجواء، وفي ضوء المصالح الاقتصادية في الشرق الأوسط، فإن هناك أسباباً جوهرية تدعو دول المنطقة الى التروي. كما ان الخوف من عمليات انتقامية ضد الغرب واحتمال الاخلال باستقرار الأنظمة العربية المعتدلة، لا يساعد في الابقاء على تحالف ضد الارهاب. كما زادت الفجوة بين الولايات المتحدة وشركائها بعد ما صنف جورج بوش كلا من العراق وايران وكوريا الشمالية ضمن ما اسماه بمحور الشر موحياً بأنها ستكون الهدف التالي في حربه، حتى ان بريطانيا وألمانيا لم تخفيا معارضتهما لهذا التصنيف، وحذر وزير الخارجية الألماني واشنطن بالقول: (شركاء التحالف ليسوا مجرد اتباع). ومع انه من الصعب تتبع الدوافع المتشابكة التي تتدخل في قرارات الالتزامات الاستراتيجية، الا ان الأدلة لا تشير الى ان الهجمات قد تنجح في النيل من تصميم الدول في مواصلة طموحاتها العالمية. ويدعم رد الفعل الأميركي على الهجمات ضد أهداف أميركية في الخارج مقولة ان مثل هذه الهجمات سوف تؤدي الى مزيد من التقوقع بدلاً من الانخراط والحماس الوطني. ففي اكتوبر 1983 هاجم مقاتلون لبنانيون مقر المارينز في بيروت فقتلوا 241 منهم، عندها سحبت أميركا قواتها فوراً من لبنان، وقال وزير الدفاع ـ آنذاك ـ كاسبر واينبرغر ان بلاده ستتدخل عسكرياً فقط عند تهديد مصالحها الحيوية وبتصميم على النصر. وساهم اعلان هذه العقيدة في الحد من مشاركة أميركا في عمليات حفظ السلام ومناطق الصراعات. وفي عام 1993، تعرضت القوات الأميركية، الى خسائر بشرية في عمليات قتالية في الصومال ضد خصوم ارتبطوا بأسامة بن لادن، وسحبت جثث القتلى في شوارع مقاديشو أمام عدسات كاميرات التلفزيون مما كان له أثر سياسي عميق داخل الولايات المتحدة، ودفع ذلك بيل كلينتون الى سحب قواته من الصومال. واتبعت أميركا مساراً مماثلاً رداً على مهاجمة المدمرة كول في ميناء عدن في اكتوبر 2000، فتوقفت البحرية الأميركية عن استخدام هذا الميناء. وأرسلت واشنطن فريقاً من الشرطة الفيدرالية للتحقيق في الهجوم، لكنها سحبته بعد ذلك اثر انذارات باحتمال تعرضهم لاعتداء. كما انسحبت قوات أميركية كانت تشارك في مناورات مشتركة مع الأردن، وتم توجيه الأمر للسفن الحربية بمغادرة البحرين. وقال توماس فريدمان في صحيفة نيويورك تايمز: هناك اصطلاح عسكري لكل هذا هو «التراجع». وغالباً ما تكون هذه الاجراءات مجارية لقوانين العمل العسكري المرعية. فعندما يتدهور الوضع الأمني في أي بلد أجنبي تطلب الولايات المتحدة من رعاياها مغادرته، وكذلك الدبلوماسيين غير الأساسيين، وتنصب الحواجز حول سفاراتها. ان القوة العسكرية المتفوقة يمكن استخدامها من حين لآخر، كما حدث في أفغانستان، الا ان هذه القوة ستبدو عاجزة أمام عدو غير مرئي، مما يجعل من الصعب التأكد من تحقيق النصر ومن ان الصراع لن يكون طويلاً ومحبطاً. صحيح ان الولايات المتحدة كسبت الحرب ضد طالبان والقاعدة الا ان كثيراً من قيادتهما وعناصرهما استطاعوا النجاة، وهكذا أصبح النصر لا قيمة له. كما انه لا يوجد ما يؤكد بأن الأمة بأكملها ستشارك في الصراع. صحيح