الثلاثاء 15 محرم 1424 هـ الموافق 18 مارس 2003 «الصدمة والرعب» هو اسم الحرب التي يخطط لها البنتاغون في العراق، الحرب الخاطفة، غير أن التاريخ العسكري يذكرنا دوماً بأنه ليس هناك خطة عسكرية تبقى على حالها، حيث الاصطدام مع العدو. وإذا ما كتب لهذه الخطة النجاح في غضون «ستة ايام او ستة اسابيع، لكن اشك في أن تطول ستة شهور» كما توقع وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد، فلن تكون الخطة وحدها هي التي تضمن النصر، بل ايضا وبقدر الأهمية ذاتها، الآلة العسكرية التي تنفذها. كلنا نعرف ان الآلة العسكرية الأميركية ضخمة ومكلفة ومتطورة تقنيا وتخشى الخسائر البشرية. والسؤال الآن هو فيما إذا كان العسكريون سينفذون تلك الحرب الجريئة والسريعة والمصممة التي وضع المخططون تفاصيلها على الورق. هناك نوعان من الأجوبة على هذا السؤال. الأول يتضمن قائمة مضنية من الأرقام والاحصائيات ـ 200 الف جندي ربما مسلحين بأحدث الاسلحة. في مواجهتهم يقف جيش عراقي مهلهل من 350 ألف جندي مسلحين بعتاد عسكري متهالك ومقدرة كيماوية أو جرثومية لم تجد إنموفيك لها أثراً منذ اصدار القرار 1441 في نوفمبر الماضي، غير ان الادارة الأميركية تعبر عن قلقها من هذه الاسلحة لدرجة تهديد الضباط العراقيين بمحاكمتهم كمجرمي حرب اذا استخدموها وربما حتى الانتقام باستخدام اسلحة نووية. ربما كان كتاب «الوجه الجديد للحرب» الذي وضعه مؤخراً الخبير العسكري والاستخباري الأميركي بروس بيركوتيز أفضل ما يقدم لنا شرحاً لما يعطي القوات المسلحة الأميركية هذه المقدرة التدميرية الهائلة. الاجابة التي يقدمها بيركوتيز هي كلمة واحدة: «المعلومات»، والتي يعني بها المعلومات الرقمية الدقيقة والفورية وسهلة التوزيع والتي تمضي الى الكمبيوتر ويمكن استخدامها لاكتشاف الأهداف العسكرية ومهاجمتها بدقة فائقة وبزمن شبه آني. فالآلة العسكرية التي سحقت الجيش العراقي في قصف جوي استمر 43 يوما وهجوم بري على مدى ثلاثة ايام، اصبحت الآن اصغر واذكى واسرع وأحدث وأكثر فتكاً، فيما القوات العراقية تضاءلت الى ثلث ما كانت عليه عام 1991. والتهديد العراقي الأخير بمواجهة القوات الأميركية بعمليات انتحارية هو اعتراف ضمني أنه ليس لديهم أمل كبير في إبداء مقاومة ذات شأن، دع عنك النصر. وتبقى القائمة الضخمة من العتاد الحديث و«الامكانيات» هي الجزء الأسهل في وصفه مما يشتريه الأميركيون في ميزانيتهم العسكرية الأكبر في العالم 379 مليار دولار الموازنة العسكرية التي طلبها بوش للسنة المالية المقبلة.غير ان الجزء الأصعب في وصفه هو نوعية المؤسسة العسكرية الأميركية: ما هو شكل الأميركيين الذين يختارون العسكرية حياتا لهم؟ كيف هو تدريبهم؟ هل تتوفر لهم الدوافع والمبادرة؟ هل هم مستعدون نفسياً؟ هل تتوفر لهم قيادة عسكرية جيدة؟ هل يثقون ببعضهم؟ هل تؤمن المؤسسة العسكرية بالواجب الذي أوكل إليها ـ «المهمة» باللغة العسكرية؟ الحرب هي الاختبار الجوهري للاجابة عن هذه الاسئلة، لكن إن لم تكن الحرب فإن الطريقة الأفضل لفعل ذلك هي مراقبة العسكريين والتحدث إليهم والترحال معهم والعيش بينهم. هذا المنهج البحثي هو الذي اتبعته دانا بريست مراسلة واشنطن بوست على مدى أربع سنوات، تتضمن مدة متواصلة لمدة 18 شهرا قضتها مع هيئة اركان القيادة الأوروبية للقوات الأميركية وهي التي ادارت الحرب في كوسوفو ثم مع هيئة اركان القيادة المركزية للقوات الأميركية المسئولة حاليا عن ترتيب التحضيرات لغزو العراق. في كتابها الجديد «المهمة»، الذي يعتبر من الكتب القليلة التي تحلت بحيوية السرد وغزارة المعلومات والذكاء في الطرح، تقدم بريست وصفاً للمؤسسة العسكرية الأميركية، ولا اعتقد ان هناك كتابا تميز ايضا في صحة توقيت نشره مثله. تشكل تجارب بريست خلال معايشتها للجنود الأميركيين صلب «المهمة»، غير ان موضوعه الحقيقي المهم الذي يجد انعكاسة في العنوان الذي اختارته له، هو تحليلها لميل الزعماد الأميركيين المتزايد نحو الاعتماد على القوة العسكرية لتحقيق أهداف سياسية. ان معظم الكتب التي وضعت عن العسكرية الأميركية تركز على المباديء الحربية والعتاد والأعداد وغير ذلك. وبريست تلتفت بين الحين والآخر نحو هذا الاتجاه: في الهوامش حول الحرب الجوية في افغانستان على سبيل المثال حيث تتحدث عن «أوامر المهمات الجوية» و«قطاعات القتل» و«الأهداف الناشئة» وغيرها من مصطلحات الحرب الأميركية عالية التقنية. لكن ما يستحوذ على الاهتمام الأكبر هو ثقافة العسكرية الأميركية وكيف تنظر الى العالم وما يأمله السياسيون الأميركيون من استخدامها لتحقيقه. وتصل لنتيجة مفادها أن آمال القادة الأميركيين السياسيين من مؤسستهم العسكرية اصبحت اكثر طموحاً بشكل متصاعد. وعلى سبيل المثال فقد اعطى الرئيس جورج بوش الأب العسكريين موقع «الريادة الوحيد» في الحرب على المخدرات. كما كان الرئيس بيل كلينتون مستعداً لاستخدام القوة العسكرية لأهداف سياسية. ووزيرة خارجيته مادلين أولبرايت ارادت استخدام القوات البرية الاميركية في حرب البوسنة غير ان الجنرال كولن باول الذي كان حينها رئيس هيئة الاركان العامة المشتركة كان يعارض هذا بشدة. وذات مرة سألته اولبرايت: «ما المغزى إذن من امتلاك كل هذه القوة العسكرية الضخمة إذا كنت تقول دوماً إننا لا نستطيع استخدامها؟ «السياسة الجبرية» هي ما كانت تكنه اولبرايت في ذهنها. غير ان وزير الدفاع حينها وليام بيري مضى بهذه الفكرة شوطاً آخر حيث اعتقد ان من الممكن استخدام العسكرية بهدف «تشكيل» العالم ودفعه في الاتجاهات التي تريد له اميركا ان يتحرك باتجاهها. استراتيجية الأمن القومي الرسمية في عهد كلينتون اعطت هيئة الاركان العامة المشتركة للقوات المسلحة صلاحيات واسعة لكنها ضبابية وهي التي تطورت لتصبح مفهوم «الاشتباك» الراهن ـ القيام باتصالات ودية مع الحكومات الأجنبية ومؤسساتها العسكرية على مختلف المستويات في ظل برامج عديدة منفصلة لدرجة جعلت من الصعب على المرء تحديد أين تنتهي المساعدات والتدريب وتبدأ المسئولية الاخلاقية الأميركية. تقول بريست ان آليات «حفظ السلام» التي درب الأميركيون العسكريين القرغيز عليها أواخر التسعينيات كانت فعلاً «وصفاً تجميلياً لتكتيكات فتك» يمكن استخدامها لسحق المعارضة الديمقراطية والمقاتلين على السواء. وفي بحثها هذا عرفت بريست شيئين اثنين: إن هيئات الاركان للقيادات العسكرية الأميركية حول العالم هم شخصيات تتمتع بسلطات استثنائية في كل المنطقة التي يديرونها وهم أكثر نفوذاً حتى من سفراء الولايات المتحدة في دول تلك المنطقة، الشيء الثاني هو أن «المهمة» المطلوبة من العسكرية الأميركية قد توسعت الى حد كبير في العقد او العقدين الماضيين. أن «الحكومة الاميركية قد اصبحت على نحو متزايد أكثر اعتماداً على عسكريتها في تنفيذ سياساتها الخارجية». وتقول: كان