الاثنين 14 محرم 1424 هـ الموافق 17 مارس 2003 أثار كتاب «نهاية الحقبة الأميركية» نقاشاً عاصفاً في الأروقة الفكرية والسياسية والاستراتيجية والمهتمة بالمستقبليات، وهو علم في غاية الأهمية في الغرب في هذه الحقبة التاريخية. ويشدد تشارلز كينشان مؤلف الكتاب على مجموعة مهمة من الأفكار الجديرة بالتأمل، حيث يرى أن الولايات المتحدة لا تملك استراتيجية كبرى، وهي قوة تائهة ومتخبطة وسياساتها متناقضة وإدارة بوش تمادت في سياستها الانعزالية والانفرادية. وأن القطبية الأميركية لن تدوم طويلاً، وحتمية التاريخ تقضي بعودة الصراع الدولي. كان الكساد الكبير في العشرينيات نقطة تحول لأميركا وللعالم، حيث عاش الأميركيون فترة تقشف لم تكن تخطر ببالهم، وأدى انهيار سوق وول ستريت إلى صدمة في أوروبا وآسيا حيث كان يضرب اقتصاد بلد بعد آخر، وتهاوت التجارة العالمية والعملات إلى حد كبير. ولعبت الهزة الاجتماعية الناجمة عن هذا الكساد دوراً كبيراً في العسكرة والقومية في ألمانيا واليابان اللتين أدت شهوتهما العدوانية إلى حرب كونية. وربما لن تمر أميركا بتجربة انهيار سوق الأسهم في عام 1929، كما أن الاقتصاد العالمي اليوم أكثر مرونة وتحملاً من فترة الثلاثينيات مما يجعله قادراً على مواجهة الظروف الصعبة. إلا أن نظرة على الكساد الكبير تلقى الضوء على الحاضر وتوضح كيف أن صعود السوق الاستثنائي في التسعينيات يماثل فترة الانتعاش في العشرينيات، وكيف يؤدي التغير الاقتصادي السريع إلى نتائج سياسية غير متوقعة، وكيف أن العولمة يمكن أن تكون واسطة نقل خطيرة لنشر التنوع الاقتصادي. كما تكشف أيضاً هشاشة الديمقراطية والأخطار الناشبة عن تصادم الديمقراطية مع القومية. الماضي (لم يحدث أن اجتمع الكونغرس لبحث حال الاتحاد في وقت أكثر مدعاة للسعادة مما هو عليه الآن ففي المجال المحلي يسود الهدوء والقناعة نتيجة لسنوات الازدهار الطويلة. وفي المجال الخارجي يعم السلام والنوايا الحسنة المرافقة للتفاهم المشترك). ربما تلائم هذه الكلمات خطاب بيل كلينتون الثامن حول حالة الاتحاد، لكنها ليست كلماته، لأن الذي قالها هو الرئيس كالفين كوليدج في الرابع من سبتمبر 1928 ، الذي لم يكن يعلم بأن الأشهر القليلة اللاحقة سوف تحمل معها انهيار سوق الأسهم وتدفع بأميركا والعالم إلى هاوية كساد كبير. في بداية 1928 كانت أميركا في وضع قوي داخلياً وخارجياً، وهذا ما دفع كوليدج إلى التفاؤل. فالاقتصاد الأميركي كان يمر خلال عامين بطفرة كبيرة بعدما وصل الإنتاج الزراعي والصناعي إلى أعلى المستويات، كما كانت مداخيل الشركات في تصاعد دفعها إلى الاستثمار في سوق السندات، وارتفعت أسعار الأسهم بشكل دراماتيكي خلال عامي 1927 و 1928. واستمرت هذه الأيام السعيدة حتى عام 1929. ونظرا لإغواء الأرباح الخيالية، قام المستثمرون بالاقتراض للمشاركة في المضاربات، ووصلت قروض المضاربين في صيف عام 1929 إلى 400 مليون دولار في الشهر وبلغت سبعة بلايين دولار في الخريف، بارتفاع سبعة أضعاف عن بداية العشرينيات. وأدى الطلب على الأموال إلى رفع نسبة الفائدة مما جذب مزيداً من رأس المال