الثلاثاء 15 محرم 1424 هـ الموافق 18 مارس 2003 أثار كتاب «نهاية الحقبة الأميركية» نقاشاً عاصفاً في الأروقة الفكرية والسياسية والاستراتيجية والمهتمة بالمستقبليات، وهو علم في غاية الأهمية في الغرب في هذه الحقبة التاريخية. ويشدد تشارلز كينشان مؤلف الكتاب على مجموعة مهمة من الأفكار الجديرة بالتأمل، حيث يرى أن الولايات المتحدة لا تملك استراتيجية كبرى، وهي قوة تائهة ومتخبطة وسياساتها متناقضة وإدارة بوش تمادت في سياستها الانعزالية والانفرادية. وأن القطبية الأميركية لن تدوم طويلاً، وحتمية التاريخ تقضي بعودة الصراع الدولي. ان القول بأن أوروبا آخذة في الصعود القطبي وأن هذا الصعود سوف يسارع في نهاية القطبية الأميركية الأحادية مبني على فرضيتين مغايرتين للقناعات التقليدية. تتعلق الفرضية الأولى بالمسارات التي يحدث من خلالها توزيع القوة الكونية، اذ يرى معظم الباحثين ان النسب غير المتكافئة للنمو الاقتصادي هي المحرك الرئيسي للتغيير العالمي حيث تنتقل مراكز الاختراع والانتاج من منطقة الى أخرى مما يمهد لبروز لاعب جديد يتغلب على مهيمن متعب. إلا ان هذه الفرضية تفشل في تحديد المصدر الرئيسي للتغيير في عالم اليوم. فأوروبا سوف تلحق بالولايات المتحدة ليس بسبب القاعدة الاقتصادية والتكنولوجية المتفوقة، ولكن لأنها تتحد في كتلة تتمتع بمصادر وقدرات فكرية ضخمة تجعل الاتحاد الأوروبي يقترب من تغيير المشهد الكوني.أما الفرضية الثانية فتتعلق بآثار صعود أوروبا على علاقاتها بأميركا. ويجمع معظم الباحثين وصنّاع القرار السياسي على ان الوفاق بين ديمقراطيات أوروبا حقيقة لا جدال فيها، لأنه ينبثق من التاريخ والمبادئ المشتركة. ولذلك، فليس هناك من شك في حدوث طلاق بين أوروبا والولايات المتحدة. ويأخذ هذا الكتاب مساراً مختلفاً. فخلال الحرب الباردة شكلت أوروبا والولايات المتحدة قطبا واحدا ـ الغرب، ولا شك ان المبادئ المشتركة ساهمت في تقوية هذا التجمع السياسي. لكن أوروبا وأميركا حافظتا على علاقات صداقة في العقود الخمسة الماضية لسبب بسيط هو ان أوروبا لم تملك خيارات خاصة بها، فكانت بحاجة الى أميركا لمواجهة الاتحاد السوفييتي، وظلّت تابعة لها. أما الآن، وبينما الفروقات بين الجانبين آخذة في التقلص فان أحداً لا يضمن استمرار هذا التناغم الى الأبد، وسوف ينشأ تنافس بين أميركا الشمالية وأوروبا على المكانة والثروة والقوة، وهذا أمر ظل، وسوف يظل، ملازماً للتجربة الانسانية. قبل الخوض في بروز أوروبا كقوة موازية لأميركا، دعونا نلقي نظرة على التاريخ لتسليط الضوء على الآثار العميقة لعملية الاندماج على ميزان القوى، كما حدث في اعادة توحيد ألمانيا في القرن التاسع عشر. فعندما ضم الكونت اوتو فون بسمارك معظم الأراضي الناطقة بالألمانية في وسط أوروبا في دولة واحدة، حققت ألمانيا الجديدة عدة عقود من النمو الاقتصادي الكبير وتبع ذلك نمو في قوتها العسكرية وتطلعاتها السياسية. وأدى هذا التوحيد الى تغيير خارطة أوروبا الجيو ـ سياسية مدشنة عصراً جديداً من المنافسة التي سادت العالم. والآن، تنخرط أوروبا في عملية اندماج وتكتل سوف يكون لها بالنتيجة آثار