التحول كبيراً وغير ملحوظ وجرى بحكم الأمر الواقع.. العسكرية ببساطة لم تفعل سوى ملء الفراغ الذي خلفه البيت الابيض المتردد ووزارة الخارجية المترهلة والكونغرس اللاهي. حينما بدأت بريست ترحالها مع العسكر، كانت تضخم المهمة مجرد حقيقة مثيرة للاهتمام: إذا ارادت الولايات المتحدة فعل شيء في الخارج سواء كان توزيع المعونات الغذائية في الصومال او وقف المذابح العرقية في كوسوفو او القضاء على تجار المخدرات في كولومبيا، فإنها كانت تطلب من عسكرها ان يقوموا بالواجب. غير ان الاعتماد الأميركي على العسكر بعد 11 سبتمبر بدأ فوراً يشكل رد فعل إدارة بوش على التحدي الذي واجهها به الإرهاب. وهنا لا تحاول بريست أن تحدد أيهما أتى أولا: التفضيل العضوي الضمني للحلول العسكرية أم اللجوء العملي للوسائل العسكرية التي تمثل وسيلة جاهزة لاستخدامها. لكن النتيجة كما تقول هي حرب شاملة على الارهاب و«مهمة» تعكس نتائجها المحتملة نقاط قوة وضعف الجهاز العسكري الذي اختير لتنفيذها. منذ عام 1980 أصبحت المؤسسة العسكرية الأميركية موزعة على قيادات، وهي حاليا عشر قيادات: خمس قيادات وظيفية مثل النقل والأسلحة الاستراتيجية وخمس قيادات اقليمية. يتحدث معظم «المهمة» حول الوقت الذي امضته بريست مع وحدات القيادة الأوروبية في يوغسلافيا السابقة ومع الجنرال انطوني زيني خلال سنواته الثلاث 1998 ـ 2001 التي امضاها رئيسا لهيئة اركان القيادة المركزية والتي تغطي نشاطاتها الشرق الأوسط والقرن الأفريقي وجنوب ووسط آسيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي الخمس السابقة في وسط آسيا وهو ما يجعل القيادة المركزية ذات أهمية خاصة باعتبارها المسئولة عن التعامل مع «التهديد الإسلامي». ويشغل زيني حاليا وظيفة غير نشطة وهي مبعوث الرئيس بوش للعملية السلمية بين الاسرائيليين والفلسطينيين، لكنه حين كان رئيساً لهيئة اركان القيادة المركزية كانت صلاحياته لا يدانيها إلا صلاحيات زعماء الدول في المنطقة. وقد سافر زيني خلال منصبه ذاك خمس عشرة مرة، الى المملكة العربية السعودية وحدها حيث تعلم هناك أن يحب ثقافة البلاد وعائلتها المالكة. تصف بريست في أحد فصول كتابها زيارة وفد من مجلس الشيوخ الأميركي أخذهم زيني للتعرف على وزير الدفاع السعودي الأمير سلطان بن عبدالعزيز. لم يكن الأمير مرتاحاً لكل اولئك الغرباء ولهذا نادى على زيني الذي كان جالساً في آخر القاعة وأفسح له مكاناً بجانبه وأمسك بيده على الطريقة العربية والودية طوال الاجتماع. وتقول بريست بعد عامين من التدقيق في مثل هذه التفاصيل التي قد يمر عليها مرور الكرام، أن زيني وهو الرجل واسع الاطلاع قد استنتج انه قد اصبح والياً رومانيا معاصراً وسليل احد اولئك الحكام العسكريين الذين كانوا يحكمون جزءاً من الامبراطورية الرومانية ويكتسبون شرعيتهم من روما ويأتون معهم بمبادئها. يوليوس قيصر أو قيصر اغسطس: لابد انهم فهموا ذلك. غير ان مواطنيه لم يفهموه لكن على الرغم من أنه يجسد القوة الأميركية، وكان يحظى بالاحترام وفقاً لذلك، لم يكن زيني في جانب منه شبيهاً بالحكام الرومان العسكريين. فأولئك الحكام العسكريون كانوا يحصلون من روما على صلاحيات وسلطات استثنائية، فيما كان زيني يبقى تحت سيطرة محكمة من جانب البيت الأبيض في عهد كلينتون بخصوص كل القضايا المهمة القاضية باستخدام القوة العسكرية لأهداف سياسية ولم يكن يستطيع فعل شيء