العالمي إلى نيويورك التي اضطرت بنوكها تحت ضغط القروض إلى الاستدانة من بنك الاحتياط الفيدرالي بفائدة خمسة بالمئة حتى تستطيع إقراض هذه الأموال لمشتري الأسهم بفائدة 12 بالمئة. ومع ارتفاع الأسهم إلى مستويات أعلى من قيمتها، بدأ مجلس الاحتياط الفيدرالي يشعر بالقلق فأنذر البنوك التجارية بوقف الاقتراض من الاحتياط الفيدرالي لغايات قروض المضاربة أو الحفاظ على القروض القديمة. وأدى هذا إلى توتر السوق فتوقف بشكل مؤقت ارتفاعه الذي بدأ في ربيع عام 1929، في اكتوبر تحولت الثقة إلى رعب نتيجة لسحب رأس المال الأجنبي وتشديد القيود على سوق الإقراض ومطالبات تسديد القروض. في صبيحة يوم الاثنين 28 اكتوبر شهد السوق عملية بيع غير مسيطر عليها، ولم يتدخل المصرفيون، وتسارعت عملية البيع في اليوم التالي وانخفضت قيمة الأسهم إلى أقل من دولار واحد، فأخذ السوق ينهار مثل بيت من ورق. ونتيجة لوقف الاقتراض توقف 1352 بنكاً عن العمل في عام 1930 وحده، وخفضت الشركات إنتاجها واستغنت عن ملايين العمال، وأصبح ربع السكان بدون دخل ثابت، وانخفض الناتج القومي بحوالي الثلث. واستمر الحال إلى عام 1941 عندما عاد الناتج القومي إلى مستويات العشرينيات. ومع أن الولايات المتحدة كانت أول المدمرين للنظام التجاري العالمي من خلال إقرار التعرفة الجمركية، إلا أن بريطانيا أطلقت الرصاصة الأخيرة على هذا النظام. فقد رفعت قيمة الذهب في سبتمبر 1931 على أمل تحقيق خفض معقول في قيمة الجنيه الإسترليني بشكل يشجع التبادل التجاري ويحفز النمو الاقتصادي. إلا أن الجنيه واصل الانخفاض إلى 30 بالمئة مرسلاً إعصاراً إلى النظام المالي العالمي. فقد رفعت اليابان قيمة الذهب مما أفقد الين 40 بالمئة من قيمته، ثم تخلت الولايات المتحدة عن الذهب في عام 1933، وتمت الدعوة إلى مؤتمر دولي للاتفاق على نظام مالي جديد وعلى نسب الصرف، إلا أن الولايات المتحدة رفضت الإجماع الدولي وفضلت البحث عن مخرج لنفسها على حساب الاستقرار الاقتصادي العالمي. وامتدت روح: (اللهم نفسي) من الاقتصاد إلى السياسة. قبل الانهيار الكبير في عام 1929، كان الاقتصاد الألماني يمر بأزمة حادة، ذلك أن الدمار الناجم عن الحرب العالمية الأولى والتعويضات المفروضة عليها بناء على معاهدة فرساي جعل الانتعاش الاقتصادي مستحيلاً، فقد ارتفعت نسبة التضخم بشكل خرافي وزاد الانهيار ونتائجه على التجارة العالمية من متاعب ألمانيا، فأطبقت البطالة على خناقها واستغل الحزب الاشتراكي القومي هذا الوضع لتوسيع قاعدته الشعبية ، فرفع عدد مقاعده في الرايخستاغ من 12 إلى 107 في انتخابات سبتمبر 1930. واضطرت حكومة المستشار هنريك بروننغ تحت ضغط الحزب النازي إلى اتباع خط قومي ساهم مع البطالة المتزايدة في جعل الأجانب يسحبون استثماراتهم، وفي انهيار البنوك باعداد كبيرة. حاولت المجموعة الدولية منح ألمانيا قرضاً جماعياً لتثبيت الاقتصاد الألماني، إلا أن أميركا وبريطانيا عارضتا ذلك. في ديسمبر 1933، تسلم هتلر المستشارية فبدأ تسليح ألمانيا ورفع عدد الجيش إلى 550 ألف جندي خلافاً لإتفاقية فرساي التي كانت قد حددت الجيش