الاحد 13 محرم 1424 هـ الموافق 16 مارس 2003 كانت حرب الخليج السابقة ضارية، ومتوقعة النتيجة نوعاً ما، مع اندفاع امواج القاذفات تتبعها اعداد هائلة من القوات البرية ضد القوات العراقية. غير ان حرب الخليج الثانية، اذا نشبت، ستكون اكثر ضراوة وتدميراً للعراق، والكلمة الرائجة التي تصف بها اميركا حربها هذه الآن هي: الفورية، فالقوات الجوية الاميركية تمتلك الآن عدداً غير مسبوق من القذائف الذكية الموجهة بالأقمار الصناعية لضرب اعداد كبيرة جداً من الأهداف على مساحات واسعة من الارض، لتلحقها بسرعة القوات البرية المهاجمة للاستيلاء على الارض. البنتاغون تخطط للسيطرة على 75 في المئة من الاراضي العراقية في غضون الاسبوع الاول من الحرب، بشكل يقنع العسكريين العراقيين بعبثية المقاومة. وتراهن البنتاغون على ان معظم الجيش العراقي لن يقاتل ويتوقع ان تلجأ قوات الحرس الجمهوري الخاصة للتحصين في بغداد الكبرى التي تتضمن تكريت مسقط رأس الرئيس العراقي، 160 كيلومتراً الى الشمال من العاصمة، وينتظر ان تحين حينها نهاية حكم الرئيس العراقي الذي دام 24 عاماً بطريقة او بأخرى قريباً من هذه المنطقة. وقد قال رئيس هيئة اركان الجيش الاميركي تومي فرانكس مؤخراً ان القوات الاميركية جاهزة ويعتقد المخططون في البنتاغون ان اليوم الاول من الهجوم سيشهد ضرب اهداف عراقية تزيد عن كل الاهداف التي ضربت خلال 43 يوماً استغرقتها الحملة الجوية التمهيدية في حرب الخليج السابقة. وعن ذلك يقول الجنرال ريتشارد مايرز رئيس هيئة الاركان العامة للقوات المسلحة ان هدف القوات الاميركية سيكون «الضرب بقوة فائقة بحيث يقتنع النظام العراقي مبكراً ان النهاية اصبحت محتومة».وبخلاف حرب الخليج السابقة التي كانت 10 في المئة فقط من القذائف الجوية التي اسقطتها القوات الاميركية الجوية قذائف ذكية، فإن 80 في المئة منها هذه المرة ستكون كذلك كما ان القذائف الموجهة بالليزر ستستبدل هذه المرة بالقذائف الموجهة بالاقمار الصناعية والمعروفة باسم ذخائر الهجوم المباشر المشترك والتي يفترض بها ان تعثر على اهدافها اوتوماتيكياً دون ان يعيقها ضباب او دخان او غيوم وفي مقدمة اهدافها ستكون مواقع القيادة العسكرية والحاميات العسكرية خصوصاً ضمن الحرس الجمهوري الى جانب مواقع ذات قيمة معنوية مثل القصور الرئاسية، يقول ضابط في القوات الجوية «ستكون شديدة القوة» في محاولة للتقليل من شدة ما سيكون. في العام الماضي قام الجنرال جون كين، الرجل الثاني في الجيش الاميركي، بشرح هذه الحرب الجديدة امام كبار ضباطه وقال ان الحرب القديمة «كانت تقوم على الاستيلاء على الارض والتفوق في الحجم على العدو والسيطرة على التجمعات السكانية» ذلك ان قلة الاستخبارات المتوفرة عن العدو تحتم هذا السبيل. المسألة لم تعد كذلك. يقول: «نمتلك الآن مقدرة استثنائية على ادراك ما يفعله العدو وبمعنى آخر نستطيع ان نعرف تحركاته لحظة بلحظة دون انقطاع» ويقول الضباط الاميركيون ان الاسلحة الذكية ذات الامكانات الهائلة ستمكن الاميركان من تدمير مواقع معادية كثيرة العدد على مساحات شاسعة.