السبت 12 محرم 1424 هـ الموافق 15 مارس 2003 خلافاً لما حدث في حرب الخليج أو في التدخلات العسكرية في كوسوفو وأفغانستان، التي اعتمدت على دعم واسع من جانب الرأي العام العالمي، أصبح العمل العسكري الوشيك للولايات المتحدة في العراق، هدفاً لموجة رفض عارمة في كل العالم تقريباً لأسباب تبدو لي شرعية ويتقاسمها أشخاص كثر أعربوا عن تضامنهم، مثلما فعل كاتب هذه المقالة، مع مبادرة الحلفاء من أجل انقاذ الكويت من اجتياح الرئيس العراقي أو وضع حد للتصفية العنصرية الصربية ضد الكوسوفيين أو الإطاحة بنظام حركة طالبان الأفغانية وأسامة بن لادن والقاعدة.وعلى الرغم من أن جميع الحروب تتصف بالوحشية، وتتسبب في سقوط ضحايا أبرياء بأعداد كبيرة، علاوة على اضرار مادية لا توصف، إلا انه ثمة حروب عادلة، وهي حروب لا يمكن الحيلولة دون نشوبها إلا بدفع ثمن أعلى بكثير مما يمكن ان تكلفه عملية النهوض بأعبائها، مثل الحرب التي شنتها قوى الحلفاء ضد هتلر والنازية. ولا يمكن أن يكون أي نزاع حربي مبرراً، إلا عندما يكون بينا أن أي خيار آخر يمكن أن يكون أسوأ بكثير مثلما حصل في عام 1939 باسم حقوق الانسان والسيادة والشرعية الدولية والحرية. فالمعارضة الواسعة للتدخل المسلح ضد العراق تقوم على أن الذي يحرك هذه الحرب والأهداف المأمول بلوغها عن طريق شنها ليست واضحة. صحيح ان الرئيس العراقي غزا جيرانه واستخدم أسلحة كيماوية وجرثومية ضد شعبه وأقام نظاماً صارماً، لكن كم عدد الحكومات المجاورة له وفي مناطق أخرى من العالم التي يمكن القول في حقها اشياء مشابهة جداً؟ ما هي طبيعة الأنظمة في عدد لا بأس به من البلدان الافريقية والآسيوية؟ أليست أنظمة مستبدة تدوس يومياً الحقوق الأكثر أساسية للمواطنين الخاضعين لنظام قائم على الظلامية والرعب؟ إذن ليس محتملاً أن تقف وراء هذه الحرب تلك النية المحمودة المتمثلة في مساعدة الشعب العراقي على الانعتاق من الدكتاتورية وإقامة الديمقراطية. كما انه لا يمكن ان يكون الهدف هو إجبار النظام العراقي على نزع أسلحته الكيماوية والجرثومية وربما النووية التي يخفيها، في خرق واضح لستة عشر قراراً للأمم المتحدة استخف بها جميعاً، لأن وجود هذه الترسانة يشكل خطراً على المجتمع الدولي وخصوصاً على الولايات المتحدة، المشار إليها منذ الحادي عشر من سبتمبر على انها الهدف الأول للقاعدة ولمنظمات أخرى من نوعها وهو ليس كذلك لأنه، وللأسف ليس العراق وحده، وإنما بلدان عدة ـ الهند، باكستان، اسرائيل، كوريا الشمالية ـ تمتلك أو تسعى لامتلاك أسلحة نووية، مخترقة كل الاتفاقات والقرارات الدولية المكرسة لكبح جماح انتشار أسلحة التدمير الشامل وتقليص الموجودة منها تدريجياً. صحيح ان اخفاء الرئيس العراقي لأسلحة الدمار الشامل ربما يكون احتمالاً قائماً حتى لو لم يتمكن مفتشو الأمم المتحدة، الذين يبحثون عن ابرة في كومة قش، من اثبات ذلك. لكن القول بأن بمقدور ذلك النظام في الظروف الراهنة الاعتداء على القوى