الألماني بمئة ألف جندي من المشاة. ورغم إشارات التهديد هذه، إلا أن فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة ظلت تتفرج بينما هتلر يغزو النمسا وتشيكوسلوفاكيا، إلى أن غزا بولندا في سبتمبر 1939، مما أشعر بريطانيا وفرنسا بأنهما الهدف التالي فأعلنتا الحرب عليه، ولم تتدخل الولايات المتحدة مباشرة في النزاع طوال عامين إلى أن أغرقت سفنها في ميناء بيرل هاربر على يد اليابانيين. أما الأحداث اللاحقة في شرق آسيا فكانت مشابهة لأحداث أوروبا إلى حد كبير. فالهزة الاقتصادية العالمية ضربت اليابان أيضاً، حيث تضرر قطاعها الزراعي بانخفاض الأسعار. وأدى تقلص حجم التجارة الدولية والإجراءات الحمائية الأميركية إلى تقليص الصادرات اليابانية والى إفلاس عدد كبير من الشركات الصغيرة، وارتفعت مستويات البطالة في المدن مما خلق اضطرابات عمالية، وانعكس كل ذلك على المؤسسات الديمقراطية. وتسلم الجيش طليعة حركة إحياء الروح القومية، للتخلص من سياسيين غير أكفاء ورجال أعمال فاسدين وبيروقراطيين أنانيين. واغتال ضابط من الجيش رئيس الوزراء تسويوشي اينوكاي في مايو 1932، وتسلم الادميرال سائيتو ماكوتو الحكم. وتحت هذه القيادة العسكرية أصبحت سياسة اليابان الخارجية أكثر عدوانية في اللهجة والمحتوى، إذ قام الجيش باحتلال منشوريا وضمها في عام 1931 في خطوة أولى لفرض السيطرة على معظم شرق آسيا، بدون الرجوع إلى الحكومة. أما البحرية فقد أعدّت خططها لبناء أسطول ضخم تمهيداً لغزو الجنوب واحتمال مواجهة مع الأسطول الأميركي في المحيط الهادئ. وتفرجت ديمقراطيات العالم بسلبية على هذه الأحداث. صحيح أن عصبة الأمم اجتمعت لاتخاذ موقف جماعي من غزو منشوريا، لكن الموقف لم يتعد البيانات والإدانة الحماسية، فردت اليابان بالانسحاب من العصبة وواصلت اعتداءاتها حتى النصف الثاني من عام 1941 عندما تقدمت في الهند الصينية وهاجمت ميناء بيرل هاربر ولم تترك لأميركا وحلفائها خياراً آخر سوى الرد. إن هذا التاريخ يعطينا دروساً وعبراً بأن الأسواق المالية يمكن أن تنهار بأسرع مما تصعد، وأن اقتصاد العولمة يمكن أن يؤدي إلى الفقر بالسهولة نفسها التي يؤدي فيها إلى الازدهار، وأن الأزمات الاقتصادية تحدث آثاراً مدمرة على السياسات المحلية والدولية. وربما لا يعيد التاريخ نفسه، إلا أنه من المفيد إلقاء نظرة على كتابين حول الكساد الكبير لاثنين من أبرز المؤرخين الاقتصاديين الأميركيين، هما تشارلز كيندلبرغر وجون كينيث غالبريث. في عام 1973، أورد كيندلبرغر عدة سيناريوهات تدعوه للقلق من المستقبل، منها أن تنافس الولايات المتحدة والمجموعة الاقتصادية الأوروبية على قيادة العالم سوف يدمر استقرار الاقتصاد العالمي . ويمكن تلمس هذا القلق بعد تحول المجموعة إلى اتحاد بسوق وعملة موحدة وسعيه مرة إلى تحقيق طموحات جيو ـ سياسية. كما أعرب عن قلقه من وقوع أميركا مرة أخرى ضحية للحلقة المفرغة من الازدهار، واقترح عدم نسيان الماضي وعدم الإغراق في الثقة والتفاؤل غير المبرر. وكما تنبأ ، فإن ذاكرة أميركا أصبحت مظلمة مع مرور الزمن مما أدى إلى مضاربات في سوق الأسهم