ويضيف كين: «نريد ان نصل لهذه الاهداف بشكل فوري في الوقت نفسه بقدر ما نستطيع» وآراء كين هذه وامثالها تجد ترحيباً بالغاً في البنتاغون فكين مقرب جداً من وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ويتوقع له في غضون اربعة اشهر من الآن ان يصبح قائد الجيش الاميركي.افتتاحية الحرب ستكون توجيه ضربة ساحقة للقيادة بهدف تفكيكها، يقول كارل ليفن من لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ: «يصعب علي ان اقول ان صدام حسين يتخيل فعلاً حجم ما نخبئه له لن تكون امامه فرصة للنجاة. قوتنا هائلة جداً». وتتوقع البنتاغون ان القوات العراقية ستقف مكشوفة من دون اي دفاعات ضد هذه القوة فالدبابات الاميركية بمقدورها تدمير الدبابات العراقية، حتى قبل ان تتمكن تلك الاخيرة من اكتشافها كما ان قاذفات البي 2 ستحلق على ارتفاعات تفوق مدى المضادات العراقية فيما تتمتع القوات البرية المهاجمة بمقدرة عالية على المناورة تمكنها من الالتفاف على القوات العراقية. وفيما كانت الحروب التي دخلتها القوات الاميركية في العقود الاخيرة، وبالخليج وكوسوفو وفيتنام، مصممة بحيث تتدخل وتنفذ مهمة هجومية ثم ترحل، فإن البقاء وتنصيب حكومة جديدة هو الهدف الأساسي للغزو الاميركي الحالي والحرب المقبلة ستكون اقل شبها بحرب الخليج السابقة مقارنة مع غزو بناما (وهي الدولة التي تبلغ مساحتها خمس مساحة العراق) وفي تلك الحرب، هاجم 24 ألف جندي اميركي على 27 هدفاً في البلاد في خلال 24 ساعة ومع ان الزعيم البنامي مانويل نورييغا استطاع مقاومة اسره 14 يوماً، الا ان الحرب كانت قد انتهت عملياً في يومها الأول. وتوسيع نموذج غزو بناما لتطبيقه على بلد بمساحة العراق لم يكن بالامر المحتمل بدون التطورات اللاحقة في تقنيات القذائف الذكية والاستشعار والشبح والطائرات بدون طيار. فبفضل هذه التقنيات ترى البنتاغون ان القوات الاميركية ستتمكن من التعامل مع الاراضي العراقية بأكملها والنزول بالمروحيات والمظلات خلف الخطوط العراقية للاستيلاء على المواقع المهمة بأكبر سرعة ممكنة، وهذا يجعل المخططين العسكريين يرسمون عملية عسكرية تجمع العمليات الجوية والبرية بخلاف حرب الخليج السابقة التي اقتصرت العمليات فيها على القصف الجوي طوال 40 يوماً. تريد البنتاغون تطبيق تكتيك «الصدمة والرعب» باستخدام الآلاف من ذخائر الهجوم المباشر المشترك يتبعها زحف بري لاجبار العراقيين على الاستسلام وان لم يفعلوا، فستستخدم الولايات المتحدة حينها قذائف «ام القنابل» الموجهة بالأقمار الصناعية التي تزن الواحدة منها 5,9 أطنان وتسقطها طائرات الشحن العسكرية وتبلغ القوة التدميرية لهذه القنابل العملاقة قوة انفجار قنابل نووية صغيرة وتفوق قوة قنابل «ديزي كاتر» التي استخدمتها في فيتنام وافغانستان. يقول هارلان اولمان، الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية والداعم لاستراتيجية «الصدمة والرعب» هذه: «نريد ايقاع شعور باليأس المطلق في نفوس العراقيين». وستحاول القوات الاميركية في حربها ان تقضي على الرئيس العراقي شخصياً وهذا يعني ضرورة دخول الكثير من القوات الاميركية البرية الاراضي العراقية مباشرة فور بدء الهجوم، فعلى الرغم من كل عمليات التفتيش التي لم تتوصل لاكتشاف اي اسلحة كيماوية أو جرثومية فإن الاميركيين يواصلون الحديث عن امتلاكه لهذه الاسلحة ولهذا يجب السيطرة عليه قبل ان يتمكن من استخدامها وقنابل الميكرويف تمثل سلاح المقدمة للقضاء على كل التجهيزات الالكترونية الضرورية للسيطرة على هذه الأسلحة.