الثلاثاء 15 محرم 1424 هـ الموافق 18 مارس 2003 بلغت القضية العراقية عتبة خطيرة للغاية حيث يمكن حدوث ما لا يمكن اصلاحه فلقد ارتسمت امكانيتين متباينتين تقومان على استخدام القوة، من جانب واستخدام السياسة من الجانب الآخر والخط التقسيمي يشق طريقه بعناد سواء في مجلس الامن التابع للأمم المتحدة او حلف الناتو او في اوروبا او في الولايات المتحدة. لقد شوهد المجتمع الدولي بأسره وهو ممزق خلال هذه الرؤية لذلك من الضرورة بمكان ان نكون واضحين فالغالبية الساحقة تقف ضد الحرب على العراق وترضى بادامة مهمة المفتشين وبتحديد طبيعة الاجراءات الضرورية كي لا يظهر في مستقبل العراق اي خطر. في المقابل، وجهت الادارة الاميركية كل شيء باتجاه حل عسكري للمشكلة ولا تفكر بتحليل اي سيناريو آخر وفي الوقت نفسه فإن ما تعتبره حججاً وبراهين لا تقنع احداً. فحتى قبل انتهاء اعمال المفتشين كانت واشنطن قد اعلنت انها ترغب بحل المسألة بالقوة. فرنسا والمانيا قدمتا اقتراحات ملموسة كي يتمكن عمل المفتشين من الوصول حتى نهاياته الاخيرة والرئيس بوتين ساند هذه الاقتراحات بشكل واضح ومن جانبه، خطا العراق خطوات موفقة وقبل فكرة تحليق طائرات تجسس على ارتفاع منخفض وكذلك طلبات اخرى متعلقة بفعالية عمليات التفتيش والتحقق. لكن الزعامة السياسية للولايات المتحدة تتصرف كما لو ان شيئاً لا يهمها. والاسوأ من كل ذلك، انها لا تتوقف عن تكرار انها مستعدة للهجوم على حسابها الخاص، دون الاصغاء لأحد والجميع يفهم ما يستلزمه هذا، اذ سيؤدي قبل كل شيء الى الموت والتدمير بالنسبة للشعب العراقي لكنه سيمثل ايضاً ضربة قاسية جداً لسلطة مجلس الامن الاداة الاساسية للقرار الجماعي فيما يتعلق بقضايا الأمن. غير ان واشنطن تختار طريق الصدام فيما يخص الذين كانوا شركاءها ولا يزالون يؤكدون انهم يريدون الحفاظ على شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة. وثمة سلوك مشابه لادارة الولايات المتحدة الحالية، عصي على الفهم بالتعبيرات السياسية والعقلانية يجبر الجميع على طرح السؤال التالي: هل حقاً ان كل هذا مرتبط بالعراق؟ او ان العراق مجرد ضحية عرضية ونوع من الذريعة؟ ام ان المراد هو تجاوز الوضع الحالي عن عمد لزعزعة استقرار الوضع العالمي بهدف تثبيت نظام عالمي جديد لا ينقاد للحق بل للقوة؟ صحيح ان نظاماً عالمياً جديداً هو ضرورة ملحة للغاية، لكن الصحيح كذلك هو ان الولايات المتحدة تبدو مقتنعة بأنه ينبغي على هذا النظام ان يكون تابعاً لواشنطن حيث سيتم الاخذ بعين الاعتبار مصالح الولايات المتحدة وسيتم تجاهل مصالح كل البقية المتبقية من العالم. وهذا خطأ مزدوج، وذلك لأنه في المقام الاول ليس مقبولاً ان تقرر الولايات المتحدة على حسابها ما هي المصالح التي يجب الدفاع عنها وان تعتبر امنها الخاص كقيمة تعلو قيمة الأمن الجماعي ويكمن الخطأ الثاني في عدم قابلية هذا الموقف للحياة، ذلك ان واشنطن تستطيع حتى ان ترغب بتلك النتيجة بكل طاقتها، لكن من المستحيل ان تحصل عليها. ان نظاماً عالمياً مزعوماً من هذا القبيل لا يمكن له ان ينشأ وينمو لأن بقية العالم لن تسمح به وفي المقابل وبدون ادنى شك، ستشهد الولايات المتحدة تضاعفاً للتهديدات التي تستهدف امنها ولابد في هذا السياق من تذكير الرئيس الحالي للولايات المتحدة بالاستنتاج الذي بلغه رئيس آخر عام 1963 حين قال جون كيندي: «اذا فكر احد بأن مستقبل الكرة الارضية سوف يطلق عليه سلاماً اميركياً، فليفكر بذلك جيداً، لانه خطأ. «اما ان يكون العالم للجميع او لن يبقى على قيد الحياة». انها كلمة تنبؤية حقاً. ومع ذلك انه اكثر تواتراً سماع اشياء متناقضة بالكامل مع تلك الكلمات الحكيمة في الولايات المتحدة في الاوقات الاخيرة ألم يكن القرن العشرون هو القرن الاميركي؟ اذ القرن الواحد والعشرون سيكون كذلك ايضاً وبالتالي انا اتساءل: وهل سيبقى مكاناً للشعوب والبلدان الأخرى؟ وماذا عن مصالحهم وتطلعاتهم وخططهم ومشاريعهم الخاصة لأبنائهم واحفادهم؟ وفي اي قرن سيتعين عليهم انجازها؟ الكثيرون يدركون ذلك ولا سيما داخل الولايات المتحدة الكثيرون يفهمون ان هذه النوايا لا تطاق بكل صراحة وبلا مواربة. اذن لقول ذلك بكلمات اخرى قليلة وبسيطة: ما الذي يدفع ادارة الولايات المتحدة في هذا الاتجاه؟ من واجبي القول انه بالنسبة لي، يعز علي ان اطرح ارضاً فكرة انه يجب البحث عن الاسباب ليس في العراق، بل في الوضع المتأزم الصعب الذي تمر به الولايات المتحدة. وأنا لا ابتغي بذلك رسم مشاهد مرعبة، لكن في الوقت نفسه لا يمكن التخلي عن الشعور بالقلق حيال الجميع، بما فيهم الاميركيين انفسهم، فهناك انشطار كبير للعالم يلوح في الافق يمكنه ان يؤدي الى دمار جميع المؤسسات الموجودة الخاصة بالتعاون العالمي. لكن لن يكون هناك تغيير بالاتجاه اذا لم تبدأ عملية تأمل في الولايات المتحدة حول نموذج التطور الاقتصادي والاجتماعي الذي اختارته واذا لم يتوفر جهد كبير للنظر الى المستقبل بواقعية اكبر بكلمات اخرى ان بريسترويكا عميقة هي ضرورة بالنسبة للولايات المتحدة الاميركية. ترجمة: باسل أبو حمدة عن: «كلارين» ـ الارجنتين