الاثنين 14 محرم 1424 هـ الموافق 17 مارس 2003 جادل دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الاميركي مؤخراً بأنه يجب السماح مجدداً لقواته المسلحة باستخدام اسلحة كيماوية معينة في العراق ـ ليس من أطنان غازات الاعصاب الفتاكة كالسارين والتابون، التي تملكها الولايات المتحدة ، او في مخزونها من غاز الخردل الذي يتسبب في اصابات شديدة وقاتلة احياناً، كلا فما يريده رامسفيلد هو الاستفادة من مخزون الولايات المتحدة من المواد الكيماوية «غير القاتلة» لاسيما تلك المستخدمة لمكافحة اعمال الشغب. وتتسبب تلك المواد الفعالة بعجز جسدي مؤقت على الاغلب لكنها يمكن ان تصبح قاتلة اذا استخدمت في اماكن ضيقة.ما يقترحه رامسفيلد هو امر غير شرعي. فالقوانين ذات الصلة بهذا الموضوع حددها ميثاق الاسلحة الكيماوية الذي اصبح قانوناً دولياً في عام 1997. ويحرم هذا القانون على الجيوش المتحاربة استخدام «اي مادة كيماوية تؤثر على العمليات الحيوية بطريقة يمكن ان تتسبب بالموت او العجز المؤقت او ان تسبب اضراراً مستديمة للبشر او الحيوانات». وقد وقعت الولايات المتحدة مع 140 بلداً آخر بمن فيهم بريطانيا، على هذه المعاهدة وتعهدت بدعمها. وخلال شهادته امام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الاميركي الشهر الماضي، اشار رامسفيلد إلى ميثاق الاسلحة الكيماوية باعتباره «قيداً» يضيق الخيارات الاميركية في الحرب. ويدعي رامسفيلد انه يجب منح القوات الاميركية المسلحة خيار استخدام المواد الكيماوية غير القاتلة في حالات المواجهة التي يتواجد فيها مدنيون مما يستلزم محاولة تفادي الخسائر في الارواح. واعطى رامسفيلد مثالين على ذلك. الاول عند «نقل اشخاص خطرين في حيز ضيق» مثل الطائرة. والثاني عندما تحتجز «نساء واطفال» مع عناصر معادية «بداخل كهف». مثل هذه الممارسات محرمة بالقانون الدولي. فميثاق الاسلحة الكيماوية يحظر بشكل واضح استخدام المواد الكيماوية المستعملة في مكافحة الشغب الا لاغراض استخدامات الشرطة المحلية. وبموجب بنود الميثاق فإن هذه المواد الكيماوية وغيرها يمكن ان تستخدم لعمليات حفظ الامن الداخلي، اذا كانت قوانين البلد تسمح بذلك. ويشمل هذا الاستثناء تلك العمليات البوليسية فقط، ولا ينطبق على اي صراع مسلح خارجي. ومن السذاجة بمكان المجادلة بأن الصراع المحتمل في العراق سيكون مجرد عملية بوليسية. وعلى اي حال فإن رغبة رامسفيلد في حماية المدنيين بعيدة كل البعد عن الواقع. ففي الاماكن الضيقة ـ مثل الطائرات او الكهوف ـ ليس هناك من طريقة لضمان تعرض المدنيين لمستويات منخفضة من المواد الكيماوية. وبطبيعة الحال فإن تعرضهم لمستويات عالية سوف يودي بحياتهم. وثمة فئة اخرى من الكيماويات ربما يفكر رامسفيلد باستخدامها ايضاً وهي ما يسمى بـ «المهدئات» او المسكنات. ويندرج تحت هذا التصنيف عدد كبير جداً من المواد الكيماوية القائمة على مواد معروفة تستخدم لتهدئة المريض النفسي أو علاج الاكتئاب أو تلطيف الألم. ومن غير المعروف بالضبط ما هي طبيعة المسكنات التي تملكها الولايات المتحدة. وهنا ايضاً توجد مخاطر جمة، لاسيما في الحرب. فحصار دار اوبرا موسكو مؤخراً انهى باستخدام غاز مهديء ومرر إلى داخل المبنى