السبت 12 محرم 1424 هـ الموافق 15 مارس 2003 ويشدد تشارلز كينشان مؤلف الكتاب على مجموعة مهمة من الأفكار الجديرة بالتأمل، حيث يرى أن الولايات المتحدة لا تملك استراتيجية كبرى، وهي قوة تائهة ومتخبطة وسياساتها متناقضة وإدارة بوش تمادت في سياستها الانعزالية والانفرادية. وأن القطبية الأميركية لن تدوم طويلاً، وحتمية التاريخ تقضي بعودة الصراع الدولي. القوى العظمى هي اللاعب الأساسي في الساحة الدولية، وهي غالباً ما تمد تأثيرها الى ما وراء حدودها محاولة تشكيل المناخ العالمي ليتلاءم مع مصالحها. ولتحقيق ذلك، تحتاج هذه القوى الى خارطة تصورية للعالم والى استراتيجية كبرى تنبثق منها بهدف الحفاظ على الغايات التي تريد وتكون متوازنة مع الامكانيات المتوفرة. ويمكن للقوة الطاغية وحدها ان تسبب الضرر لدولة ما اكثر مما تجلبه لها من خير، ذلك لان القوة المنفلتة تكسب العداوات وتحالفات المعارضة. غير ان الهيمنة المستنيرة بالحكمة لا تحقق الكينونة فقط، وانما تفرض نظاماً عالمياً مستقراً يحمل هوية صاحبها. ويتضح من التاريخ ان قوة الامبراطورية الرومانية أو بريطانيا العظمى أو الولايات المتحدة لم تكن وحدها العامل الذي مهد الطريق أمام العهود التاريخية، وانما الاستراتيجيات بعيدة النظر التي أعدتها كل منها لادارة سلطتها والحفاظ عليها. اطلالة على الماضي في 22 يونيو 1912، أصر رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل على عدم اشراك أسطول مالطا في منطقة البحر المتوسط، الى ان يتم احراز نصر حاسم في بحر الشمال الا ان عواقب الانسحاب من البحر المتوسط كانت مدمرة حيث تخلت بريطانيا عن الممر الحيوي الذي يربطها بالامبراطورية الشرقية. وعندما حل صيف عام 1942، لم يجد تشرشل أمامه أي خيار آخر سوى التخلي عن الاهتمام بالمستعمرات، لمواجهة تسلح ألمانيا والمطالبة بحقها في مكان تحت الشمس. ودافع تشرشل، الذي كان قد تسلم رئاسة الوزارة قبل عام، بحماس، عن قراره في وجه خصوم أشداء. وبدفاعه عن سحب الأسطول الملكي من المستعمرات وتمركزه في المياه الوطنية وكان تشرشل ينطلق من استراتيجية كبرى وضعت بريطانيا في ذروة القوة الكونية. فمن خلال إنشاء امبراطورية محمولة بحراً وتجنب التورط في أوروبا، بناء على استراتيجية وصفت بالانعزالية الرهيبة، استطاعت بريطانيا تحقيق هذا الموقع المهيمن. لقد شجع نجاح هذه الانعزالية الرهيبة كثيراً من البريطانيين على الدفاع عن أفكار الامبراطورية وسيادة البحر، ولم يكن غريباً ان تواجه البحرية الملكية معارضة شديدة عندما بدأت في عام 1904 ـ 1905 باستدعاء أسطولها الى المياه الوطنية على حساب قوة الأسطول في الموانئ الخارجية، وقد عارضت وزارتا الخارجية والمستعمرات، اعادة الانتشار هذه التي رأتا انها تهدد المصالح والسياسة البريطانية في المستقبل المنظور، وتعرض للخطر مستعمرات الهند وسنغافورة واستراليا والشرق الأوسط، وتوجه ضربة لهيبة بريطانيا واقتصادها اذا ما تفككت الامبراطورية. لكن البحرية البريطانية لم تتراجع عن قرارها. فخلال العقد الأول من القرن العشرين، كانت الساحة الأوروبية تشهد ثورة هادئة في ميزان القوى، وتعين على بريطانيا مراقبة هذا الميزان حتى وهي تبني امبراطورية بحرية كبيرة. فقد بدأت ألمانيا، التي أصبحت منذ عام 1871 فقط دولة موحدة، برنامجاً بحرياً في نهاية القرن