والسندات في التسعينيات وأحدث انهياراً شبيهاً بانهيار الكساد العظيم. ويعني تجاهل الأميركيين لدروس التاريخ الاقتصادية، إنهم يمكن أن يفعلوا ذلك بخصوص النظام العالمي ككل. وهذا صحيح في هذه الحقبة التي تشوه فيها العولمة الفوارق بين الاقتصاديات والجيو ـ سياسي، والتي خلقت تداخلا اقتصادياً أدى إلى إزالة بؤر الصراع إلى الأبد. ويجب ألا يغيب عن البال، أن طفرة سوق الأسهم في التسعينيات كانت مدمرة وغير عقلانية مثل طفرة العشرينيات، وأن سرعة ومدى اقتصاد العولمة الحالي يجعله مرشحا لإحداث صدمة في كل أرجاء الكون مثلما حدث في الكساد العظيم. العولمة: داء أم دواء؟ يبلغنا توماس فريدمان في الفصل الأول من كتابه «اليكزاس وشجرة الزيتون» بأنه سائح له موقف. وهو سائح لأنه يسافر كثيراً ويتمثل موقفه في أنه يرى العالم من خلال عدسة العولمة. وهو يتوصل إلى نتيجة مفادها بأن العولمة هي النظام العالمي الذي يشكل السياسات المحلية والخارجية لكل دولة تقريباً. وقد أصاب فريدمان بالقول إن العولمة حملت معها أشياء جديدة تتطلب البحث في تقييم مؤثراتها الجيو ـ سياسية، ومن هذه الأشياء أن تدفق التجارة ورأس المال العالمي وصل مستويات غير مسبوقة، وأصبح الاقتصاد الكوني أكثر تشابكاً وتداخلاً، وزاد الاستثمار الأجنبي المباشر في الولايات المتحدة من 1985 إلى نهاية القرن الماضي بأكثر من 500 بالمئة ، وارتفع تصدير البضائع والخدمات الأميركية لأكثر من مئتين بالمئة. كما غيرت العولمة من مصطلحات النوعية، فبعد ما كانت التجارة والمال تتمتعان بسوق كوني، أصبح الإنتاج نفسه كونياً، حيث تصنع تويوتا سيارات في الولايات المتحدة، وفورد في المكسيك وفولكسواغن في البرازيل. لكن خطأ فريدمان لا يكمن فقط في وصفه للعولمة وإنما في افتراضه بأنها هي النظام العالمي المهيمن للمستقبل، وليس لكونها مرحلة لحظية وانتقالية لمرحلة أخرى بديلة، ولو أنه وضع رؤيته للعولمة ضمن منظور تاريخي أكبر فإن خارطته للعالم سوف تبدأ بالانهيار. فحتى لو أن أميركا استطاعت تجنب كساد طويل، ولو أن إدارة جيدة في الاقتصاد العالمي قد منعت الصدمات المالية التي قد تضرب دولة أو أخرى، إلا أن العولمة ليست بالضرورة هي العلاج الناجع. فالتشابك الناجم عنها ليس ضمانة للأمن والازدهار فحسب، بل يمكن أن يكون مصدر ضعف وتنافس استراتيجي. فاليابان بدأت محاولاتها للهيمنة الإقليمية في الثلاثينيات لتحقيق الاكتفاء الذاتي ولإنهاء اعتمادها على صادرات الفولاذ والنفط الأجنبي. علاوة على ذلك فإن العولمة يمكن أن تجلب ثروات جديدة لأوساط كثيرة، إلا أنها في الوقت ذاته توسع من عدم المساواة الاقتصادية داخل الدول وبينها، مما نجم عنه انتشار المشاعر المعادية لأميركا وتحفيز المجموعات المتطرفة لتوجيه العنف ضد الأرض الأميركية ومواطنيها. كما أن بروز أوروبا كمركز جديد للقوة الاقتصادية سوف يغير العولمة بشكل دراماتيكي. صحيح أن أميركا مستمرة في رسم الاقتصاد العالمي وإدارته بالشكل الذي تراه مناسباً، ولكن لأن صناع القرار السياسي في واشنطن يكتشفون بأن تأثيرهم يضمحل ويتحول إلى نظرائهم في أوروبا وآسيا، فإن الاستقرار