عبر نظام التكييف الهوائي. وقيل ان القوات الخاصة الروسية استخدمت مركباً يحتوي على الافيون مشتقاً من مادة الفنتانيل الكيماوية التي تستخدم عادة في العمليات الجراحية. لكن كما نعلم جميعاً الآن. فإن عملية انهاء احتجاز الرهائن بهذه الطريقة كلفت باهظاً، واوقعت اكثر 120 قتيلاً. ومازال هناك خلاف حول اسباب موت هذا العدد الكبير من المحتجزين. لكن الامر المؤكد ان الكثيرين من هؤلاء تعرضوا إلى تركيزات قاتلة من الكيماويات. ففي حين ان المهدئات الكيماوية فعالة في التركيزات غير القاتلة، فمن الصعوبة بمكان ضمان تعرض جميع المتجزين لتلك التركيزات فقط. ولضمان «تهدئة» الاشخاص الموجودين في وسط حجرة كبيرة، لابد من تعرض اولئك الموجودين على الاطراف او قرب فتحات التهوية لمستويات قاتلة من العامل الكيماوي. ولذلك فإن وقوع وفيات امر محتوم، واذا لم تكن فرق الطواريء مجهزة للتفاعل الفوري مع تأثيرات الكيماويات فإن عدد القتلى سوف يرتفع. ومن الواضح ان عملية انهاء حصار مسرح موسكو تقدم مثالاً على كل تلك المشكلات. وفي الحرب يكون الوضع أسوأ بطبيعة الحال. فضمان تعرض الناس لمستويات منخفضة من الكيماويات امر بغاية الصعوبة، كما ان الامل ضئيل إلى ابعد الحدود في تأمين المساعدة الطبية الطارئة في الوقت المناسب.ان الغاية من ميثاق الاسلحة الكيماوية هي ان يكون قيداً. وبنوده التي تم تعديلها وتنقيحها على مدار 30 عاماً في المفاوضات موجودة لكبح جماح الاطراف المقتتلة في الحرب. يوجد، او ينبغي ان يوجد، اقرار متبادل باهمية الالتزام بقواعد سلوكية واخلاقية معينة، مثل قبول استسلام العدو وحماية السجناء والمدنيين. وقوانين ميثاق الاسلحة النووية ما هي الا محاولة «لتهذيب الحرب، اذا امكن ذلك ولحماية غير المقاتلين. وهذه الفئة اكثر عرضة وتأثراً بعوامل الحرب الكيماوية لانهم دائماً على الارجح غير محصنين بوسائل الحماية منها. والمفارقة الكبيرة في كل هذا هي انه في حال نجح رامسفيلد في اقناع بوش باجازة استخدام المواد الكيماوية غير القاتلة فان العراق سيكون مخولا للرد بالطرق ذاتها بموجب بروتوكول جنيف الذي اقر عام 1925، هذا البروتوكول ـ الذي وقع عليه كل من العراق والولايات المتحدة ـ يحرم الاستخدام الاول للاسلحة الكيماوية في الحرب، واذا ـ كما هو مرجح ـ تمخض استخدام الكيماويات عن خسائر في الارواح فان العراق قد يجد مسوغا للجوء الى استخدام الاسلحة الكيماوية القاتلة التي يقول الامريكيون انها موجودة في ترسانته. وفي وطيس المعركة سيكون من الصعب على القوات العراقية معرفة ان ما يستخدم ضدهم هو فقط مواد كيماوية غير قاتلة ولذلك ممن الممكن جدا انهم ربما يلجأون الى استخدام اي نوع من الاسلحة الكيماوية التي بحوذتهم، اذا كان بحوزتهم اي منها. اذا لجأت الولايات المتحدة الى استخدام الاسلحة الكيماوية غير القاتلة، فانها بذلك سوف تقوض معاهدة الاسلحة الكيماوية، وهذه المعاهدة الفتية يستشهد بها عالميا باعتبارها نموذجا للقوانين الدولية التي ستستفيد منها البشرية جمعاء لان بعض اعضاء الادارة الاميركية الحالية يعترضون على القيود التي يفرضها الميثاق على قواتهم المسلحة فان مصير هذه المعاهدة قد يؤول الى الانهيار. ترجمة: علي محمد عن« غارديان»