عميقة. ولتوضح نتائج انقسام قطب واحد الى قطبين متنافسين، لنأخذ مثال الامبراطورية الرومانية. ففي القرن الثالث قرر الامبراطور ديوسليشان تقسيم الامبراطورية الى مملكتين لتسهيل الادارة والدفاع، فظلت روما عاصمة الجزء الغربي، بينما أصبحت القسطنطينية ـ بيزنطة سابقاً ـ عاصمة للجزء الشرقي. ومع ان هذا التقسيم الاداري دعم الحكم الامبراطوري، الا ان روما والقسطنطينية أخذتا تتصارعان على قضايا الأمن والمركز والدين رغم الثقافة والموروث المشترك، فحل التنافس الجيو ـ سياسي مكان القانون والنظام. الماضي لقد أدى توحيد ألمانيا في عام 1871 الى جمع مقاطعات واقطاعيات كانت في صراع لعقود طويلة، لكن النمسا، أكبر كيان سياسي ناطق بالألمانية، ظلت خارج هذا التجمع الجديد. ولم يكن ذلك مجرد مصادفة، لأن بروسيا والنمسا كانتا تتنافسان منذ أمد طويل. الا ان هذا التوحيد، حتى بدون النمسا، غيّر من خارطة أوروبا الجيو ـ سياسية، حيث تمكنت بروسيا من الانتصار في ثلاث حروب ضد الدنمارك في عام 1864، وضد النمسا في عام 1866 وضد فرنسا في عام 1870 ـ 1871. وكان توحيد ألمانيا ضربة مباشرة قوية لفرنسا التي تعرضت للهزيمة والاذلال، ونذير شؤم قرب من نهاية هيمنة بريطانيا وافشل استراتيجيتها الكبرى المبنية على التفوق البحري وتجنب الالتزامات العسكرية الرئيسية في أوروبا. لكن بريطانيا لم تهيمن على أوروبا مثلما فعلت روما، ويعود ذلك الى ذكاء استراتيجيتها الكبرى حيث كانت تتدخل عند الضرورة للحفاظ على استقرار ميزان القوى، وكانت متحررة للتركيز على تطوير امبراطوريتها الخارجية وحمايتها. لكن الأمر تغير بعد توحيد ألمانيا. فقد تم اعلان وحدة الرايخ الألماني في احتفال مهيب في فرساي في 18 يناير 1871 برئاسة القيصر ويلهيلم الأول. والتقطت بريطانيا الرسالة. فبعد ثلاثة أسابيع من هذه الوحدة، أبلغ زعيم حزب المحافظين بنيامين دزرائيلي، الذي أصبح رئيس وزراء فيما بعد، مجلس العموم ان توحيد ألمانيا: (يمثل ثورة سياسية أعظم من الثورة الفرنسية في القرن الماضي، ونهاية كاملة لميزان القوى). وكانت توقعات دزرائيلي بنهاية الهيمنة البريطانية صحيحة. فبعد ثلاثة عقود من توحيد ألمانيا حقق اقتصادها نمواً مضطرداً، وفتحت الاختراعات التكنولوجية الباب أمام الصناعات الثقيلة وتفوقت على بريطانيا في الانتاج الصناعي مثل الفولاذ والحديد، وبرزت نخبة صناعية ومالية تتمتع بنفوذ كبير. وكان هذا الاندماج بين (الحديد والرايخ) قاعدة بسمارك السياسية التي ساعدته في مواجهة قوة الطبقة العاملة المتزايدة. ونظراً لحنكة بسمارك السياسية، فان انجازات ألمانيا الاقتصادية لم تحدث خللاً في توازن أوروبا الجيو ـ سياسي حيث تجنب أية زيادة سريعة أو كبيرة في بناء البحرية أو الجيش. ومع ان رجال الأعمال كانوا يلحون عليه للاستيلاء على مناطق خارجية، الا أنه عارض امتلاك المستعمرات خشية اثارة بريطانيا وفرنسا، ووقع اتفاقات وتحالفات جعلت من ألمانيا قطب أوروبا السياسي ووسع من نفوذها الى أبعد مدى، لكنه ظل مستعداً لكبح الجماح قبل ان تؤدي طموحات ألمانيا الى اثارة تنافس استراتيجي. بعد عام 1890 ، حكم ألمانيا أشخاص أقل كفاءة واجهتهم تحديات سياسية أكبر من الداخل حيث كان الحزب الاجتماعي الديمقراطي يزداد قوة والتحالف بين النخبة الاقتصادية والحكم يتفكك، وكان ان لجأ القيصر الأهوج ويلهيلم الثاني، بتأييد من وزير خارجيته برهارد فون بلو، الذي أصبح مستشاراً فيما بعد، والادميرال الفريد تيربتز الى تبني سياسة قومية للحفاظ على وحدة ألمانيا بدعوى أنها تستحق مركزاً دولياً يتناسب وقوتها الاقتصادية.