الثلاثاء 15 محرم 1424 هـ الموافق 18 مارس 2003 اليهود اغتبطوا أو فرحوا في مساء أمس الاول. الرئيس بوش أعلن عن عزمه تطبيق خريطة الطرق، ومدينة القدس لم ترتبك، لا بل قام المتحدثون الرسميون ، فيها باطلاق التصريحات البهيجة: بوش لا يقصد ما يقوله، بوش يطرح شروطا مريحة بالنسبة لاسرائيل، موعد تطبيق خطة بوش سيحين فقط بعد ان تسيطر السلطة الفلسطينية على المنظمات الارهابية. كل شيء يتناسب مع روحية وصية إستر تقريبا. وهكذا سيكون اليوم الذي دبر فيه أعداء اليهود مكيدة السيطرة عليهم يوما لسيطرة اليهود على كارهيهم وأعدائهم.ردود الفعل الرسمية تعبر عن مزاج قسم من اعضاء المجلس الوزاري على الأقل. وزراء من أمثال ايفي ايتام وافيغدور ليبرمان يعتقدون ان تعيين أبو مازن رئيسا للوزراء في السلطة الفلسطينية لا يغير أي شيء في وضع الصراع القائم. تحذير ـ مناشدة بوش لياسر عرفات بأن يعطي صلاحيات لأبو مازن حتى يستطيع قيادة الفلسطينيين نحو المفاوضات مع اسرائيل ليست إلا ضريبة كلامية من وجهة نظرهم. كما انهم لا يصدقون نوايا بوش في انه ينوي حقا التركيز على الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني، كما ينكرون قدرة ورغبة أبو مازن كليا في التخلي عن العنف. والطريقة الوحيدة المجدية حسب رأيهم هي دحر العنف الفلسطيني قوة الجيش، وبهذه الروحية يتلقون القرارات التي يضطر المجلس الوزاري الأمني لاتخاذها. هذا التوجه يمثل رؤية مثيرة للغضب، وهي تقوم على ان الجمهور الاسرائيلي قد اعتاد على نصيبه الذي يمنى به يوميا من الألم والفقدان، وان هذا الجمهور قد اجتاز عتبة الانكسار. هذه الرؤية تقول ان مواطني الدولة يديرون حياتهم بصورة روتينية ويعتبرون العمليات وردود الجيش عليها ضجة بعيدة هامشية فقط. بعد عامين ونصف من الانتفاضة الدموية لم تعد مخلوقات الله في هذه البلاد تسأل نفسها «الى متى؟» وانما أصبحت مسلمة بالضريبة الدموية التي تترتب على تواصل الصراع. اعضاء هذا النهج يسقطون رؤيتهم الأساسية هذه على تقييماتهم الجارية للوضع معتقدين ان الادارة الامريكية لن تلتفت للصراع الدائر هنا في الفترة القريبة، ذلك لأن اهتمامها مركز على العراق وما سيترتب على الحرب هناك. واذا كان الفوز على صدام سريعا وحاسما فسيكون لذلك تأثير ايجابي (من وجهة النظر الاسرائيلية) على مكانة الحكام العرب الآخرين وعلى رأسهم ياسر عرفات. في هذه الحالة ستبرهن الولايات المتحدة ان من الممكن دحر الارهاب وسيكون لاسرائيل مبرر للمطالبة بهامش حركة مطلق في مواجهة الارهاب الفلسطيني. أما اذا لم يظهر النصر على الحاكم العراقي فان ذلك سبب آخر لعدم تفرغ بوش لتجفيف المستنقع الفلسطيني ـ الاسرائيلي. وفي كل الأحوال ستكون الانتخابات الرئاسية القادمة في امريكا ترسا واقيا لاسرائيل من الضغوط الامريكية بسبب اعتماده على الصوت اليهودي. لا يمكن ان نعرف الى أي حد يشارك شارون في هذه الحالة المزاجية السائدة. رئيس الوزراء صرح بأنه يقبل خريطة الطرق بصورة مبدئية الا انه طالب بادخال تسهيلات (أكثر من مائة) كثيرة عليها. كما شكل ائتلافا ترك اثنين من شركائه بوابة لأنفسهما للخروج من التحالف عندما تطرح أفكار بوش للتسوية على الطاولة وتؤدي الى اقامة دولة فلسطينية. بذلك، جعل شارون وجود حكومته قائما على فيتو حزب الاتحاد الوطني والمفدال. هذه القرارات الحاسمة تشير في الواقع الى نواياه في اذابة خريطة الطرق. فهو مرتبط من جهة برغبة بوش بصورة مطلقة. ومكانته الدولية وقدرته على أداء دوره في رئاسة الحكومة تجاه الداخل (خصوصا بسبب الحاجة الى المساعدة الاقتصادية الاميركية) مشروطة تماما برضى بوش عن مواقفه وسلوكه. تصريح بوش في يوم الجمعة يبدو مثل صرخة في رقصة تنكرية دبلوماسية، الا ان افتراض حكومة شارون بأن ذلك يعفيها من المسئولية عن إحداث تغيير جذري في وضع الصراع بروحية خريطة الطرق ما هو إلا تعزية الحمقى لأنفسهم. الضائقة الخطيرة التي يعيش فيها الشعبان هي وضع حقيقي يصرخ طالبا الحل، والاعتماد على حلول تجميلية تنكرية ما هو إلا فرار من الواقع. عن «هآرتس»