لبناء أسطول حربي ينافس نظيره البريطاني، ولم تجد بريطانيا مناصاً من اعطاء برلين التأثير الذي تريد. كان القيصر ويلهيلم الثاني من خريجي البحرية الملكية البريطانية، ورأى ان على ألمانيا ان تحتل موقعاً بين دول العالم الكبرى وان تتمتع بمكانة سياسية تتناسب مع قوتها الاقتصادية المتنامية. أعد خطة البرنامج الأدميرال الفرد فون تيربتز وأقنع الرايخستاغ بتمويله وحقق للقيصر طموحه بعد ان هزم المعارضين له. وفي عام 1898 أقر بناء 19 سفينة حربية، ثم ارتفع العدد بعد ذلك الى 39 سفينة. ولم ترد بريطانيا مباشرة على هذا البرنامج لأنها كانت تركز على حماية الامبراطورية. ثم نشبت حرب البوير في جنوب أفريقيا في عام 1899 وأدت الى نضوب في المصادر أكثر مما كان متوقعاً. ثم واجهت المستعمرات البريطانية تهديداً من قوى أخرى، وبشكل خاص الولايات المتحدة وروسيا. فقد هددت القوة الأميركية المتنامية كندا والسيادة البحرية البريطانية في غرب الأطلسي، بينما هددت شبه القارة الهندية التي كانت تعتبر جوهرة التاج البريطاني. قررت الحكومة البريطانية ان مهمة الجيش ليس الدفاع عن الشواطئ البريطانية وانما حماية أجزاء الامبراطورية البعيدة، والهند بشكل خاص. ومع حلول عام 1906 ـ 1907 شهدت خريطة بريطانيا للعالم تغيراً دراماتيكياً، فاتفق على اعطاء الأولوية للتهديد الألماني ثم الالتفاف بعد ذلك للأخطار الأخرى. وللرد على التهديد الألماني، شكلت بريطانيا وفرنسا وروسيا تحالفاً غير رسمي، عرف باسم التعايش الثلاثي. ثم غيرت بريطانيا من سياسة عدم التدخل في أوروبا وبدأت في بناء قوة لنقلها عبر القنال الانجليزي للانضمام لحلفاء بريطانيا في مواجهة التقدم الألماني، فأكدت بذلك ان مهمة الجيش البريطاني تكمن في أوروبا وليس في الهند، ثم بدأت في سحب البحرية الملكية من المياه الامبراطورية. وسهل هذه المهمة نجاح المسعى البريطاني في تحقيق تقارب مع الولايات المتحدة، حيث تقلّص الوجود البحري البريطاني في غرب الأطلسي. ثم وّقع تشرشل الاتفاق مع باريس وأكمل عودة الأسطول الى المياه البريطانية على أمل العودة الى المواقع السابقة بعد القضاء على الخطر الطارئ، وقال: (من الغباء ان نخسر انجلترا ونحمي مصر). كان من شأن الخطر الألماني ان يؤدي الى اعادة النظر في الاستراتيجية البريطانية، كما حدث في العقد الأول من القرن العشرين، الا ان هذا الأمر لم يحدث، ذلك ان وزارة الخزانة عارضت ذلك، رغم ظهور مؤشرات عدائية من ألمانيا واليابان في بداية الثلاثينيات، بدعوى ان بريطانيا غير قادرة اقتصادياً ومالياً على الانخراط في حرب كبيرة. الا ان لجنة الدفاع الملكية قررت في عام 1932 ان حرباً كبرى لم تعد أمراً مستبعداً، لكن الحكومة رفضت اعتماد المخصصات المالية، وقد كان الوضع من السوء لدرجة ان ذخائر المضادات الجوية على أسطول البحر المتوسط لم تكن تكفي لأسبوع، كما ان بريطانيا كانت تنفق أربعة بالمئة من الناتج القومي على الدفاع مقارنة مع 13 بالمئة في ألمانيا. يضاف الى ذلك ان استعدادات بريطانيا لوقف ألمانيا لم تكن كافية، ولم يحدث الا في عام 1939م عندما غزا هتلر ألمانيا ان بدأت بريطانيا في بناء جيش للتدخل في أوروبا. وحتى بعد الاحتلال الألماني للنمسا وضم مئة ألف جندي نمساوي للجيش الألماني، ظلت الحكومة البريطانية عند رأيها القائل بأن ليس لجيشها أي