ان الأميركيين رفعوا الاعلام على نوافذهم، الا أنهم لم يتزاحموا في طوابير للتطوع، واضطرت شركات الطيران الى وقف كثير من رحلاتها لقلة عدد المسافرين. وبدلاً من دعوة الناس الى التوجه الى المصانع لدعم المجهود الحربي، جرى الاستغناء عن الآلاف منهم نتيجة للتباطؤ الاقتصادي الناجم عن الهجمات. وسواء شئنا أم أبينا، فإن الحرب على الارهاب سوف تؤدي الى مزيد من الانعزالية الأميركية. أممية أميركية جديدة بينما يشير الماضي والحاضر المتحول الى ان الانعزالية والانفرادية سوف تتصاعد في السنوات المقبلة، الا ان هذا لا يعني رفض الأممية الليبرالية بالكامل. ولذلك تبرز الحاجة الى معادلة جديدة تضمن مستوى من المساهمة الخارجية يجاري السياسات المحلية الجديدة. وهذا يتطلب خلطاً صحيحاً بين الواقعية والمثالية وتوازناً بين المصالح والثقافات الاقليمية وتحرير السياسة الخارجية من المماحكات الحزبية التي شوهتها منذ أيام أميركا الأولى. هناك صعوبة في تحقيق هذه المعادلة بدون بذل جهد حقيقي، ذلك ان المحافظين الجدد يؤيدون سياسة الاستخدام المنفرد للقوة العسكرية بهدف الحفاظ على الهيمنة الأميركية الى أطول وقت ممكن من خلال مقاومة بروز مراكز قوى جديدة. أما المحافظون التقليديون فيؤمنون بأن على أميركا ان تتجنب التدخل في الحروب الصغيرة وأن تركز على الدفاع الوطني وأن تبقي عيونها مفتوحة على اللاعبين الأساسيين (الاتحاد الأوروبي، روسيا والصين). ويميل الرئيس بوش شخصياً الى المحافظين حيث انه يبدي اهتماماً قليلاً بالسياسة الخارجية، وهو يتمسك بأفكار واقعية وسياسة خارجية أحادية لا تلائم العصر. كما ان طاقمه يركز على توازن القوى التقليدي: بناء قوة أميركا العسكرية التقليدية، وبناء درع الدفاع الصاروخية وتدعيم التحالفات مع أوروبا واليابان وتايوان والإعداد لصدام مع الصين. وهذا ما جعل الحرب على الارهاب في قمة لائحة الأولويات.وقد حاول بوش عدم مجاراة غرائز طاقمه وتحلّى ببعض الصبر ونفذ رداً عسكرياً حذراً. لكن سياسته الواقعية ظلت فوضوية، لأنها قد تكون مناسبة لمناطق ما زالت تحت الهيمنة الأميركية، مثل شمال شرق آسيا، الا أنها لا تناسب مناطق أخرى تشهد صعودا للتكامل، مثل أميركا اللاتينية، وجنوب شرق آسيا وأوروبا. كما ان واقعية بوش لا تلائم منطقة الشرق الأوسط التي أثبتت أنها المهدد الأكبر للأمن الأميركي حيث تسود المشاعر الشعبية المعادية، كما ان الأنظمة الرسمية أحياناً ما تقف مع أميركا وأحياناً ما تبتعد عنها. كما تحمل افريقيا مخاطر كثيرة تتمثل في الصراعات الدينية والعرقية والفقر والمرض والنزاعات الحدودية. ولذلك، فإن سياسة بوش تبدو غير واقعية لأن العالم لم يعد مستعدا لتسليم قيادته الى الولايات المتحدة... عالم يبدو ضبابياً يدفع أميركا الى الاختباء قبل ان تتعرض للمخاطر. وهناك احتمال بحدوث (بلقنة) داخل الولايات المتحدة نظراً للصراعات بين الشمال والجنوب وتزايد عدد العرقيات التي تؤثر على مسار الانتخابات والسياسات الداخلية والخارجية، مما يجعل الاصطفاف الشعبي أمراً شبه مستحيل.