الغربية والقوة العظمى للولايات المتحدة، التي يمكن لردها النووي أن يبخره في دقائق معدودة، يبدو أمراً أكثر من بعيد الاحتمال، انه كابوس مصدره الهذيان. أما إذا كان حقاً هذا هو السبب الذي يقف وراء المخاوف من نظام الرئيس العراقي، فإن الأولوية يجب ألا توجه الى العراق، بل الى كوريا الشمالية، كوريا كيم جونج إيل، التي استأنفت تجاربها النووية وأطلقت تصريحات متطاولة، مهددة الولايات المتحدة بهجوم نووي وقائي ضد المدن الأميركية. إن الأسباب المقدمة من جانب واشنطن لتبرير عمل مسلح ضد العراق ضعيفة وغير كافية وتترك دائماً معلقاً في الهواء ذلك الإحساس بأن العراق وصدام حسين قد اختيرا، من بين طغاة وأنظمة مستبدة أخرى، من أجل تلقين درس مثالي يعوض الولايات المتحدة نفسياً وأخلاقياً عن الاعتداءات المروعة والمهانة وآلاف قتلى الحادي عشر من سبتمبر، أكثر مما تقف وراء ذلك الأسباب التي يعرضها الرئيس الأميركي وكولن باول أمام مجلس الأمن عند الطلب من مجتمع الأمم المساعدة من أجل الحرب. وبدون شك، يتنامى القلق والانزعاج من أن هذه المبادرة الحربية توقظ في كثير من أصدقاء ومعجبي الولايات المتحدة (الذين أجد نفسي من بينهم) مسألة أن العراق هو البلد الذي يمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، بعد السعودية. ذلك أن هذه المسألة تتضح بدون مواربة في وسائل الإعلام الأميركية في الأيام الأخيرة التي تفيد بأن التموين المستقبلي لمحروقات البلدان الغربية الكبيرة لا يمكن أن يكون بين أيدي قادة لا يتحلون بالمسئولية ويمكنهم، على مذبح التعصب أو الجشع أو أي سبب تافه آخر، ممارسة ابتزاز فعال ضدها، وبالتالي تعطيل صناعاتها والتسبب بانهيار مستويات الحياة في هذه البلدان. ما هو الدور الذي يلعبه هذا التحليل في قرار حكومة بوش بالتدخل في العراق مع أو بدون إقرار من الأمم المتحدة؟ إن مجرد صياغة هذا الاستفسار هي بالنسبة لي سبب أكثر من كافٍ لرفض هذه الحرب وإدانتها. حرب نظيفة في العراق لم تبدأ بعد ولقد خلقت حقلاً مزروعاً بالمُقعدين والمرضوضين والجرحى ذوي الجراح البليغة حيث أصبحت منظمة الناتو أولى ضحايا هذه الحرب، مع ان هذا التحالف لم يشهد، طوال نصف قرن من تاريخه، أزمة وانقساماً مثلما يشهده هذه الأيام عندما صوتت كل من ألمانيا وفرنسا وبلجيكا ضد توفير الحماية التي طالبت بها تركيا، البلد العضو في المنظمة، في حال المواجهة المسلحة في العراق، وتمثلت حجة البلدان المعارضة الثلاثة في أن دعم ذلك الطلب سيفترض مسبقاً ضمان احتياطي للتدخل العسكري ضد البلد الذي لديها فيه اجراءات وقائية جدية. ما جعل الكثيرين يتساءلون إذا ما كان لا يزال هناك معنى لوجود الناتو بعد ان اختفى الآن الاتحاد السوفييتي وبينما توجد بين البلدان الأعضاء في المعاهدة صراعات مرئية جداً وشديدة المفعول، مثل الصراع الدائرة حول موضوع العراق، الذي خرج الى دائرة الضوء، بين الولايات المتحدة والكثير من البلدان الأوروبية وبين الأمم