على الأرض، ربما تبدأ القوات البرية، حوالي 100 ألف جندي، تتقدمها فرقة المشاة الثالثة وفرقة المدرعات هجومها في اللحظة التي يبدأ فيها الهجوم الجوي. وستكون مئات دبابات ابرامز ام 1 وعربات برادلي المدرعة في مقدمة هذا الهجوم وصولاً الى بغداد على بعد 480 كيلومتراً من الكويت قاعدة الانطلاق، تصاحبها قوات مشاة البحرية والقوات البريطانية وستوفر مروحيات اباتشي الهجومية الغطاء الجوي لهذا الهجوم وهي المروحيات التي اصبحت اكثر قوة مقارنة بما كانت عليه في حرب الخليج السابقة. كما ستنطلق وحدات برية اصغر حجماً نحو الاراضي العراقية من الأراضي السعودية والأردنية. ومن غير المعروف حتى الآن مصير خطة نشر 62 الف جندي اميركي في الأراضي التركية للهجوم من الشمال، وبينهم فرقة المشاة الرابعة على كل حال، فإن الفرقة 101 المحمولة جواً ستقوم بالهجوم من الشمال اذا لم تسمح تركيا بالهجوم من اراضيها. وتقضي الخطة البديلة بحمل هذه الفرقة جواً انطلاقاً من الكويت وانزالها إلى الشمال الخاضع للسيطرة الكردية. وبعد ضمان الارض في الشمال ستبدأ طائرات الشحن بنقل الدبابات والعربات المدرعة اليها لبدء الهجوم الشمالي. ويرى البنتاغون ان الهجوم على العراق من جبهتين ـ وهناك احتمال ان تقوم قوة ثالثة بالهجوم على بغداد من الغرب ـ سيضمن تقصير أمد الحرب.لكن هذا قد يتسبب في ظهور فجوات في القوات المتوجهة الى بغداد. فالبنتاغون يريد ان يكون الهجوم بأسرع ما يمكن وأوسع ما يمكن، لكن بشرط ان يكون بالكثافة الكافية لمنع القوات المدافعة من اعادة تجمعها لتقاتل لاحقاً. والقوات الأميركية التي سيتم انزالها خلف الخطوط العراقية يجب ان تكون خفيفة الحركة لكن بشرط ان تكون مزودة بقدر جيد من الذخائر والوقود لتستطيع مواصلة القتال الى ان تصلها التشكيلات المهاجمة الاخرى. والتخوف الاخر الذي يحسه البنتاغون هو مدى قرب القوات الاميركية من العراقية وما قد يؤدي اليه ذلك من خسائر بنيران صديقة وهي التي بلغت مثلاً 35 جندياً من اصل حوالي 148 جندياً خسرتهم القوات الغربية في حرب الخليج السابقة، وهي الخسائر التي ستكون اكبر هذه المرة مع تزامن الهجومين البري والجوي. وتبقى الخسائر البشرية المدنية كابوساً سياسياً وعسكرياً يؤرق المهاجمين. اذ تقول جماعات حقوق الإنسان ان حوالي 3500 عراقي مدني قتلوا في حرب الخليج السابقة. البنتاغون يرفض ان يكشف عن توقعاته لعدد القتلى المدنيين في الحرب التي يعد لها فقد تكون ضخمة جداً وستحظى بتغطية اعلامية فورية في كل العالم. يقول انطوني زيني رئيس اركان القيادة المركزية بين عامي 1997 و2000: «ان ما ستبثه الجزيرة في المنطقة قد يزعزع احتمال نجاح الحرب وقد يكون اكثر أهمية من العمليات على الارض في نجاحها ان كل الشروح والتفسيرات التي سنقدمها لن تواجه تلك الصور. وقد استخدم مخططو البنتاغون برامج الكمبيوتر لتوقع أفضل طرق الهجوم الجوي في تقليصها للخسائر الشاملة. وفي معظم القذائف، يكون الصاعق مصمماً بحيث يفجر القنبلة بعد ان تنغرس عميقاً في الارض مما يقلل الخسائر الضخمة. يقول مايرز قبل ايام: «الحرب عملية عنيفة في