المتأتي من وجود قبطان واحد سوف يؤدي إلى انحراف الاقتصاد الكوني عن مساره. إن تقييماً واقعياً للعولمة يجب أن يأخذ بالاعتبار سيناريوهين يبطلان خارطة فريدمان للعالم. أولهما: إن أي انهيار كبير يضرب الاقتصاد العالمي، ينتقل من بلد إلى آخر من خلال نفس الأقمار الصناعية وقاعات التداول، وهو الذي أدى إلى الاهتزاز الاقتصادي العالمي في التسعينيات. والثاني: هو أن السوق العالمي يظهر تحملاً بطريقة مدهشة، إلا أن النمو الناجم عنه والنتائج السياسية المرتبطة به تدمر كل الظروف التي أمدت العولمة بمآثرها الحميدة. ومعجزة نمور آسيا التي تحولت إلى كابوس مخيف كادت أن تؤدي إلى ركوع أميركا على قدميها، في وقت كان العالم يشعر بأنه يمر بأيام سعيدة، فكيف الحال لو أنها حدثت والعالم يمر بأوقات عصيبة. ولو أن العولمة خرجت عن مسارها فإن الإفرازات الجيو ـ سياسية لن تختلف كثيراً عن مثيلاتها في الثلاثينيات، والأنظمة الهشة في روسيا والصين، وتحت ضغط الصدمة الاقتصادية، سوف تلجأ إلى الخيارات العسكرية والوطنية، وهما تحملان بعض التشابه بالدول الديمقراطية التي وقعت ضحية للفاشية عندما ضربها الكساد الكبير. أما دول العالم الرئيسية الأخرى ـ الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا، ألمانيا، اليابان ـ فقد تمتعت بعقود من الاستقرار الديمقراطي، وربما تحصنت ضد الانزلاق إلى سياسات خطيرة، وكلها قادرة على حماية نفسها في وجه المخاطر كما فعلت الديمقراطيات الأطلسية عند مواجهة ألمانيا واليابان في الثلاثينيات. ولكن هناك قليلون ممن يشكون بأن الصدمة الاقتصادية التالية ليست بعيدة. مؤثرات التشابك إن المدافعين عن العولمة يزعمون بأن تأثيرها على السلام يكمن في التشابك الاقتصادي الذي ترسِّي أسسه. بمعنى أنه كلما زاد التبادل التجاري والاستثمار بين دولتين كلما زاد الاهتمام المشترك في الحفاظ على علاقات سلمية بينهما بدلاً من الاقتتال. ومع أن هذا الإيحاء يبدو مغرياً على السطح، إلا أنه يصبح أقل إغراء عند تدخل الاعتبارات الجيو ـ سياسية. صحيح أن التشابك الاقتصادي يشجع المصالح المشتركة، إلا أنه يخلق مواقع الضعف أيضاً لأنه يتم ضمن منظور سياسي معين. فإذا كان التبادل التجاري يتم مع شريك موثوق به، فإن العلاقات الاقتصادية تتدعم ويحصد الشركاء مكاسب مشتركة تدفعهم إلى طلب المزيد. ولكنه إذا تم مع منافس، فإنه يؤدي إلى طمأنينة أقل فتصبح المصالح المشتركة فرصة للاستغلال، وليس للمطالب المشتركة. وهذا ما دفع اليابان إلى البحث عن الاكتفاء الذاتي خلال الثلاثينيات وهجومها اللاحق على بيرل هاربر، لأنها رأت أن اعتمادها على الواردات الأميركية كان نقطة ضعف وليس دليلاً على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة. وتشير أحداث التاريخ إلى أنه حتى عندما تكون الدول منسجمة مع بعضها البعض بما يسمح بمستويات عالية من التبادل الاقتصادي، فإن ذلك لا يعني أن العلاقات بينها تشكل ضماناً لانسجام دائم. فقد كان الأوروبيون، قبل الحرب العالمية الثانية، يتحركون بحرية بدون جوازات سفر وإجراءات حدود، وكانت التجارة البينية الأوروبية