الأوروبية ذاتها. لقد لعب العراق دور النحات الذي أذاب القناع المحتشم للبلدان المصرة على بناء الاتحاد الأوروبي في موقفها بما يتعلق فيما يجب أن يكون عليه مستقبل العلاقات الأوروبية مع الولايات المتحدة، مظهراً على المكشوف الموقفين المتعارضين جذرياً اللذين يتفاعلان في كنفه، هذان الموقفان اللذان إذا ما تم تحليلهما على نار هادئة، فسيلاحظ ان فيهما خلافات عميقة وخطرة الى حد يمكنهما ان يشكلا عقبة كأداء أمام عملية اتمام الاندماج. فلقد بذلت فرنسا قصارى جهدها لنشر أطروحة ان بريطانيا وحدها هي التي فهمت أوروبا كجمعية تقوم على أساس تحالف سياسي واقتصادي وعسكري ضيق مع الولايات المتحدة. لكن أحداث الأسابيع الأخيرة، أظهرت ان «انجلترا الخائنة» ليست بمفردها، بل توجد بصحبتها رفقة لا بأس بها في مفهوم مشابه لما يجب أن تكون عليه أوروبا المستقبلية. وإن لم يكن الأمر كذلك، أما كانت ستتعرض حكومات أوروبية عدة، رغم معارضة معظم شعوبها للحرب، للخطر بالإعلان عن تضامنها المفتوح مع الولايات المتحدة في خططها الحربية؟ هذا الموقف مرفوض بشدة من جانب ألمانيا وفرنسا، العمود الفقري للاتحاد الأوروبي، اللتين تريان ان الاتحاد يجب أن يقوم على استقلال مطلق عن الولايات المتحدة وأن يشكل قوة معارضة ومنافسة للقوة المتغطرسة العظمى في العالم. لذلك يخطئ أولئك الذين يفترضرون ان هذا هو اختلاف مفصلي منشأه الأزمة العراقية. بل على العكس، فبالكاد كانت هذه الأخيرة حدثاً أو حجة أخرجت ذلك الاختلاف إلى حيز النور من شبه عتمة كان يتخفى بين جنباتها. والسؤال المنطقي في هذا السياق هو: هل ستتمكن الأمم الأوروبية المتجابهة بسبب خطيئة الرئيس العراقي، بعد أن تنتهي هذه المأساة، من أن تبتلع ثانية اختلافاتها السحيقة وأن تعيد تثبيت المقام المشترك المثلوم الآن؟ على الأقل يمكن القول إن ذلك لن يكون سهلاً وبالتالي فإن البناء الأوروبي سيكون أحد أول ضحايا الحرب في العراق. لقد أعادت أحداث هذه الأيام تنشيط العداوة والحقد اللذين توحي بهما الولايات المتحدة للأوروبيين بأصولهم المتنوعة، وأحياناً لأسباب سياسية أيديولوجية وأسباب أخرى تتعلق ببساطة بالأشياء والحسد اللذين توقظهما عادة القوة العظمى الأولى في العالم. فليس الذين يحنّون الى الشيوعية والفاشية هم وحدهم الذين نشاهدهم متراصين ويتظاهرون ضد الحرب، وإنما الكثير من الديمقراطيين المقتنعين والمعترفين طوال حياتهم هم أيضاً ساخطون على عمل تعسفي ومقتدر، بطبيعة الحال، لإدارة بوش وما تمثله الولايات المتحدة بهذه الطريقة ينسون أنه في الولايات المتحدة ثمة تعبئة مهمة جداً ضد العمل المسلح في العراق وأن أكثر من ثلث المجتمع الأميركي يرفضه. لذلك نقول إن معارضة حرب العراق هذه لا تعني محاربة الولايات المتحدة، بل الدفاع عن مبادئ الحرية والشرعية اللتين جعلتا من أرض لينكولن ومارتن لوثر كينج الأكثر قوة وازدهاراً ديمقراطياً في العالم. ترجمة: باسل أبوحمدة عن «لاناسيون» ـ الارجنتين