طبيعتها». والاميركيون يجب الا يعتبروا حرب الخليج السابقة وكوسوفو هي النموذج الذي ستكون عليه الحرب المقبلة. فإذا ما اضطرت القوات الأميركية للقتال من شارع لشارع في بغداد ستكون الصور وحشية. يقول مايرز: «يجب ان نكون مستعدين ذهنياً لهذا الأمر». وتمثل الدروع البشرية مشكلة علاقات عامة اخرى للمهاجمين. وقد اوضح البنتاغون انه سيتعامل مع الدروع البشرية المتطوعين بطريقة مختلفة عن اولئك المجبرين على الوجود في المواقع العسكرية. ويقول مسئول رفيع في البنتاغون: «اولئك المتطوعون يعملون في خدمة الحكومة العراقية وربما يكونون قد تجاوزوا بذلك الخط الفاصل بين المحاربين وغير المحاربين». وهذه طبعاً طريقة محرفة للقول بأنهم سيكونون أهدافاً مشروعة للمهاجمين. وترفض القوات الأميركية ضمان سلامة العشرات من الدروع البشرية الموجودين في بغداد. وقد انسحبت فرقة العدنان من الحرس الجمهوري العراقي مؤخراً من ثكناتها في الموصل جنوباً نحو بغداد، مما يشير بالفعل إلى ان الرئيس العراقي يركز في خطته على الدفاع عن بغداد. ولهذا ينتظر الاميركيون استقبالاً في الشمال والجنوب. اما الغرب العراقي فهو عموماً صحراء فارغة. وأخيراً، تأمل الولايات المتحدة ان يحجم معظم الجيش العراقي عن القتال وبالتالي تصبح مهمتها اسهل بعد اسقاط الحكومة العراقية. وحالياً تلقي الطائرات الأميركية اكواماً من المنشورات على انحاء العراق اسبوعياً. احدها يحمل صورة جثة جندي عراقي ومكتوباً عليها «لاتغامر بحياتك وحياة رفاقك»! وعلى الجانب الآخر صورة تلميذ عراقي في المدرسة ومكتوباً عليها: «اترك مكانك الآن وارجع لبيتك! دع أولادك يتعلمون ويكبرون». وعلى الاغلب ستكون المرحلة الأخيرة من الهجوم هي حصار بغداد. لكن القوات الأميركية لن تسرع في اقتحام المدينة التي يبلغ تعداد سكانها 5 ملايين واعطاء الرئيس العراقي فرصة خوض حرب مدن، بل الاحاطة بها ومواصلة ضرب أهداف معينة. وبحصار الحكومة في العاصمة وتدفق المعونات الانسانية على كل أنحاء العراق الاخرى تكون الحرب قد انتهت. يقول مايرز: «اذا عزلنا القيادة واصبحت غير قادرة فعلاً على إدارة البلاد فذلك هو النصر. هدفنا الجوهري ليس الرئيس العراقي شخصياً». وقد يعمد الأميركيون أيضاً لإغواء البغداديين بالهرب من المدينة بوعدهم بالمعونات والملجأ من القتال مع تواصل القصف الانتقائي. ويأملون ان الضغط العسكري سيقنع العسكريين العراقيين بالقيام بالمهمة بأنفسهم. يقول ضابط بريطاني في الكويت: «آمل انهم سيشنقون الرئيس العراقي في شوارع بغداد». ان خطط البنتاغون هذه وعلى الرغم من تطويرها المتواصل أصبحت جاهزة. وشأن كل الحروب، فإن المعلومات التي يسربها البنتاغون ربما تهدف لترهيب الخصم فقط، أو خداعه، أو تشتيت تركيزه. وقد قال فرانكس قبل ايام ان معظم المعلومات المهمة وخصوصاً اهم الاجوبة وهو مدة الحرب «ليست معروفة». وهذا يعود إلى عدم تأكد الأميركيين من شيء واحد على الرغم من ملايين الاحتمالات التي درسوها على كمبيوتراتهم: هل سيتمترس العسكريون العراقيون ويدافعون عن بلادهم حتى الموت ام سيلقون السلاح ويرحبون بالغزاة كمحررين؟ فرانكس وصحبه يعترفون ان الجواب لن يكون واضحاً حتى تبدأ أول القذائف بالسقوط فوق العراق. ترجمة: جلال الخليل عن «تايم»