دور أوروبي. وأخيراً، وبعد سقوط تشيكوسلوفاكيا في مارس 1939م، أقنعت الحكومة وزير الخزانة شمبرلين، الذي أصبح رئيساً للوزراء، بالبدء في الاعداد لارسال قوات الى فرنسا، لكن القرار جاء متأخراً حيث كانت معنويات القوات محطمة ولم تفعل بريطانيا شيئا لوقف الجيش الألماني من احتلال أوروبا الغربية في عام 1940. وتحت ضغوط الاقتصاد المتردي وكوابيس الحرب العالمية الأولى، أخذ البريطانيون يعتقدون ان بالامكان تجنب المواجهة مع ألمانيا النازية والانسحاب الى داخل امبراطوريتهم وابقاء هتلر بعيداً من خلال استيعاب شهوته في العدوان والتخويف. واستسلم شمبرلين الى هتلر في اجتماع ميونيخ في أيلول 1938م لأن جيشه كان ضعيفاً ولا يقوى على مواجهة القوات الألمانية. وفي تبرير ذلك قال رئيس الأركان: (ان شن حرب على ألمانيا سيجعلنا مثل رجل يريد ان يظهر شجاعته من خلال التلويح بذيل نمر جاهز للقفز عليه قبل ان يحشو بندقيته). آفاق الحاضر هذه الاطلالة التاريخية تقدم درساً أراد الأميركيون تجاهله، وهو ان الدول الكبرى، مثل الولايات المتحدة، بحاجة الى استراتيجية سليمة اذا ما أرادوا حماية أنفسهم والحفاظ على النظام العالمي الذي عملوا بجد من أجل بنائه، لان أي تجاهل للمخاطر سوف يؤدي الى تركيع حتى أكبر الدول. فقبل الحرب العالمية الأولى، كانت بريطانيا تتمتع بتفوق بحري واقتصادي جعلها تعتقد بأنها لا تقهر. ومع ذلك، رد البريطانيون بسرعة على بروز ألمانيا فعدلوا استراتيجيتهم على هذا الأساس، الا أنهم خلال فترة الحرب انخدعوا بأولوياتهم وتمسكوا باستراتيجية عتيقة بعيدة عن الواقع فجاءت سنوات الثلاثينيات بنتائج مدمرة. واليوم تدعي أميركا امتلاك قدرة على تشكيل مستقبل السياسات الدولية اكبر من أية دولة أخرى في التاريخ. وهي تتمتع بتفوق عسكري واقتصادي وتقني وثقافي. فهي تتفوق عسكريا على كل الخصوم، كما ان قوة الدولار وحجم اقتصادها يعطيها وضعاً حاسماً في قضايا التجارة والمال، والعولمة تمكن شركاتها متعددة الجنسيات من اختراق كل الأسواق، وثورة المعلومات جعلت شركاتها ووسائل اعلامها وثقافتها تصل الى مديات غير مسبوقة، وفي كل مكان في العالم تعتمد الحكومات والشعوب على قرارات واشنطن. وتوفرت هذه الفرص لأميركا من التغيرات الجيو ـ سياسية الناجمة عن نهاية الحرب الباردة، ولكن يبدو أنها تفوت هذه الفرص. فهي تملك القدرة على تشكيل المستقبل، الا أنها لا تملك استراتيجية كبرى، أو خطة لتوجيه سفينة الدولة. وبدلا من اعداد رؤيا جديدة لنظام عالمي والعمل مع شركائها لتحقيقها، الا ان الولايات المتحدة تتخبط، انها قوة عظمى تائهة كما يتضح من ممارساتها المتناقضة وغير المتجانسة. في مطلع التسعينيات، أعلنت وزارة الدفاع أنها لن تقبل بأي تحد للتفوق الأميركي متعهدة بمنع ظهور أي منافس جديد. لقد انتهت الحرب الباردة، الا ان أميركا تريد ان تظل الحامي للنظام العالمي. وثبت بسرعة ان هذا الهدف سهل كلاميا، لكنه صعب التطبيق. فقد تراجعت ادارة بوش الأولى عندما واجهت احتمالات تدخل عسكري في البلقان مفضلة ترك الأمر للأوروبيين الذين عجزوا بدون مساعدة أميركية عن وقف سلوبودان ميلوسيفيتش من تشريح البوسنة. ثم تعهد بيل كلنتون في حملته الانتخابية بوضع حد للمذابح العرقية، لكنه غيّر رأيه عندما وصل الى البيت الأبيض. أما كولن باول، عندما كان رئيساً للأركان