لكن ألمانيا لم تستطع تحقيق هذا الهدف الا بعد امتلاك الأدوات الضرورية، ومنها أسطول لأعالي البحار. ورحب الصناعيون بهذا المشروع الذي أنعش مصانع الحديد وأحواض بناء السفن، بينما جرى تحييد الحزب الاجتماعي الديمقراطي عبر شعار العزة الوطنية. الا ان الاستغلال الحاذق للسياسة الخارجية كأداة للسياسات الداخلية، جاء على حساب ثمن البناء العسكري الألماني الذي أصبح أمراً لا يمكن وقفه. ولم يتمكن تحالف روسيا وفرنسا وبريطانيا من ثني برلين عن محاولة الهيمنة على أوروبا. ورغم التقارير الاستخبارية بأن ألمانيا لا تستطيع مواجهة هذه الترويكا، الا ان القيصر ومستشاريه واصلوا الانجراف باتجاه الحرب. وأدت هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى الى استعادة مؤقتة للتوازن الأوروبي، فمعاهدة فرساي فرضت تعويضات مؤلمة على ألمانيا ونزعت سلاح منطقة الراين وحددت حجم الجيش الألماني، لكن ادولف هتلر تسلم المستشارية في عام 1933 فنقضت ألمانيا التزاماتها الدولية وبدأت محاولة جديدة للهيمنة واقتربت من السيطرة على جيرانها في الغرب والشرق. ولولا مغالاة هتلر وقراره في فتح جبهة ثانية ضد روسيا في عام 1941 والذي أدى الى الضغط على مصادر ألمانيا، ورغبة أميركا في المساعدة بوقف آلة الحرب النازية، لاستطاعت ألمانيا فرض سيطرتها على أوروبا الغربية والوسطى. وبعد حربين، لم يكن جيران ألمانيا ليسمحوا للتاريخ بأن يعيد نفسه. فمع نهاية الحرب العالمية الثانية، احتل الحلفاء ألمانيا وقسموها لضمان ألا تؤدي قوتها الموحدة الى الحرب مرة أخرى، فانضم الجزء الغربي الى حلف الناتو والشرقي الى حلف وارسو. لكن الحلفاء ما لبثوا أن سمحوا لألمانيا الغربية بالتسلح وببناء اقتصادها لمواجهة التهديد السوفييتي. غير ان عودة ألمانيا كانت مسموحة فقط ضمن مفهوم الناتو والمجموعة الأوروبية. وعندما أثار انهيار جدار برلين احتمال اعادة توحيد ألمانيا، شعرت معظم الدول الأوروبية بالرعب من هذا الاحتمال. لكن هذا الخوف لم يمنع عودة ألمانيا الموحدة، الا أنه لم يخلق خطوط صراع جيو ـ سياسية، كما في الماضي، فدخلت ألمانيا في مشروع التكامل الأوروبي الذي وفر البديل للتنافس المدمر الذي ظل لقرون نتاج التعددية القطبية الأوروبية. ففرنسا وألمانيا بدلاً من الصراع على السيادة أنشأتا علاقة وثيقة وأصبحتا بمثابة ملجأ لأوروبا. كما أصبحت بروكسل العاصمة الجماعية في خطوة رمزية وعملية لتقلص سلطة الحكومات الوطنية المنفردة. وقد تحلقت دول أوروبا الصغيرة حول هذا الهدف مشتركة في شبكة سياسية واقتصادية واجتماعية، بينما تنتظر الديمقراطيات الجديدة الانضمام لهذا النادي. ومن خلال الاتحاد الأوروبي، وجدت أوروبا أخيراً طريقاً لاحتواء