بدون موافقة واشنطن. زيني أحب وفهم العرب وتعامل معهم مع أنه في بعض الاحيان تذمر من حذرهم وتحفظهم، وعلى سبيل المثال وصف محاولاته اقناع زعماء الخليج العربي بالموافقة على ترتيبات الدفاع المشترك بأنها «أشبه بمشاهدة الدهان وهو يجف» وتقول بريست ان ما كان أكثر احباطاً لزيني هو رفض واشنطن للاعتراف بما يقف وراء «العداء المتزايد لأميركا» فيما يسميه «الشارع العربي». وتقول انها تحدثت عن هذه النقطة كثيراً مع زيني. «يلوم زيني واشنطن لعدم رغبتها في التوصل إلى سلام دائم بين اسرائيل والفلسطينيين. وقد اشتكى مراراً وتكراراً من عدم فعل واشنطن ما يكفي لحل هذه المشكلة. فواشنطن تتمتع بنفوذ كبير لم تلجأ ابداً لمحاولة ممارسته: معونات اقتصادية سنوية غير طبيعية لاسرائيل تبلغ 3 مليارات دولار تقريباً الى جانب ملايين من الدولارات انفقتها على مشاريع التنمية في الضفة الغربية وقطاع غزة. وفيما رفضت واشنطن سلوك هذا السبيل، كانت تريد دوماً أن تتحدى العراق بوسائل صغيرة، ففي أواخر 1997 على سبيل المثال، أرادت إدارة كلينتون من الطيارين الذين يراقبون منطقتي حظر الطيران فوق العراق أن يكونوا أكثر هجومية وأن يكثروا من استخدام السلاح وإطلاق النيران لاثبات ان اميركا مصممة على مواصلة احتواء العراق. أحس زيني ان هذا ليس اجراء عقابياً يفكر به اعوان كلينتون إنما مجرد استعراض للعضلات لأهداف دعائية. ما كان من زيني إلا أن اعترض، فقد رأى هذا العمل مجرد استفزاز للنمر في قنصه بعصا، كما انه اثار مخاوف قادة الخليج. فهؤلاء يريدون معرفة ما إذا كانت واشنطن جادة أم لا. قال زيني في نفسه: «بالتأكيد نحن لسنا جادين، كل ما نريد فعله هو الخروج إلى الأجواء العراقية واسقاط القنابل لاستفزاز العراقيين واغضابهم، وهذا لن يؤثر على بقاء صدام حسين في السلطة أبداً.. لكن الغريب نوعا ما كما تقول بريست هو ان زيني كان عليه في كل مرة تريد الولايات المتحدة فيها توجيه ضربة مسموعة للآخرين ضد العراق، أن «يذهب الى كل دولة لضمان حصوله على حقوق استخدام القواعد الجوية والمجال الجوي للطائرات الأميركية» وزيني لا يلوم السعوديين على حذرهم هذا، كما ان الهدف منه لم يكن ضمان سلامة الطيارين الأميركيين لئلا تتعرض الادارة الأميركية للاحراج أمام مواطنيها، فقد كان مستعداً لملء الأجواء العراقية بالطائرات لو كان هذا ما أرادته الحكومة الأميركية فعلاً، ولا يحتاج لفعل هذا إلا لاستلام أوامر خطية من واشنطن. لكن هذا بالطبع لم يكن ما يريد أي كان في البيت الأبيض فعله.وفيما ينتظر العالم حرباً أميركية في العراق كان السؤال الذي يدور حتى 11 فبراير الماضي هو من الذي سيحكم العراق بعد توقف القتال؟ يومها أتت الاجابة على لسان المتحدثين باسم وزارتي الدفاع والخارجية وهو أن الولايات المتحدة نفسها هي من سيحكم العراق. وتبين ان مكتب الاعمار والمساعدة الإنسانية في البنتاغون الذي اسسه الرئيس الأميركي يوم 20 يناير الماضي سيبدأ بعد الحرب تفكيك تسلح العراق وضمان حدوده مع ايران والحفاظ على وحدة اراضيه وتأهيل اقتصاده والقضاء على حزب البعث وكتابة دستور جديد للبلاد وتأهيل القطاع النفطي.