المشتركة، فحاول التخلي عن مسئولية ارسال قوات أميركية الى البلقان. واستمر سفك الدماء عامي 1993 و1994 وسكت كلينتون واكتفى بالفرجة. بعد ترك باول لموقعه، ارتفع كلنتون الى مستوى المسئولية واستطاعت القوات الأميركية، اعادة السلام الى البوسنة وكوسوفو. لكنه بمعالجته الدوافع الأنانية بدلاً من الانسانية من وراء هذا التدخل، خلق كلينتون أجواء ضبابية بخصوص الظروف التي قد تستخدم فيها أميركا القوة، واقترب من اقتراح عقيدة جديدة يلتزم بها في المستقبل: (وليس فقط من الولايات المتحدة أو الناتو، وانما من دول العالم الرئيسية من خلال الأمم المتحدة. وبينما ظلت هناك صراعات عرقية ودينية في العالم فان المجتمع الدولي يملك القوة لوقف المذابح والتطهير العرقي). لكن المشكلة هي ان البلقان كانت استثناء حيث تدخلت الولايات المتحدة، بينما استمرت الصراعات في التسعينيات في رواندا وتيمور الشرقية والسودان وسيراليون وأماكن أخرى. وزيرة الخارجية آنذاك، مادلين اولبرايت، التي كانت تعي هذه المعايير المزدوجة، حاولت تفسير رسالة بيل كلينتون عندما قالت: (البعض يأملون والبعض خائفون بأن كوسوفو سوف تكون سابقة لتدخلات مماثلة حول العالم. وأنا أحذر من مثل هكذا استنتاجات). تعميق التناقض لقد أدت حروب البلقان الى مزيد من التناقضات في السياسات الأميركية، فالكونغرس اعترض على اعتماد أوروبا على القوة العسكرية الأميركية لاحلال السلام في المنطقة مطالباً الاتحاد الأوروبي بمعالجة عدم التوازن داخل حلف الأطلسي، وبانسحاب الولايات المتحدة وتسليم البلقان للأوروبيين الذين تلقوا هذه الرسائل وبدأوا في بناء قوة قادرة على العمل بدون مساعدة أميركية، لكن واشنطن ردت بازدراء محذرة من اعتماد الاتحاد على نفسه حتى لا يدمر حلف الناتو، وطالبت بدلاً من ذلك بتحمل جزء أكبر من العبء الدفاعي وعندما استجاب الاتحاد شعرت بالامتعاض. أما سياسة أميركا تجاه روسيا فلم تكن أفضل حالاً. فقد اعتاد كلينتون القول بأنه يريد دمج روسيا الديمقراطية في المجتمع الغربي، لكنه ركز بدلاً من ذلك على توسيع حلف الناتو في وسط أوروبا وقربه من حدود روسيا، وأرسل لها تطمينات بأنه لا يريد بها شراً، ولكن الولايات المتحدة ما كانت لتجلس صامتة لو ان روسيا شكلت تحالفا مع كندا والمكسيك وبدأت في بناء منشآت عسكرية على الحدود الأميركية. وكانت سياسة كلينتون تجاه الصين متناقضة أيضا مع أنها كانت شريك أميركا الاستراتيجي، وبدلاً من بناء هذه الشراكة الاستراتيجية، الا ان الادارة الأميركية السابقة اختارت المواجهة مثل ارسال سفن حربية باتجاه تايوان وبناء نظام دفاعي صاروخي مما حفز الصين على زيادة ترسانتها النووية. والمبادئ كانت مشوشة مثل حال السياسة. فالادارة الأميركية أعلنت أنها ملتزمة بالليبرالية العالمية والمؤسسات متعددة الجنسيات ونظام دولي متفق عليه وغير مفروض بالقوة. لكن الأفعال كانت مغايرة للأقوال حيث اختارت الولايات المتحدة مواقف انفرادية عندما عارضت اتفاق كيوتو لحماية البيئة في عام 1997 واتفاق حظر الألغام الأرضية ومحكمة الجزاء الدولية. وتعمق هذا التوجه الانعزالي بعد وصول جورج بوش الى الرئاسة، اذ لم يمض على وصوله ستة اشهر حتى انسحب من اتفاق كيوتو وأعلن عن نيته الانسحاب من معاهدة الحد من الصواريخ العابرة للقارات ومن معاهدة عام 1972 لحظر الأسلحة