ألمانيا بشكل سلمي. لكن ما هو مناسب لأوروبا، قد لا يناسب المناطق الأخرى بالضرورة، لأن الارادة الجماعية والسلطة المركزية، تشجع الاستقرار الداخلي، لكنها أيضاً تشجع الأطماع الخارجية. صحيح ان أوروبا ربما استطاعت حل المسألة الألمانية، الا انها يمكن ان تبرز كمجموعة قاهرة على خارطة العالم الجيو ـ سياسية ، الجديدة. إن هذه الاضاءات التاريخية تحمل في طياتها انذارات حول نهاية لحظة القطبية الأميركية وحول نتائجها المحتملة. فالاتحاد الأوروبي آخذ في الصعود وفي الوقت نفسه يقسم المعسكر الغربي الى نصفين أميركي وأوروبي، ومن الطبيعي ان يستنتج البعض ان العلاقة بين أميركا وأوروبا التي دامت خمسة عقود سوف تظل سمناً على عسل الى الأبد.والآن، وحيث اقترب هذا المعسكر من الانقسام فانه سيواجه نهاية الامبراطورية الرومانية نفسها وينذر بالمخاطر والتباغض. الاندماج الأوروبي يجمع معظم المراقبين على ان السيادة الأميركية ستظل طاغية. وقد يكون ذلك صحيحاً باعتبارات الاقتصاد والقوة العسكرية والمخزون الفكري والثقافي. لكن أفضل هؤلاء المراقبين يفكر بطريقة تقليدية، فهم ينظرون فقط الى المنافسة الآتية من الدول المنفردة، ولذلك يفشلون في رؤية أوروبا الموحدة كقوة منافسة للولايات المتحدة، مع ان الشواهد ظاهرة أمامهم. صحيح ان الاتحاد الأوروبي ليس اتحاداً فيدرالياً مثل الولايات المتحدة، لكنه بالتأكيد ليس تجمعاً مشتتاً، وعلى أميركا ان تنظر الى هذا الكيان الجديد بجدية اذا كانت تريد رسم خريطتها الجديدة للعالم، لأن تكامل أوروبا هو أهم حدث جيو ـ سياسي في القرن العشرين، وربما أهم من انشاء الاتحاد الفيدرالي الأميركي.لكن معظم الأميركيين يحاولون التقليل من الأهمية الجيو ـ سياسية للاتحاد الأوروبي. ويمكن فهم سوء القراءة هذه لأن معظم نشاطات الاتحاد الأوروبية اقتصادية بالأساس، وهي أكثر تركيزاً من النشاطات الدفاعية، رغم المحاولات العديدة بهذا الخصوص، مثل معاهدة بروكسل (1948) والمجموعة الدفاعية الأوروبية (1952) واتحاد غرب أوروبا (1954). وبدلاً من ذلك لجأت أوروبا الى حلف الناتو والولايات المتحدة لمواجهة القوة السوفييتية.ان رؤية أوروبا من هذه الزاوية هي رؤية بعيدة عن الهدف الا اذا وضعناها ضمن المنظور التاريخي. فالولايات المتحدة ابتدأت كاتحاد فيدرالي بين 13 مستعمرة، ثم أصبحت اتحاداً كونفدرالياً في عام 1781م واتحاداً فيدرالياً منذ عام 1789م، الا ان العقود الأولى تركزت أساساً على التكامل الاقتصادي، وظل التكامل العسكري متأخراً. ومع ان مسيرة الاتحاد تعرضت الى نكسات، لكنها لا تدعو للقلق حول قدرة أوروبا في مواجهة التحديات المنتظرة ولعب دور فاعل على المسرح الدولي.