السبت 12 محرم 1424 هـ الموافق 15 مارس 2003 في مقابلة تناولت الحرب الأميركية الوشيكة على العراق وموقف موسكو منها، تحدث فلاديمير لوكين، نائب المتحدث الرسمي باسم مجلس الدوما الروسي والمندوب السوفييتي، السابق لدى الولايات المتحدة مؤخرا عن عزم الولايات المتحدة خوض الحرب على العراق حتى بدون قرار جديد من مجلس الأمن، مشيرا الى أن واشنطن باتت تتصرف كالعصابات وقطاع الطرق الخارجين عن القانون، بدلاً من التصرف كالشرطي الذي يلتزم بالقانون. وفيما يلي نص المقابلة: ـ قلت ان الولايات المتحدة تتصرف مثل رجل العصابات.. الذي يهدد باستخدام القوة خارج القانون.. بدلاً من التصرف كالشرطي الذي يستخدم القوة التي يجيزها القانون. فهل يمكنك تفسير هذا الموقف؟ ـ اذا خاضت الولايات المتحدة الحرب على العراق بدون موافقة من الأمم المتحدة، فإنها ستكون حسب الوصف المجازي الذي استخدمته اشبه برجل العصابات منها الى الشرطي. لماذا؟ في بداية التسعينيات من القرن الماضي، رسم الرئيس العراقي خريطة لعالمه، كانت الكويت فيها جزءا من العراق لاعتبارات تاريخية سابقة. وهو لم يحفل بحقيقة ان المجتمع الدولي كان قد اعترف منذ زمن طويل بسيادة الكويت. فقد كانت لديه قوانينه الخاصة التي قرر ترجمتها على أرض الواقع. عندها ظهر تحالف من الدول بموقف مختلف تماما وباعث على الاحترام ازاء الشرعية ليقول له: عزيزي، صدام حسين، ان سيادة الدول اليوم تحظى بالاعتراف من قبل المجتمع الدولي، ممثلاً بالأمم المتحدة. وهذا النوع من النظم يمنح الكويت مكانة الدولة ذات السيادة، والهجوم عليها يعتبر عملاً عدوانيا، لقد ارتكبت هذا العمل وستعاقب عليه. وقادت هذا التحالف الولايات المتحدة بصورة مشروعة تماما. وكانت النتيجة ان هزم الاميركيون صدام ومكنوا الكويت من العودة الى الاستقلال. وتم الأمر بصورة قانونية جدا. وهناك مثال آخر: ففي عام 1949، خلص دكتاتور كوريا الشمالية كيم ايل يونغ ان شبه الجزيرة الكورية قد تم تقسيمها الى قسمين بغير وجه حق، وان البلاد يجب توحيدها، وان كوريا الشمالية هي الدولة الشرعية، وشن حربا على كوريا الجنوبية، وسيطر على معظم أراضيها. ان نظامنا العالمي الحالي، وان كان ناقصا الى حد ما، قد ظهر في ذلك الوقت. وتحدثت الدول الاعضاء في الامم المتحدة لتقول لكيم ايل يونغ ان ما قام به يعد بمثابة اعتداء مباشر على دولة مستقلة. وقد ارتكب جوزيف ستالين خطأ تكتيكيا خطيرا في حينه. فقد سحب الوفد السوفييتي من الأمم المتحدة، مع ان الاتحاد السوفييتي كان عضوا دائما في مجلس الأمن، وبغياب صوت الاتحاد السوفييتي، اصدرت الأمم المتحدة قرارا يقضي بإرسال قوات دولية الى كوريا. ودارت حرب هائلة ومشروعة أعادت الوضع الراهن الى ما كان عليه. ولا يزال هذا الوضع قائما في شبه الجزيرة الكورية الى يومنا هذا. ولا املك الآن الا أن اشجع العمليات الاميركية المشروعة هناك». دعنا نرى ما يحدث الآن. فالأمم المتحدة بلورت شكوكا في أن الرئيس العراقي يملك أسلحة دمار شامل، وبدأت تقوم بعمليات تفتيش في العراق. وفي وقت لاحق، لم يتمكن المفتشون عن الاسلحة من القيام بواجباتهم. فطالبت الأمم المتحدة بأن يقبل الرئيس العراقي بوجود مراقبين. وقد قبلهم وهم يعملون هناك الآن. وفي الوقت ذاته، تدعي الولايات المتحدة بأنه يتعين على صدام أن ينسحب من الساحة الى الأبد. وهذا الادعاء قائم على تصريحات مفادها أن الولايات المتحدة أقرب الى الله من باقي دول العالم او ان الرئيس الاميركي يشعر هكذا.. فقد نقل عنه قوله انه سيفعل كل ما يراه «هو» صحيحا. فهل يشبه الموقف الأميركي في أوضاع سابقة؟ أم ان هذا الموقف من نوع مختلف تماما؟ ـ ماذا يعني الموقف الروسي ـ الفرنسي ـ الألماني ـ الصيني المشترك المناهض للحرب بالنسبة لتوازن القوى في العالم؟ وماذا يعني بالنسبة للأمم المتحدة؟ ـ انه تجمع لغرض خاص، تجمع برز مباشرة من رحم الازمة حول العراق. وهو يعكس في المقام الاول الفهم المتعلق بالكيفية التي ينبغي ان يعمل بها حلف شمال الاطلسي والتحالف المناهض للارهاب ككل.ان الحكومة الروسية لا تحمل مواقف معادية لأميركا، مع ان هناك بعض الاوساط في المجتمع الروسي تحمل هذه المواقف. بل يمكنني ان اقول ان المشاعر المعادية لأميركا تعتبر اكثر انتشارا الآن مما كانت عليه في العهد السوفييتي. ففي ذلك الوقت، كان الناس يتبنون النوع التالي من المواقف: اننا لا نثق بحكومتنا، واذا قالت ان الاميركيين اشرار، فإنها تعني حقا انهم اخيار. أما الموقف هذه الايام فيسير بصورة أو بأخرى على هذا النحو: اننا ما زلنا لا نصدق حكومتنا، ولكن حتى لو اشادت بالاميركيين، فإنهم عندها سيكونون الاشرار حقا. غير أن أيا من هذين الموقفين لا يعكس الحقيقة. وانا واثق من ان ما يجري الآن بعيدا عن الرغبة في انشاء تحالفات جديدة وتوازن جديد في القوى فالأمر ليس كذلك. فقد تشكل التحالف ضد الارهاب بعد 11 سبتمبر، وكان له مثال جيد في افغانستان، وفي بعض المناطق الاخرى. والآن ظهرت الخلافات داخل التحالف، وهي تتمحور حول المأزق بشأن ما اذا كان بمقدور أي دولة ـ حتى الولايات المتحدة، المهتاجة والمؤهلة بشكل أساسي للقيادة ـ ان تطمح الى تخصيص التحالف العالمي المناهض للارهاب. فهل من حق دولة واحدة ان تحول التحالف العالمي الى ملحق لتشريعاتها وسياساتها الداخلية؟ هذا هو السؤال. والدول التي تعارض ذلك هي شريكة للولايات المتحدة في الوقت نفسه. وهي تعتقد ببساطة ان التحالف يجب أن يكون له دستور مناسب. وينبغي ان يكون له قائد، بالطبع، ولكن يتعين ان يشمل ايضا دولا اخرى يمكنها أن تؤثر في عملية صنع القرار. كما أنه يتعين ان تكون جميع قراراته قد اتخذت بتصويت متساو من قبل جميع الاعضاء. وهذا هو جوهر الخلافات الحالية. واذا كانت الولايات المتحدة تملك حقا رؤية لمستقبل آمن، فسيتم التوصل في النهاية الى تسوية في الأمم المتحدة، وروسيا قد يكون لها دور مهم في تلك الرؤية. وبخلاف بعض الأوروبيين، فإن القادة الروس لم يخربوا علاقاتهم مع واشنطن. ان التوصل لحل وسط بشأن المشكلة العراقية سيعني تعزيزا جديا للأمم المتحدة والشرعية الدولية.. وهو أمر يلبي بالتأكيد المصالح الأساسية للولايات المتحدة. غير ان الفشل في التوصل الى حل وسط قد يسبب انهيارا في التحالف المناهض للارهاب. والخيار الوحيد الذي يبقى عندئذ هو شن حرب بقيادة الولايات المتحدة ضد دولة عربية. واذا كان هذا هو الحال، فان الاعمال الارهابية، مهما كانت وحشية، سينظر اليها من زاوية مختلفة. ـ ماذا يعني لروسيا أن تتحالف مع «أوروبا القديمة» الممثلة في فرنسا وألمانيا بينما تتحالف الدول التابعة لها في السابق من وارسو الى براغ والبلطيق مع الولايات المتحدة؟ ـ ان الولايات المتحدة غير معتادة، من ناحية نفسية، على التعامل مع موقف تتصرف فيه دول أوروبا الغربية الرئيسية انطلاقا من اعتبارات غير خوفها من الاتحاد السوفييتي. ففي الماضي، كانت أوروبا محشورة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. وكان لديها خوف من السوفييت اكبر من خوفها من الاميركان، وكان لذلك مبرراته. ولكن الوضع قد تغير في اعقاب التوسع اللاعقلاني للناتو والاتحاد الاوروبي والآن وجد الاوروبيون انفسهم محشورين بين الولايات المتحدة.. والولايات المتحدة مرة اخرى واذا ما تحدثنا بصراحة، فان الدول «الجديدة» التي كانت قد تربت في نظام من الطاعة الصارمة لسيدها السوفييتي بعد الحرب العالمية الثانية تتصرف الآن باذعان ازاء الولايات المتحدة عبر الخمول والعجز الذي تبديه. ولا يسع أوروبا الا ان تتوسل لكي يسمع صوتها، ولكي يكون لها مكانها في العالم، والخلافات بين الولايات المتحدة وأوروبا واضحة جدا الآن لأن الولايات المتحدة لا يمكنها ان تروّض نفسها على القبول بسياسات «أوروبا القديمة» المستقلة بدرجة معينة