البيولوجية. وأعرب الأصدقاء والأعداء عن معارضتهم لهذه المواقف وتعهدوا بكبح جماح أميركا الهائجة. وتمادت ادارة بوش في سياستها الانعزالية والانفرادية، فقد وعد بوش في البداية بالحد من التزامات أميركا الخارجية والتركيز على الشأن الداخلي وعلى أميركا اللاتينية، كما خفض من مستوى المشاركة الأميركية في عملية سلام الشرق الأوسط وايرلندا الشمالية. وقام كولن باول بخفض طاقم المبعوثين الخاصين في ادارة الرئيس السابق من خمسين عضواً الى خمسة وثلاثين. واصبح التناقض سمة يومية للسياسة الأميركية. وتطبيقا لوعد التركيز على أميركا اللاتينية قام بوش بأول رحلة خارجية الى المكسيك للالتقاء بالرئيس فنسنت فوكس والاتفاق على شراكة جديدة. وقبل الاجتماع بقليل قامت الطائرات الأميركية بقصف العراق مما أثار امتعاض الرئيس المكسيكي الذي كان في موقف محرج حيث تركزت الأضواء على الاجراء الأميركي بدلاً من موضوع القمة. وأحدثت الزيارة خيبة أمل في المكسيك. أما كوريا الجنوبية فكانت الضحية التالية لاستراتيجية ادارة بوش غير المتجانسة. فقبل اجتماع الرئيس كيم داي جونغ مع بوش في مارس 2001، أعلن باول ان ادارته تنوي مواصلة سياسة بيل كلينتون في تحقيق التقارب والمصالحة بين الكوريتين نظير تخلي بيونغ يانغ عن تصدير تكنولوجيا الصواريخ وانتاج الصواريخ طويلة المدى. لكن بوش اتخذ موقفاً مغايراً عندما أبلغ ضيفه المندهش بأنه لا ينوي مواصلة اتفاق الصواريخ لعدم تيقنه من التزام كوريا الشمالية بجميع بنوده. بعد الاجتماع اعترف البيت الأبيض بأنه لم يوقع سوى اتفاق واحد في كوريا الشمالية في عام 1994 لوقف العمل في المفاعلات الكورية التي كانت تنتج مواداً تستخدم في صنع الأسلحة الذرية. وفي صيف 2001 غيرت واشنطن من مسارها مرة أخرى معلنة استعدادها لفتح حوار مع كوريا الشمالية. ثم جاءت هجمات 11 سبتمبر كمثال آخر على التخطيط الاستراتيجي الأميركي. فقد فشلت ادارتا كلينتون وبوش في الاستعداد لمواجهة تحذيرات متكررة بأن عليهما ان يتخذا اجراءات لمواجهة أخطار محدقة لن توقفها القوة العسكرية ولا أقمار التجسس وتقنية التنصت. ووجدت هذه الادارة فرصة في هجمات 11 سبتمبر للتركيز على محاربة الارهاب، لكن بوش بدا مهتزاً وهو يواصل هذه الحرب من أفغانستان الى مواقع أخرى. ولنأخذ مثالاً على ردة فعله على العمليات العسكرية الاسرائيلية في الضفة الغربية في ربيع عام 2002، عندما دافع عن حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها، ثم غير رأيه طالبا منها الانسحاب بدون تأخير. الا انه عاد ليقف الى جانب ارييل شارون واصفاً اياه برجل السلام. وفي الواقع فان أميركا عملت بجد للحفاظ على الاستقرار العالمي وعلى أمن ورفاهية مواطنيها، لكنها لا تعرف الى أين تسير ولا كيف تصل الى حيث تريد لأنها لا تملك استراتيجية كبرى محكومة بمبادئ. والانكى من هذا التذبذب هو روح اللامبالاة السائدة. فخلال التسعينيات بدت أميركا قانعة بالأمر الواقع حيث قام حلف الناتو بواجبه في الحفاظ على سلام أوروبا في الحرب الباردة وحصد النتائج من تفكك الاتحاد السوفييتي الذي كان السبب في انشائه. وأدى هذا الوضع الى زيادة عدم اهتمام الطبقة السياسية بالمشاركة الأميركية الخارجية وانخفضت تغطية القضايا الخارجية بشكل كبير في مختلف وسائل الاعلام، ولذلك وجد كلينتون صعوبة في