السبت 12 محرم 1424 هـ الموافق 15 مارس 2003 بسبب النار، بسبب الفزع، التعب، الاعتياد على الدم، بسبب الاعلام الذي هو في الغالب تضليل ـ بسبب كل هذه، نُسيت أهم الامور، عما يضرم النار، أين يُسفك الدم، أين تكمن السخافة وما هو الحل. هكذا شعرت قبل عدة ايام عندما سافرت لساعات طويلة في أرجاء الضفة الى نابلس، كي أحقق في قصة ثأر باعثة على اليأس، بيننا وبينهم، والتي جبت حتى الآن ما لا يقل عن ثلاثة قتلى. في وادي الحرمية أبطأنا لحظة في مكان ما، مثابة البقاع بين تلتين مسيطرتين. رأيت هناك عددا من أكوام الاسمنت المهجورة، وباقة ورد للذكرى جفت وقمامة كثيرة. في هذا المكان وقف، وفقا لقرار عسكري بائس، حاجز: خيمة ومبنى قديم وموقع وأداة اغلاق للطريق ومجموعة رجال احتياط أخذوا من منازلهم لخدمة طويلة في المناطق. الحاجز أوقف الفلسطينيين للفحص، هنا عميقا في اراضي الضفة، بعيدا عن الحدود، حتى جاء قناص فلسطيني، مزود ببندقية بسيطة وخبير أغلب الظن في صيد العصافير، فصاد كل جنود الحاجز وقتلهم الواحد تلو الآخر. الآن المكان فارغ. والحاجز هُجر. ومرة اخرى لا حاجة له. القائد الذي كان مسئولا عن القاطع وعن الأمر بإقامة الحاجز في وادي القتل رُفع رتبة. السخافة لم تعاقب. الوادي هُجر أما الثكل فبقي وحده. هكذا كل الضفة. هكذا كل قصة هذه المعركة التي يرتفعون فيها كل شهر درجة على طريق جهنم، والتي تُدار اليوم فقط على أيدي الجنرالات، دون رقابة مدنية ملائمة. تبذير لحياة البشر، الاطفال، المواطنين كبار السن، حياة الجنود الشبان، حياة جيراننا. وليس هناك من يبذر أكثر من الجهاز العسكري. هكذا في كل الحروب، وفي كل مكان. من اللحظة التي أودعت فيها بأيديه ادارة الامور ـ حياة الناس والمال هما مصادر تبلع فيه، مثل الفحم في محرك بخاري. آلة الحرب هي قصة عتيقة حتى أكثر من الخالق من براغ. انها مستهلكة الحياة، وحشية في طريقها ولا تعرف الشبع. وكوابحها الوحيدة هم المواطنون الذين يُجبى منهم الثمن. ولكن الآن بالذات لا يحتج المواطنون ولا يكبحون. فمن شدة الخوف شُلوا. فقد أودعوا ـ سيبوا مصيرهم في يد الجيش. في الرحلة الطويلة الى نابلس رأينا في كل مكان دوريات صغيرة من ثلاثة جنود شبان على قارعة طريق مهجور، جنديان على سطح منزل في قرية، زوج من الجنود على طرف تلة صخرية تحت المطر، جندي يفحص مئات المركبات في طريق بعيد جدا عن الحدود. الجنود مثل الأوز في ميدان الرماية. الجيش الاسرائيلي الكبير تخصخص منذ سنتين ونصف السنة الى آلاف الجنود المنفردين، الى ثلل صغيرة. رجال الدبابات في مناصب حملة البنادق، الطباخون في مناصب المراقبين، الموظفون في مناصب رجال الحواجز. جيش مخفف مثل الوقود المخفف بالماء. مشدود على سطح مئات القرى والمدن والمواقع ونقاط الحراسة، كي يحمي ذاك المشروع للاستيطان الذي بات معظم الجمهور يعرف انعدام الحاجة الفظيعة له، ولكن لا يزال يتيح له استنزافنا وارهاقنا وسفك دمائنا في هذه البلاد التي خرج منها نحو مهمته التوراتية. في كل مكان رأينا كيف انه بدل الوقوف على خط الحدود، يقيم الجيش حواجز مكشوفة ومواقع من جنديين في قلب ارض العدو. وكلما تعمقت في السفر في أرجاء الضفة، بدا لك واضحا أكثر فأكثر بأن المستوطنات هي القدم العالقة في البوابة بحيث أننا لا نستطيع اغلاقها في وجه العنف. انها فعل انتحاري: بعضها يثير الهياج بلا انقطاع في محيطها والبعض الآخر يتسع وينتشر من دون ان يضاف اليها شخص واحد آخر وهي تحتجز آلاف الجنود لحراسة الطريق اليها، وبيوتها والمواقع الصغيرة التي تنتجها كي يكون للأبناء مواصلي الدرب مزرعة خراف صغيرة خاصة بهم، والابتعاد بعض الشيء عن منزل الأبوين، والخلود الى السكينة. بعد عدة سنوات، اذا ما عدنا لأي نوع من التوازن النفسي، فقد ننظر الى الخلف بغضب فنتذكر الذين سقطوا ومعهم هذا التبذير. سنشعر بالذنب الكبير لقاء الصمت، لقاء الاهمال ولقاء هذا الزمن الذي أودعنا فيه في أيدي الجيش ليس فقط مهمة الحراسة لحياتنا بل وايضا مهمة الحياة نفسها. لقد توقفنا عن التفكير وجعلنا القلق مرشدا لسبيلنا. عن «يديعوت احرونوت»