مارك غروسمان وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشئون السياسية وبضغوط من الكونغرس اعترف بأن مهمات بناء الدولة التي سيقوم بها هذا المكتب قد تستغرق سنتين لانهائها بعد الحرب: سنتان قبل تسليم قيادة العراق لحكومة عراقية جديدة. هاتان السنتان تخبران بالكثير مما نريد أن نعرفه. الحكومات العربية التي تساير الخطط الأميركية على مضض تريد كلها ان تكون الفترة الانتقالية تحت الادارة الأميركية هادئة وسريعة. والعاهل الأردني على سبيل المثال يأمل بأسبوع حرب يتلوها انسحاب أميركي لا يتجاوز ثلاثة اشهر. لكن السنتين قد تمتدا بسهولة الى عشر. فأميركا لن تغادر قبل ان تطمئن بأن كل شيء على مايرام. البداية بنزع السلاح والنهاية بتفتيش ونسخ وأخذ أي ملف تجده. فالإدارة الأميركية تريد ان تثبت للعالم أن مخاوفها لم تكن مفتعلة وتريد لهذا أن تعرف أدق تفاصيل كل مشايرع التسلح العراقي. وطبعاً ملفات ووثائق مشاريع التسلح وكل من شارك فيها من العالم لن تكون الهدف الوحيد. يقول دوغلاس فيث وكيل وزارة الدفاع للشئون السياسية: «الادارة تريد الاستفادة من كل المعلومات التي لدى أجهزة الاستخبارات العراقية عن الشبكات الارهابية» وهنا يشير فيث للمعلومات التي جمعتها المخابرات العراقية وبمعنى آخر: الملفات. فالجائزة الاستخبارية الكبرى التي يحصل عليها المنتصرون في الحروب تظهر حين يقوم أولئك الذين جمعوا هذه الملفات بتسليمها له واخباره بالتفصيل أين يوجد كل شيء. وحكومة صدام حسين شأن كل الحكومات البوليسية تجمع كل معلومة تتوفر لها عن الحركات السياسية أو الجماعات الإرهابية أو تجار السلاح او المصرفيين او رجال الأعمال او القادة المنافسين منذ تسلم صدام حسين السلطة عام 1968. وهذا الكنز الاستخباري الذي سيكشف الكثير عن العوالم السوداء في سياسات المنطقة سيكون من أوائل أهداف الأميركيين. والسيطرة على العراق بهذا الشكل تتطلب وجوداً عسكرياً كبيراً، أي قاعدة عسكرية. ومع ان السعوديين حسبما ذكر البعض سيطلبون من العسكر الأميركيين الرحيل عن اراضيهم بعد الحرب، فهذا لن يكون بمشكلة لأن بغداد المهزومة ستوفر بديلاً شبيها بغوانتانامو. وهذه القاعدة الدائمة يفترض أن تجعل من الواضح لدول المنطقة وخصوصاً ايران ان واشنطن تنتظر منهم نهاية برامجهم العسكرية او دعمهم لمنظمات مثل حزب الله وحماس. وتكفي نظرة على الخريطة لمعرفة ما يفترض بنا أن نتوقعه بعدالحرب وخلال الاحتلال. فإلى الشرق وعلى امتداد حدودي يبلغ 730 ميلاً توجد ايران الاضخم مساحة وسكاناً والتي تعيش مع واشنطن عداء يمتد 25 عاماً. العام الماضي وضع الرئيس الأميركي ايران في محور الشر وكرر اتهاماته لها بمحاولة صنع قنبلة نووية بفضل برنامجها النووي الاضخم والانجح مما كان عليه البرنامج العراقي. ومع ان الولايات المتحدة لا تقيم علاقات دبلوماسية مع ايران فقد اتفقت سراً على الحرب المقبلة: ايران وعدت بعدم التدخل في الحرب وان تتعاون مع قضية اللاجئين، لكن هذا التفاهم يقتصر على هذين الأمرين. إذن كيف سيواجه المسلمون احتلالا اميريكيا للعراق تتلوه ازمة مشابهة مع ايران؟ هذا ما نجده في كتاب ديليب هيرو الجديد «حرب بلا نهاية»، وهو الكتاب الذي نشر قبل سنوات واعيد تنقيحه وطبعه مؤخراً ويدور حول ظهور الاصولية الإسلامية وتنامي ظاهرة العنف. يضع هيرو في كتابه تاريخاً مفصلاً للتطورات ليبني منها صورة تدريجيا للزمن والشعوب والأماكن ومنطق الأحداث. يعتقد هيرو ان ظاهرة الارهاب الاسلامي ظهرت في اللحظة التي انشق فيها انور السادات عن الصف العربي الداعم للفلسطينيين ووقع اتفاقية سلام منفصلة مع اسرائيل. ويقول: «بعد ربع قرن على المعاهدة لايزال السلام بارداً بين اسرائيل ومصر ولم يصل حتى لمستوى العلاقات الاكاديمية والفكرية. ويعتقد هيرو ان «الرفض الأميركي المتواصل للاعتراف بالعلاقة التي تربط سياساتها، سواء في باكستان او القاهرة اوغزة، بالارهاب وبين تظلمات الشعوب والعنف الذي تولده هو الذي سيجعل الولايات المتحدة تخوض حرباً بلانهاية».