فالاتحاد الأوروبي يمثل حالياً تحديا للنفوذ الأميركي. فمع ان ميزانية الدفاع المشترك أقل من الميزانية الأميركية، الا ان عدد جنود أوروبا أكبر من عدد الأميركيين، وسوف تشهد السنوات اللاحقة تصاعداً في قوتها العسكرية. وفي جانب آخر، بدأت أوروبا في استعراض عضلاتها الدبلوماسية بشكل غير مسبوق. فقد اختلفت مع الولايات المتحدة في الأزمة مع كوريا الشمالية ومع كوسوفو ومقدونيا. وفي عام 2002 أصبح الاتحاد الأوروبي أكثر انخراطاً في الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي الذي ظل لعقود حكراً على الدبلوماسية الأميركية. ومن الطريف ان أميركا هي احدى محركات عودة أوروبا الى الساحة الجيو ـ سياسية . فالسبب في ضعف وفوضى أوروبا بخصوص القضايا الدفاعية يعود الى سنوات الارتخاء والاعتماد على الولايات المتحدة في ضمان أمنها. فقد أدى فرض المظلة الاستراتيجية الأميركية على أوروبا الى الحفاظ على السلام خلال الحرب الباردة ومكنها من تركيز طاقاتها على التكامل الاقتصادي والسياسي. وكانت أميركا توفر لأوروبا الوقت الذي تحتاجه لتحقيق الوحدة، وتحولت الحاجة الاستراتيجية مع مرور الزمن الى اتكالية غير ضرورية، فتحررت من رغبة أميركا لتظل حامية لأوروبا. ولذلك، فان صفقة الحرب الباردة بين الجانبين تقترب من نهايتها، ويجب ان تنتهي لأن هذه الحرب قد انتهت والدول الأوروبية في سلام مع بعضها البعض، وقد كان موقف الكونغرس الأميركي سليماً في دعوة أوروبا الى تحمل جزء أكبر من العبء الدفاعي، وهذا ما دفعها الى مضاعفة الجهود لاعداد سياسة دفاعية مشتركة بعد نهاية حرب الناتو في كوسوفو خشية ان لا تشارك أميركا مرة أخرى في أية حرب على الساحة الأوروبية. من روما الى واشنطن ان التشابه بين عالم اليوم وعالم الامبراطورية الرومانية يبدو مدهشاً الى حد كبير. وتتمتع واشنطن اليوم، مثل روما الأمس، بالصدارة، لكنها بدأت تشعر بالاعياء من عبء الهيمنة وأخذت قوتها ونفوذها يضمحل من الأعماق. أما أوروبا اليوم، فهي مثل بيزنطة الأمس، آخذة في الصعود كمركز قوة مستقل. ويبدو من السابق لأوانه الحكم بأن واشنطن وبروكسل سوف تنحدران الى طريق الصراع نفسه الذي سلكته روما والقسطنطينية، لكن هناك شواهد على هذا الاحتمال.فالولايات المتحدة تشعر بضغط متزايد من اليورو ومن قوة الاقتصاد والشركات الأوروبية المتنامية. ولا تزال طموحات أوروبا الجيو ـ سياسية محدودة، الا ان الريح تهب على الشراع. ومع ان الولايات المتحدة طلبت من أوروبا فعل المزيد بخصوص الدفاع، الا ان واشنطن ليست سعيدة لافساح المجال لأوروبا أكثر استقلالاً وحضوراً. واذا كان التاريخ دليلاً، فان هذا التنافس قد يتحول الى صراع أكثر خطورة، لكنه قد لا يتحول الى مواجهة شبيهة بصراع روما وبيزنطة، وقد لا تشكل أوروبا تحدياً عسكرياً للولايات المتحدة على المدى المنظور. الا أنه كلما ازدادت ثروة أوروبا وقدراتها الاقتصادية ووضعها الجماعي، كلما ازدادت شهيتها لمزيد من التأثير الدولي. وقد أعرب بعض قادة أوروبا عن تذمرهم من قوة أميركا وتجبرها. فوزير الخارجية الفرنسي هيوبرت فيدرين قال في عام 1999: (لا يمكن ان نقبل بعالم أحادي القطبية وبقوة أميركية متفردة)، وفي أعقاب دعوة بوش لتوسيع حربه ضد الارهاب لتشمل العراق وايران وكوريا الشمالية، دعا فيدرين أوروبا لمواجهة الولايات المتحدة التي تتصرف بشكل منفرد دون استشارة الآخرين وتبني قراراتها بناء على نظرتها للعالم ومصالحها الذاتية.