اقناع الرأي العام والكونغرس بصوابية توسيع حلف الناتو، واظهر استطلاع للرأي ان 10 بالمئة فقط من الشعب الأميركي يعرفون اسم بلد واحد من بين البلدان المرشحة للعضوية. وظهرت هذه اللامبالاة في قرار مجلس الشيوخ برفض مخصصات لارسال قوات برية ليوغوسلافيا، وفي رفضه لمعاهدة حظر التجارب الذرية مما وجه لطمة لسياسة كلينتون ولمصداقية الولايات المتحدة. وعندما وقعت هجمات 11 سبتمبر، اعتقد كثيرون بأن هذه التوجهات سوف تتوقف. من جانبها كانت الدول الأوروبية الحليفة تدعو الى توخي الحذر خوفاً من تعرضها لضربات من الحركات الاسلامية الراديكالية. ولهذه الأسباب فان التضامن الدولي مع أميركا ليس متجذراً، كما ان مسألة الارهاب لن تخلص أميركا من سياستها الأحادية لأنه في حال ازدياد أعباء الهيمنة واقتناع الأميركيين بأن التزاماتهم الخارجية تتم على حساب أمنهم الداخلي، فانهم سيبدأون في التساؤل اذا ما كان الاشتباك العالمي يستحق هذا العناء. والأخطر من ذلك ان أميركا تفتقر الى جيل شاب من المخططين الاستراتيجيين، كما ان الجامعات ومراكز الأبحاث لا تشجع التفكير الاستراتيجي مما أدى الى جدب فكري وتركيز على ثورة الانترنت وسياسات السوق. ومع ان أعضاء فريق بوش يتمتعون بخبرة حول القضايا الجيو ـ سياسية والاستراتيجية، الا انهم فشلوا منذ البداية في الاتفاق على أرضية مشتركة حول قضايا العمل اليومي، فوزير الدفاع دونالد رامسفيلد يدافع عن برنامج الدفاع الصاروخي، بينما يدعو كولن باول الى التروي بهذا الخصوص، فيما تحبذ كوندوليزا رايس سحب القوات الأميركية من البلقان، لكن باول لا يشاركها الرأي.أما نائب وزير الدفاع بول وولفوتز فقد أراد الاطاحة بالرئيس العراقي من خلال تسليح المعارضة، لكن باول دعا الى تخفيف العقوبات عن الشعب العراقي. ويتألف فريق بوش أساساً من محاربي ما بعد الحرب الباردة المؤهلين للتعامل مع أخطار الماضي وليس الحاضر أو المستقبل، وأدت مواقفهم من الدرع الصاروخي والمواجهة مع الصين وقضايا البيئة والعولمة الى استعداء أوروبا وآسيا على حد سواء. آماد المستقبل من المفيد عند معالجة الخلل الاستراتيجي الأميركي ان نعرف معنى الاستراتيجية الكبرى. ذلك ان رسم مثل هذه الاستراتيجية المستقبلية يستدعي رسم خريطة العالم. والمهم في هذه الخريطة ليس المعالم الجغرافية، وانما الخطوط الجيو ـ سياسية المختلة وتحديد نقاط الصراع والقوى المتصارعة التي قد تؤدي الى نشوب الحروب. والتحدي هنا ليس فقط تعيين هذه النقاط وانما كيفية التغلب عليها، والتخفيف من عواقبها المدمرة على أقل تقدير. ومن الأمور التي تصعب من المهمة ان استراتيجية الماضي قد لا تكون مناسبة للحاضر وقد تؤدي الى مزيد من التعقيدات. ومع ان الحوار ظل يدور داخل الحكومة الأميركية حول هكذا استراتيجية منذ نهاية الحرب الباردة، الا ان رؤية مفكرين خارجيين كانت أفضل من رؤية هذه الحكومة. فهل كان فرانسيس فوكوياما محقاً في كتابه (نهاية التاريخ والانسان الأخير) بأن الليبرالية الديمقراطية تعصف بالعالم مما يجعل الفارق بين الأنظمة الديمقراطية وغير الديمقراطية آخر نقاط الصراع الكوني؟ وهل كان صمويل هنتنغتون محقاً في كتابه (صدام الحضارات واعادة تشكيل النظام العالمي) عندما يقول بأن الفروقات الثقافية هي التي تحدد الخطوط الجيو ـ سياسية وأن الصراع بات وشيكاً بين الأديان؟ أم ان توماس فريدمان كان مصيباً في (الليكسوس وشجرة الزيتون) عندما قال بأن العولمة غيرت القوانين الى الأفضل وقسّمت العالم بين المشاركين فيها والمعارضين لها؟ لقد قدم هؤلاء الكتاب وآخرون رؤى منافسة لخارطة أميركا لعالم القرن الحادي والعشرين. ولكل هذه الرؤى على حسناتها، الا أنها كلها خاطئة لأنها تقدم خرائط مؤقتة للعالم تظل صالحة طالما ظلت الولايات المتحدة هي المهيمنة. أما بالنسبة لخارطة هذا الكتاب، فان العامل الرئيسي في النظام العالمي هو توزيع القوة وليس الديمقراطية أو الثقافة أو العولمة أو أي شيء آخر. اننا نعيش اليوم في عالم أُحادى القوى متمثلاً في أميركا وفي هيمنتها على العالم. وعندما تملك دولة واحدة قدرات اقتصادية وعسكرية أكثر من الدول الأخرى، فان النظام يصبح أحادى القطب، ويصبح ثنائي القطبين عندما توجد دولتان بحجم متساو. وعندما توجد ثلاث قوى أو أكثر فان العالم يكون متعدد الأقطاب. ففي العالم ثنائي القطبين أيام الحرب الباردة، أو العالم متعدد الأقطاب في الثلاثينيات كان الصراع لا يتوقف. أما في العالم ذي القطب الواحد فلا يوجد صراع بين القوى الكبرى لأنه ببساطة لا توجد سوى قوة واحدة. ولذلك، يجب ان لا نندهش لأن المحللين يجدون صعوبة في الاتفاق على نقاط الصراع الجيو ـ سياسية، لأنها غير موجودة. فلو ان هذه النقاط وجدت بين القوى القطبية، ولا يوجد اليوم سوى قوة واحدة، فمعنى ذلك ان لا وجود لهذه النقاط لأن أميركا هي اللاعب الوحيد على الساحة.لكن المشكلة تكمن في ان لحظة القطبية الأميركية والاستقرار الدولي المرتبط بها لن يدوم طويلاً. فلدى أوروبا الآن سوق مشتركة وعملة مشتركة وتتحدث غالباً بصوتٍ واحد. كما ان حجم اقتصاد أعضاء السوق الأوروبي الخمسة عشر مجتمعةً يقترب من اقتصاد الولايات المتحدة وقد يتغير الميزان لصالح أوروبا مع دخول أعضاء جدد في الاتحاد. وقد بدأ الاتحاد الأوروبي جهوداً لبناء قوة عسكرية قادرة على العمل بدون مشاركة أميركية. وهذه الاجراءات سوف تجعل أوروبا أكثر استقلاليةً وأقل اتباعاً لأميركا. يضاف الى ذلك، ان قوة روسيا واليابان والصين سوف تتحول تدريجياً لغير صالح القوة الأميركية. ولن ينجم ضعف الهيمنة الأميركية من بروز مراكز قوى بديلة فحسب، وانما أيضاً من متاعب أعباء السيطرة العالمية. فالولايات المتحدة لن تتبع سياسة خارجية طموحة كسياسة الحرب الباردة طالما لم تواجه خصماً رئيسياً وظلت تواجه خطراً ارهابياً من الأفضل مواجهته من خلال تجميد الحسابات البنكية بدلاً من القذائف. وسوف يؤدي تراجع الهيمنة الأميركية الى تنافس دولي بين مراكز القوى الرئيسية على الملكية ومناطق النفوذ والمواقع السياسية وسوف تحل الفوضى مكان الاستقرار الذي وفرته أميركا العظمى. على الأميركيين، شاءوا أم أبوا، ان يعوا المخاطر الطارئة التي سترافق نهاية الهيمنة الأميركية، فاقتصادهم مرتبط بالأسواق العالمية التي أصبحت أكثر انفتاحاً وتنافساً، وسوف يعانون كثيراً اذا ما عادت الحمائية والاقتصاديات القومية. إن السياسيين والباحثين يستبعدون نشوب حرب كبرى، لكن هذا الاستنتاج خاطئ اذا ما أخذنا العبرة من التاريخ، وسوف تجلب نهاية الهيمنة الأميركية معها عالماً بشعاً وغير متوقع، وعلى الأميركيين ان يستغلوا فرصتهم الحالية لاعداد استراتيجية كبرى لادارة العودة الى عصر متعدد الأقطاب.