ان الشيء المثير في هذه الأزمة هوالدرجة التي تتطور فيها النظريات والافكار حول اشياء يمكن ان تحدث فالولايات المتحدة لم تتمكن من تقديم دليل على علاقة العراق بالقاعدة او بهجمات 11 سبتمبر. ورغم كل الاتهامات، توصل المفتشون بعد ثلاثة شهور من العمليات المكثفة الى انه ليس هناك دليل على وجود أسلحة دمار شامل. ومع ذلك، بدلا من دعم عمليات التفتيش وتوسيعها نجد إدارة بوش تخطط لحرب تهدف على الاقل للاطاحة بحكومتين شرعيتين وتأمل بتغيير المشهد السياسي في الشرق الاوسط بأكمله عبر ديمقراطية محببة للغرب. الأهداف بحد ذاتها قد تكون مقبولة، لكن الاستعداد حتى للذهاب الى الحرب من اجل تحقيقها هو الشيء غير المعتاد. تقول بريست في «المهمة» ان هذه النظرية نتاج عديدين احدهم هو دونالد رامسفيلد. فقد أتى لوزارة الدفاع وهو يريد قوات مسلحة جديدة، لكن ليس على مستوى العتاد فحسب، وإنما اراد تفكيراً جديداً بخصوص اميركا والعالم بعد الحرب الباردة حيث اصبحت واشنطن القوى العظمى الوحيدة. تمضي بريست لتقول ان رامسفيلد طلباً للعون في تعزيز تفكيره الجديد هذا، طلب من مكتبه رعاية دراسة حول تاريخ الامبراطوريات العظيمة التي شهدها العالم، والامبراطورية هذه كلمة اصبحت تتردد مؤخراً على ألسنة المسئولين في واشنطن. ومع أن كل قصص الامبراطوريات هذه كانت ذات نهايات حزينة، فإن ما كان يشد تركيز رامسفيلد ودراسته ليس النهايات، إنما كيف كانت الامبراطوريات تعزز سلطتها. لغة الدراسة تتسم بالتجريد المتطرف وتحفل بالمصطلحات العسكرية. «المتوازنة» و«غير المتوازنة» هما كلمتان محوريتان في الدراسة. وهذا المقطع من الدراسة يساعد في ادراك عقلية البيت الابيض الذي يعلق آماله على الحرب. «إن العقيدة العسكرية والقوات العسكرية يتم تشكيلها وفق صورة الاقتصادات التي تفرخها. والقوات المسلحة، على الرغم من انها متعددة الاهداف بطبيعتها، إنما تتشكل حول نواة من التهديدات التي صممت لمواجهتها. ان الحروب اللامتوازنة قد اثمرت تاريخيا نتائج حاسمة، أما الحروب المتوازنة فهي مرهقة لمن يخوضها. الحرب المتوازنة المرهقة نجدها مثلا في الحرب العالمية الأولى حيث الجيوش الضخمة والمتقاربة في الحجم ظلت تتحارب حتى ينهار احد جانبيها. الحرب اللامتوازنة نجدها مثلا في مواجهات الجيش البريطاني وقبائل الزولو او الجيش الأميركي والهنود الحمر في داكوتا. وتعني «النتائج الحاسمة» تسوية خلاف نهائيا وللأبد وهو ما يأمل رامسفيلد ورئيسه بوش فعله مع تهديد الارهاب المزود بسلاح تدمير شامل توفر الدول المارقة عليها. والقوة العسكرية الأميركية الهائلة مقارنة بالعراقية الهزيلة هي ما تجعل هذه الحرب لا متوازنة وما تسمح بالتوصل لنتيجة حاسمة. لكن القضاء على حكومة صدام حسين لن يعطي نتيجة حاسمة لأن هناك دولة «مارقة» أخرى تحاول انتاج اسلحة دمار شامل في الشرق الاوسط. وبالتالي فإن النظرية تقول ان كلا الدولتين معنيتان وأن الرئيس بوش يفكر بالشيء نفسه للأخرى إذا صدقنا كلامه: العراق أولا وايران ثانيا. ترجمة : جلال الخليل عن « نيويوركر »