وأدت هجمات 11 سبتمبر الى تعقيد الجو السياسي في الشرق الأوسط مما فتح احتمالات صدام المصالح بين الولايات المتحدة وأوروبا. كما اتخذ الجانبان مواقف مغايرة من عملية السلام العربي ـ الاسرائيلي، فقد انتقد القادة الأوروبيون صراحة دعم ادارة بوش لسياسة اسرائيل ضد السلطة الفلسطينية مع تصاعد العنف في عامي 2001 و 2002.ولنا ان نتصور كيف يمكن ان يتطور الجدل حول الدرع الصاروخية في السنوات القليلة المقبلة. فهذا المشروع الذي سيغطي الأرض والبحر والجو والمجال الخارجي لا يحظى بتأييد أوروبا مما يفتح احتمال شقاق كبير وبث أجواء من عدم الثقة بين الجانبين. وهناك احتمال آخر بحدوث تنافس شديد بين الولايات المتحدة وأوروبا على التجارة والمال، مما سيؤدي الى تسييس هذا التنافس، كما حدث عندما فرضت الولايات المتحدة تعرفة جديدة على واردات الفولاذ الأوروبية في مارس 2002، مما أثار غضب أوروبا من هذه الاجراءات الحمائية التي رأت فيها تهديدا لنظام التجارة العالمي، فردت بحظر استيراد الأغذية الأميركية المحسنة وراثياً مما سيكلف الشركات الأميركية أربعة بلايين دولار سنوياً. وسوف يؤدي اعتماد اليورو إلى نزاعات بين الجانبين حول ادارة النظام المالي العالمي والمصالح المتضاربة مما سيوجه ضربة قاصمة للمنظمات الدولية. وعندما تقاوم أوروبا قيادة أميركا، بدلاً من دعمها، فسوف تصاب هذه المنظمات بالجمود. ففي مايو 2001، صوتت دول الاتحاد الأوروبي لصالح طرد الولايات المتحدة من لجنة الأمم المتحدة لحقوق الانسان احتجاجاً على عقوبة الاعدام والتفرد الأميركي. وفي اليوم نفسه فقدت الولايات المتحدة مقعدها في المجلس الاقتصادي والاجتماعي للمنظمة الدولية. كما دار خلاف بين الجانبين على انشاء المحكمة الجنائية الدولية نظرا لاعتراض الولايات المتحدة عليها. فعندما أعلنت المحكمة في الأول من يوليو 2001 هددت أميركا بسحب طواقمها من فريق الأمم المتحدة في البوسنة ما لم تمنح المحكمة القوات الأميركية حصانة بعدم الظهور أمام هذه المحكمة. وبعد انسحاب أميركا من بروتوكول كيوتو حول البيئة انضمت دول الاتحاد الأوروبي الى اليابان و150 دولة أخرى لاقرار الاتفاقية حول تسخن الكون في يونيو 2001. وباختصار، فان عالماً لم تعد فيه الولايات المتحدة وأوروبا تعملان معا هو عالم يعرض عمل المؤسسات الدولية للخطر. وربما يلقى الماضي الروماني الضوء الأخير على الحاضر. فمع ان بيزنطة كانت الخصم الرئيسي لروما، الا ان ظهور قوى غير أوروبية هو الذي أدى بالنتيجة الى انهيار الامبراطورية الرومانية والبيزنطية، ذلك ان امتلاك العالم الاسلامي للثروة والقوة العسكرية أدى الى حرمان الامبراطورية البيزنطية من مصدر القمح الرئيسي في الشرق الأوسط، بعد ان حطمت الجيوش العثمانية أسوار القسطنطينية ووصلت الى أبواب فيينا. وبطريقة مماثلة، فان صعود آسيا سوف يسبب على المدى البعيد متاعب للغرب أكبر من متاعب عودة التنافس بين أوروبا وأميركا الشمالية . لكن هذا الكتاب يركز أساساً على بروز أوروبا لأن أهميتها الجيو ـ سياسية جرى اهمالها الى حد كبير، ولأن أوروبا، وليس آسيا، هي المتحدي في المستقبل القريب لسيادة أميركا. لكن الهجوم الآسيوي ليس بعيداً. فمع العقد الثالث من هذا القرن سوف تبرز الصين كواحدة من أقوى دول العالم. ما لم تتغير السياسات الداخلية الأميركية