قبل مئة عام أكبر مما هي عليه الآن. لكن هذا التشابك لم يمنع انحدار أوروبا باتجاه الحرب. فإذا كان هذا التشابك لم ينقذ أوروبا من حرب عام 1941، فليس هناك ما يضمن بأن العولمة ستكون اليوم ضماناً للسلام العالمي. أما المغالاة في تقييم النتائج السياسية لثورة المعلومات فهي إفراط زائد في التفاؤل حول مؤثراتها السلمية. صحيح أن هذه الثورة قد صعبت من مهمة الدول في إغلاق مجتمعاتها في وجه الأفكار الخارجية وفي مقاومة تغلغل السوق العالمي، فقد كان تفكك الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة إلى حد ما نتيجة لفقدان السيطرة على تدفق المعلومات. إلا أنه من الخطأ الافتراض بأن ثورة المعلومات توشك على خلق عالم تسوده الديمقراطيات الليبرالية. فقد لعبت هذه الثورة دوراً مهماً في إسقاط ميلوسيفيتش، لكنها كانت الوقود الذي فجر الأحداث الدامية التي رافقت تفكك يوغوسلافيا. وقد تميزت فترة التسعينيات باستخدام وسائل الإعلام كأداة للتطهير العرقي لا ضابط لها. ولم تنجح هذه الثورة في كسر قبضة الحزب الشيوعي على الصين، كما إنها لم تجلب السلام إلى الشرق الأوسط، ولم تجلب أجهزة الهاتف المحمولة الديمقراطية إلى الدول العربية وأصبحت إسرائيل أحد أهم مراكز التكنولوجيا في العالم، لكن الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني مازال على أشده. ولذلك، فإن التأثير العالمي لثورة المعلومات، مثلما هو تأثير التشابك الاقتصادي، يعتمد على المنظور السياسي الأوسع الذي توظف فيه هذه التكنولوجيا. غضب عدم المساواة إن الحقبة الرقمية ربما جعلت العالم قرية صغيرة، لكنها مأهولة فقط من المحظوظين الذين يعيشون في بلد مرتبط بالأسواق العالمية. وفي عالم اليوم، هناك ستة بالمئة فقط من سكان العالم يستخدمون الإنترنت ومعظمهم من أميركا الشمالية وأوروبا الغربية. والفجوة بين الذين يملكون والذين لا يملكون آخذة في الاتساع. فقد ارتفعت هذه الفجوة بين خمس سكان العالم في الدول الغنية، وبين خمس سكان الدول الفقيرة من 30 إلى واحد في عام 1960 إلى 74 إلى واحد في عام 1997. ويعيش الأربعة أخماس الباقية في دول تحصل على خمس الدخل العالمي فقط. وفي الوقت ذاته، يبشر انتشار هذه الثورة بمزيد من الأخطار الناجمة عن عدم المساواة. فهذا الانتشار التدريجي سوف يسلح الدول النامية بقدرات جديدة لإلحاق الضرر بالعالم المتطور. فقد كانت سيطرة الجنوب على معظم إمدادات النفط في العالم إدارة الضغط الرئيسية على الشمال، لكن المعرفة سوف تثبت في النهاية إنها سلاح أكثر فاعلية من المصادر المادية. وسوف تستخدم التكنولوجيا والإنترنت لغير الغايات التي كانت وراء اختراعها. وسوف يؤدي اختراق شبكة البنتاغون والتسلل إلى آخر برامج شركة مايكروسوفت أو نشر فايروس البريد الإلكتروني إلى بث الفوضى في نظام المعلومات الكوني. وسوف يصبح المعدمون أكثر قدرة في التعبير عن غضبهم ضد الذين أهملوهم. وحتى إسرائيل، الدولة الثرية نسبياً باعتبارات دخل الفرد، تواجه فروقات اجتماعية متصاعدة، كما أن اليهود الأصوليين يرفضون العولمة والعلمانية المرتبطة بها. أما الفلسطينيون، الذين