أو بأخرى والتي حتى غير معادية لأميركا. وفي الوقت الراهن، تستطيع الولايات المتحدة ان تعتمد على «الأوروبيين الجدد» ولكن هذا الاعتماد غير عملي على المدى الطويل. فدول الكتلة الشيوعية السابقة تتطلع الى أميركا بقدر ما تتطلع الى اوروبا القديمة، ولكنها مشوشة حيال هوية سيدها، كما اخبرهم بذلك صراحة الرئيس الفرنسي جاك شيراك مؤخرا. ويتطلع الأوروبيون الجدد الى الوصول الى مستويات المعيشة في أوروبا الغربية والحصول على دعم من الأوروبيين الغربيين. وهذا هو السبب الذي سيجعل من غير المتوقع لحالة الشك حيال هوية السيد أن تدوم طويلا. ومن المحتم ان البحث عن اجابات لاسئلة الأمير هاملت سيدفع بالأوروبيين الجدد الى احضان أوروبا الغربية، لا فيما يتعلق بالعراق وانما فيما يتعلق بمستقبلهم الحقيقي. ـ ما هو اكبر خطر في العالم اليوم: هل هو العراق؟ ام كوريا الشمالية؟ ام تخطيط الشيشان لعمليات ارهابية في اوروبا؟ ـ التهديد الاكبر الذي يواجهه العالم الآن يأتي من الوتيرة الضعيفة للخطوات العملية لبناء نظام عالمي مناهض للارهاب. والتخمين بشأن ساحات انطلاق عمليات ارهابية جديدة امر غير وارد. فالارهاب موجود منذ عهد «جيروستراتوس». والامر الذي يهم لا يمثل التغيرات في الارهاب ذاته. فالمشكلة الحقيقية تكمن في امتلاك اسلحة الدمار الشامل، وبعضها اصبح متحركاً، من قبل الشبكات الارهابية.وهذا يتطلب بروزاً سريعاً جداً لنظام عالمي فعّال. فلا شك ان الامم المتحدة تعاني من النقص، ولكن بالامكان اصلاحها بهدف تعزيز قوتها. وهي تملك التفويض لتركيع الدول باسم السلام وكذلك الصلاحيات لجعل ذلك التركيع شرعياً. وللأسف، فانها ضعيفة جداً الآن بحيث تقوم بذلك. وكانت قد اتخذت خطوة فاعلة جداً بعد الحرب العالمية الثانية عندما تم تشكيل لجنة الاركان العسكرية في الامم المتحدة، واليوم ينبغي ان تعطي هذه اللجنة مهام موازية لمجلس الامن الدولي وينبغي ان تتمتع بالصلاحيات لاتخاذ القرار حول القضايا الحاسمة. ان الوضع يقتضي انشاء نظام رقابة عالمي قادر على تعقب الاشارات الاولى على اي نشاط ارهابي.. من الفضاء او اي مكان اخر. ومن الضروري امتلاك الادوات اللازمة لافراز رد سريع تحت اشراف الامم المتحدة في حال ظهور التهديدات الارهابية. والبديل الوحيد المحتمل لتعزيز قدرات الامم المتحدة بهذه الطريقة هو الدمار الكامل او العودة الى مجتمع الغاب، حيث يتقاتل الجميع فيما بينهم ولا تنحصر الصراعات بمستوى الدول. وقد يكون لروسيا دور مهم تلعبه في المساعدات بما يمكن ان نسميه «اعادة التوحيد عبر الاطلسي». فلماذا لا نعقد قمة بين روسيا والناتو لكي تخطط كيف يمكننا ان نتجاوز الانقسام الحالي بين الولايات المتحدة من جهة وفرنسا وروسيا والمانيا من جهة اخرى.طرف منهما يقول ان العراق لن ينزع اسلحته اذا ما قمنا بشن حرب عليه. فيرد عليه الطرف الاخر قائلاً: يتوجب علينا ان ننزع اسلحة العراق بأي ثمن، والحرب امر لا مفر منه. اذن دعونا نوحد جهودنا ونضع خطة تحت رعاية الامم المتحدة وان نعمل بالتزام صارم بها. غير ان تنسيق الجهود سيكون مستحيلاً اذا اصرت الولايات المتحدة على خصخصة العلاقات الدولية وتحويل وزارة خارجيتها الى نوع من الحكومة الدولية. ان الولايات المتحدة لا يمكنها ان تكون دكتاتوراً عالمياً، ولكن يمكنها ان تكون زعيمة للعالم. ولكي يحدث ذلك، يجب ان تكون للاصوات المناسبة اليد الطولى في السياسة الاميركية. كان هناك على الدوام اناس يقولون ان اميركا هي اقوى دولة وبالتالي اعدل دولة في العالم. ولكن هناك ايضاً اشخاص يضعون الاولويات بترتيب مختلف قائلين ان الولايات المتحدة هي الاعدل والاكثر اتصافاً بالديمقراطية وبالتالي الدولة الاقوى. فلنأمل ان تكون الغلبة للاشخاص الذين يحملون القناعة الاخيرة على غيرهم. ترجمة: ضرار عمير خدمة «لوس انجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»