بشكل جذري فسوف تجد واشنطن نفسها ليس فقط أمام مجرد قطب آخر، وانما أمام عدو أيديولوجي رئيسي قد يؤدي الخلاف معه حول تايوان أو شبه القارة الكورية الى نزاع مسلح. أما اليابان فسوف تتغلب على مشكلاتها الاقتصادية وستبرز كلاعب كوني، الا انها ستحافظ على تحالفها مع الولايات المتحدة. لكن هناك شواهد على ظهور تغيرات مقلقة. فمنذ توليه لرئاسة الوزراء في ابريل 2001، أظهر جونيشيرو كونيزومي مواقف قومية حيث اقترح تعديلات دستورية لالغاء القيود المفروضة على القدرات العسكرية.ثم انه اختار السياسية الشعبية ماليكو تاناكا كوزيرة للخارجية، والتي تعمدت عدم الالتقاء بمسئولين أميركيين زاروا طوكيو. ومن غير المحتمل ان تغير اليابان مسارها في المستقبل القريب وأن تتصرف ضد الولايات المتحدة. الا ان شبح آسيا الصاعدة يلوح في الأفق البعيد فالظروف غير المأمونة المحيطة بكوريا الشمالية ومصير اندونيسيا سوف تضع أميركا وأوروبا أمام تحديات استراتيجية جديدة. الحرب وانطلاقة أميركا في 26 يونيو 1945، ألقى الرئيس هاري ترومان الخطاب الختامي للمؤتمر الذي أعد ميثاق الأمم المتحدة، وفيه قال ان هذا الميثاق قد حقق حلم السياسي العظيم قبل جيل مضى ـ وودرو ويلسون. (ولو أننا حصلنا على هذا الميثاق قبل سنوات مضت كان من الممكن انقاذ حياة الملايين من البشر). ومع ان الولايات المتحدة لم تدخل الحرب بشكل رسمي الا بعد مهاجمة بيرل هاربر، الا ان روزفلت اتخذ خطوات لمساعدة الحلفاء قبل عام 1941. ففي نوفمبر 1939 ألغى الحظر المفروض على تصدير السلاح للأطراف المتصارعة، وبخاصة الى فرنسا وبريطانيا شريطة نقله على سفنهما. وفي أغسطس 1940 سمح لبريطانيا بشراء مدمرات أميركية قديمة. وبالمقابل سمحت بريطانيا لأميركا باستخدام قواعدها في غرب الأطلسي بناء على عقود تأجير. وفي الوقت ذاته كان مسئولون من الجانبين يبحثون الخطط الحربية، ثم أمرت الأساطيل الأميركية بحماية الحركة الملاحية في المحيط الأطلسي، وبتحديد مواقع السفن الألمانية وابلاغ ذلك للبريطانيين.وفي يناير 1942 وقعت الولايات المتحدة اعلان الأمم المتحدة مع بريطانيا والاتحاد السوفييتي والصين و22 دولة أخرى مشاركة في الحرب ضد دول المحور، وتعهدت بالتضامن حتى هزيمة العدو. وقد اختار روزفلت وتشرشل الاشارة الى المعاهدة باعلان الأمم المتحدة بدلاً من التحالف لتلافي المعارضة من الانعزاليين داخل الكونغرس. ولكن، من المهم ان نتذكر الدور المهم الذي لعبه التهديد الخارجي في تشكيل الأممية الليبرالية التي سادت في العقود الستة الماضية. لقد ظلت الولايات المتحدة مراقباً استراتيجياً خلال الثلاثينيات وهي ترى ألمانيا واليابان تتسلحان وتمارسان العدوان، ولم تحركها الحرب التي انفجرت في أوروبا الا بعد الهجوم الياباني المباغت على بيرل هاربر، الذي استغله روزفلت لاتخاذ خطوات سريعة لهزيمة دول المحور وايجاد آلية للحفاظ على السلام. وربما ظلت أميركا في قوقعتها المريحة لولا تهديد ألمانيا واليابان بالسيطرة على العالم الصناعي.