كان يتم السماح لهم بعبور الحدود كعمال متدني الأجور في إسرائيل، فإنهم ينظرون إلى عدم المساواة هذه بمزيد من الغضب. وتمنع عدم المساواة هذه دولاً كثيرة من بناء الطبقة المتوسطة الضرورية للاستقرار السياسي. ففي إسرائيل تأخذ عدم المساواة شكلاً عرقياً يفصل اليهود الاشكناز عن السيفارديم، والمتدينين عن العلمانيين، والعرب عن اليهود، مما يعرقل عملية السلام وقد أثبتت هجمات 11 سبتمبر 2001، كيف يمكن أن تكون ضربات الانتقام مؤلمة ضد العولمة. ولذلك، فإن عدم المساواة هذه ضمن دول الشرق الاوسط وبين هذه الدول والغرب تمل أرضاً خصبة للتمرد. ولذلك، فإن فريدمان يجهل هذا الجانب المظلم من العولمة. فهو يعترف بان الإنسان المعدم والغاضب هو نتاج العولمة والمهدد لها في الوقت ذاته. لكنه يتمادى في القول بأن المعركة ضد الإرهاب: (توازي الحرب العالمية الثانية) التي أدت نتائجها الجيو ـ سياسية إلى: (إنتاج نظم وانقسامات جديدة). ومن الصعب على المدافعين عن العولمة أن يفندوا حقيقة مؤثراتها غير الديمقراطية عندما يعرفون أن تأثير أميركا على اقتصاد ماليزيا، مثلا، أكبر من تأثير مواطني هذه الدولة دافعي الضرائب، وعليهم أن يعترفوا بأن نجاح العولمة يحمل معه بذور فنائها. عولمة بدون أمركة وأخيراً، هناك مشكلة العلاقة بين العولمة والأمركة: فكثير من نقاد العولمة يقولون بأن معارضتها تنبع من الاعتقاد بأنها أميركية. فعندما تظاهر المزارعون الفرنسيون ضد الاقتصاد الكوني الذي يدمر الثقافة الفرنسية التقليدية، قاموا بإلقاء الحجارة على مطاعم ماكدونالدز وكذلك فعل المتظاهرون في دافوس ضد اجتماعات المنتدى الاقتصادي العالمي، وأسامة بن لادن ضد الأهداف الأميركية. لقد قامت الولايات المتحدة بوضع القوانين واستخدمت العولمة بإصرار لإعادة تشكيل العالم على هواها، واضطرت معظم دول العالم إلى مجاراتها لأنها لا تملك خيارات أخرى. ونتيجة لذلك، فإن أفدح الأخطار على المدى البعيد لن تنجم من هذا الربط بين العولمة والأمركة، وإنما من احتمال الطلاق بينهما عندما يبدأ النموذج الأميركي في فقدان بريقه وبعدما أدت العولمة إلى بروز أوروبا وآسيا اللتين تطبقان نماذج رأسمالية مختلفة عن النموذج الأميركي ومتناقضة معه، وسوف يأتي الوقت الذي سيتحديان فيه الهيمنة الأميركية. وعندما تتوزع القوة في العالم بالتساوي، سوف تنشأ خلافات أكبر حول أسس إدارة النظام المالي العالمي والتبادل التجاري وانتقال البضائع والخدمات، وسوف تتصارع القوى على القيادة والمراكز. ولذلك، لا يوجد مناص من عودة فترة الحرب التي لم توجد فيها دولة واحدة مهيمنة على الاقتصاد العالمي، وعندما تأخذ القطبية الأحادية في التراجع فسوف تتراجع معها مؤثرات العولمة. ولذلك، فإن استقرار النظام الاقتصادي أمر وهمي، فقد أثبت الاقتصاد الأميركي هشاشته في التسعينيات، وحتى لو استطاعت الولايات المتحدة تأجيل الحتميات التاريخية، فإن الاقتصاد العالمي سوف يحقق الثروة والازدهار لدول أخرى مما سيوسع عدم المساواة داخل هذه الدول وبين بعضها البعض ويقضي على تفوق أميركا وقدرتها في التحكم بمسار الاقتصاد العالمي.