ورغم مساهمة أميركا في جهود الحرب وانضمامها الحماسي الى الأمم المتحدة، الا أنه من غير الواضح ما اذا كان بالامكان الحفاظ على التوجه الأممي لولا ظهور التهديد الجديد من الاتحاد السوفييتي . فقد ظهرت شواهد على بداية التراجع بعد نهاية الحرب مباشرة عندما انخفض الانفاق الدفاعي من 81 بليون دولار الى 13 بليونا فقط، كما انخفض عدد الجنود من 1,12 مليون جندي الى مليون وستمئة ألف فقط، وقد واجه الرئيس ترومان متاعب في اقناع الكونغرس لاقرار مساعدة خارجية للحلفاء الذين يجاهدون لاعادة بناء اقتصادهم. وعندما تبين ان الاتحاد السوفييتي أصبح العدو الجديد للولايات المتحدة، لم تجد الادارة صعوبة في حشد الدعم لاحتواء الشيوعية، واقرار المساعدات الاقتصادية واعادة التسلح وتشكيل شبكة تحالفات. وقد نجحت قيادته في تأجيج العواطف المعادية للشيوعية ووفرت غطاء للسيناتور جوزيف مكارثي (لتنظيف البلاد من المتورطين في نشاطات غير أميركية).كما ساعد انتصار الشيوعيين في الصين عام 1949 والتجربة الذرية السوفييتية الناجحة في العام ذاته في الحفاظ على التأييد الشعبي لانخراط أميركا في الشأن العالمي. الا ان حرب فيتنام أحدثت شرخاً في هذا الاصطفاف، وجعلت الشعب الأميركي يتساءل عن جدوى هذا الانخراط مما أدى الى اضعاف الأممية التي تجذرت مع بداية الحرب الباردة. في عام 1964 وافق 18 بالمئة من الشعب الأميركي فقط على ان الولايات المتحدة يجب ان تهتم بشأنها العالمي وتترك الآخرين يتدبرون أمورهم بأنفسهم. وفي عام 1974 ارتفعت هذه النسبة الى 41 بالمئة. وفي هذه الأجواء السياسية قرر الرئيس ريتشارد نيكسون اتباع سياسة وفاق مع الاتحاد السوفييتي وانشاء علاقات مع الصين بهدف تخفيف أعباء الالتزامات الخارجية وجعل الحلفاء الاقليميين يعتمدون على أنفسهم في مواجهة النزاعات المحلية. الا ان المعارضة الشعبية لحرب فيتنام التي ساهمت في هذه المرونة الدبلوماسية لم تهدم أسس الأممية الأميركية نظراً لانقسام المعسكرين الشرقي والغربي والغزو السوفييتي لأفغانستان في عام 1979 والحاجة الى احتواء انتشار الشيوعية . والآن، وبعد انتهاء الحرب الباردة، واختفاء الاتحاد السوفييتي وانحسار الشيوعية في دول قليلة تكافح من أجل البقاء، يتوجب على أميركا اعداد أممية جديدة تلائم العالم الجديد. ففي أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001 على نيويورك وواشنطن، سارع كثير من المراقبين الى القول بأن هذه الهجمات سوف تكون بمثابة بيرل هاربر القرن الواحد والعشرين، حيث ان المعركة ضد الارهاب توفر أرضية جديدة للأممية الأميركية. لكن الشواهد تشير الى عكس ذلك. ان الحرب ضد الارهاب سوف تكون طويلة وشاقة. فمع ان الحرب العلنية والخفية قد نجحت ضد طالبان وتنظيم القاعدة في أفغانستان، الا ان التطبيق المباشر للقوة المتفوقة سوف لن يكون ممكناً على الدوام، وليس هناك ما يضمن نجاحها. يضاف الى ذلك ان الحماس الوطني الأميركي يتحول تدريجياً الى لامبالاة، كما ان أميركا تقوم بالمهمة منفردة متخطية المنظمات الدولية التي جاهدت لانشائها بعد الحرب العالمية الثانية. واذا ما استمر ضرب المصالح الأميركية في الداخل والخارج فسوف تتصاعد الأصوات المطالبة بالانكفاء . وضمن هذا المنظور تبدو أهمية تأثير ماضي أميركا على مستقبلها.