الجمعة 11 محرم 1424 هـ الموافق 14 مارس 2003 أثار حكم قضائي في مصر بإلزام أب بالاعتراف بنسب طفله الرابع إليه قضية شرعية أو عدم شرعية تنظيم النسل والحالات التى لا يجوز فيها اثبات النسب وعدم اثباته. واستنكر العلماء موقف الأب الشاذ مؤكدين ان هذا الموقف ناتج عن ضعف الإيمان والجهل لأن النسب من القضايا الجوهرية فى الشريعة الإسلامية وهو ليس من حق الزوج فقط وانما من حق الأبن والزوجة والمجتمع أيضا. وكان الأب قد برر رفضه الاعتراف بابنه الرابع أمام المحكمة بأنه كان قد اتفق مع زوجته على انجاب ثلاثة أبناء فقط لكنها خدعته ورفضت استعمال أية وسيلة من وسائل تنظيم الأسرة دون ان تخبره بذلك ولهذا قرر عدم الإعتراف بهذا الابن. الدكتور زكي عثمان الأستاذ بكلية الدعوة الإسلامية جامعة الأزهر أكد ان موقف هذا الأب يدل على الجهل والأنانية وضعف الإيمان وعدم الثقة فى رزق الله وقدرته على خلق ما يشاء وانه كان من الممكن ان يحرمه الله من الإنجاب أصلا موضحا أنه كان والأحرى بهذا الزوج أن يحمد الله على أنه لم يجعله عقيما ورزقه بالبنين والبنات وتلك نعمة لا يشعر بها إلا من حرم الإنجاب. وأشار إلى ان بعض المسلمين يفهمون مصطلح تنظيم الأسرة بمعنى خاطئ ويرون ان معناه انجاب طفلين أو ثلاثة فقط هذا ليس التنظيم الذى أجازه العلماء وانما هو تحديد النسل المنهى عنه مؤكدا أن تنظيم النسل جائز شرعاً وهو بمعنى المباعدة بين الولادات واستخدام وسائل لمنع الحمل لتحقيق هذا الهدف أما التحديد فحرام باتفاق العلماء. وقال ان هذا الأب اما انه يفهم تنظيم الأسرة بطريقة خاطئة واما انه يريد تحديد نسله بعدد محدد من الأبناء وهذا حرام موضحا ان اجبار النساء على منع الحمل عن طريق التحديد ـ سواء بإصدار قانون او غير ذلك ـ له أضرار كثيرة فقصر الانجاب على عدد معين من الأطفال بنص القانون سيؤدي الى كثرة حالات الاجهاض وهو محرم شرعا بصوره المختلفة وبالتالى فالغالبية لا تقبل تحديد النسل سواء من خلال سن قانون أو غير ذلك بالإضافة إلى أن حرمان الأسرة التي لم تلتزم بانجاب عدد معين من الأطفال من بعض الامتيازات أو من الدعم سواء فى الخدمات الصحية أو التعليمية أو المعيشية جريمة في حق الأسرة والطفل على حد سواء ومخالفة لمبادئ الدين والدستور التى تنص على المساواة. عقد الزواج ومن جانبه أكد الدكتور محمد كمال امام استاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة الأسكندرية ان عدم اثبات النسب اما ان يتم عن طريق اللعان أى يلاعن الزوج زوجته بالزنا أو يثبت عليها جريمة الزنا وليس له وسيلة آخرى وإلا سيلحق الولد بهذا الزوج رغما عن أنفه. وقال ان قانون الأحوال الشخصية المصرى مستمد من الشريعة الإسلامية ولا يخرج عنها وبالتالى فالأبن يلحق بأبيه إلا اذا تقدم الزوج بدعوى إلى المحكمة يدعى ان الطفل أنجب من خلال علاقة غير شرعية فإذا لم تعترف الزوجة بالزنا وأنكرت حدوث ذلك فيتم اللجوء إلى اللعان خاصة إذا لم يكن هناك شهود على هذا الإدعاء وكذلك إذا لم يكن لدى الزوجة شهود لنفيه مشيرا إلا انه بناء على التلاعن يفرق بين الزوجين ولا يلحق الولد بأبيه. وأشار إلى ان الطفل فى تلك الحالة ينسب لوالدته وهناك حالات موجودة بالفعل لكن لها أسماء قانونية أى يتم اختيار أسماء رباعية ـ أى ينسب الطفل لأب وهمى ـ لمثل هؤلاء الأطفال كناحية تنظيمية وحتى لا يشعروا بالحرج بين أبناء المجتمع لكن اسم الأم يثبت صحيحا. وأوضح انه طالما هناك عقد زواج فسوف يثبت النسب إلا اذا قدم الزوج دعوى زنا شرعية وتم اثبات الزنا أو تم التلاعن بين الزوجين فيما عدا ذلك سوف يثبت النسب لوجود وثيقة زواج وعقد شرعى وهذا كاف لإثبات النسب فالمسألة ليست خاضعة لرغبة الزوج وانما وفقا للقاعدة الشرعية: «الولد للفراش» وهذه القاعدة مطبقة فى المحاكم. وقال الدكتور كمال امام ان مثل هذا الأب لا أخلاق له ولا دين ويفتقد عناصر أساسية تقتضيها الأبوة مشيرا إلى ان المحاكم لا تنظر لهذه الجوانب وانما تتعامل وفق قواعد شرعية وقانونية تطبقها على الوقائع التى تعرض عليها. إمكانية اللقاء وأوضح الدكتور أحمد طه ريان استاذ الفقه بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر ان عدم اثبات النسب لا يكون إلا اذا لم تكن هناك فرصة لإلتقاء الطرفين ـ الزوجين ـ كأن يكون الزوج فى بلد آخر ولم يلتق بزوجته منذ عدة سنوات وليس مدة الحمل فقط لأن الإمام أباحنيفة يرى ان المرأة اذا طلقت من زوجها وانجبت خلال سنتين من الطلاق ينسب الولد إلى أبيه ويحدد الإمام الشافعى هذه المدة بأربع سنوات ومالك يجعلها ست سنوات مؤكدا ان الشارع حريص على نسبة الأبناء إلى آبائهم مادام هناك فرصة لهذا النسب لأن الولد اذا لم ينسب إلى أبيه يفقد أحد أبويه وتصبح تلك معرة يواجهها طوال حياته بل قد يصبح خطرا على المجتمع وأمنه واستقراره. وقال مادامت وجدت فرصة للقاء بين الزوجين ينسب الولد إلى أبيه اما اذا لم تتوافر امكانية اللقاء فلا يتحقق النسب أيضا اذا اعترفت المرأة بأن هذا الحمل ليس من زوجها وكذلك اذا ضبطت فى حالة زنا وثبت الزنا بأربعة شهود عدول وادّعى الزوج ان الولد الذى فى بطنها ليس منه وهذه الحالة الأخيرة من الصعب حدوثها او تحققها بالمقارنة بالحالتين السابقتين عدم اللقاء والإعتراف بالزنا. وأضاف د. ريان قائلا أما حالات الطعن فى النسب بسبب التشكك فى سلوك الزوجة أو اتهامها بالزنا دون توافر أدلة على ذلك فهذا صعب اثباته خاصة مع وجود قاعدة الولد للفراش وبالتالى اذا ادعى رجل أن ما فى بطن زوجته ليس منه لا يصدق لأن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ حكم بأن الولد للفراش حتى لو ثبت على الزوجة الزنا لأنه لا أحد يستطيع ان يثبت أن الولد نتج عن واقعة الزنا ولم ينتج من جماع الرجل لزوجته الذى يعاشرها باستمرار. وأشار إلى انه اذا حملت إمرأة غير متزوجة ولم تأت بسبب معقول لهذا الحمل فى تلك الحالة لا ينسب الولد لأحد وينسب لأمه فقط موضحا ان مطالبة هذا الرجل بعدم اثبات نسب ابنه لأن زوجته لم تستخدم موانع الحمل مجرد كلام فارغ لا يعتد به لأننا لو فتحنا الباب لمثل تلك الإدعاءات فإن كل انسان يغضب من زوجته ينسب أبناءها إلى الزنا. وخلص د. ريان إلى القول ان هذا الزوج ينبغى ألا يقف فى طريق نسب ابنه إليه وان يؤمن بأن الله رازقه اذا كان يخاف ضيق الرزق وألا يخاف الفقر فكل دابة فى الأرض على الله رزقها فالمسلم يؤمن بأن الأرزاق بيد الله ـ سبحانه وتعالى ـ ويهيء لها الأسباب وقد يكون هذا الولد سببا فى سعة رزق أبيه وأهله. اثبات بشبهة وقال الدكتور عطا السنباطى استاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر ان الشريعة الإسلامية حصرت حالات عدم ثبوت النسب فى ابن الزنا والتبنى وعند وقوع اللعان مشيرا إلى ان الشارع الحكيم يتشوف لثبوت النسب ويحتاط له ولا يحتاط عليه فيثبت النسب بأدنى شبهة رعاية لمصلحة الطفل وحفاظا على نسبه من الضياع وقد ذكر العلماء ان النسب يثبت بالفراش وقال بعضهم ان النسب يثبت بمجرد عقد الزواج واشترط البعض الآخر امكان الإلتقاء بالمراة واكتفى بعضهم بالعقد حتى ولو لم يكن اللقاء متصورا وهذا رعاية لمصلحة الأبناء. وأوضح ان النسب يثبت بالفراش وبالعقد وبالإقرار وكذلك بالبينة وشهادة الشهود وبالقائف أى تتبع الصفات والحاقها ببعضها ـ وهذا شبيه اليوم بالبصمة الوراثية وتحليل ءخ ـ وهذا كان موجودا فى عصر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بل يروى ان الإمام على ألحق النسب بالقرعة عندما تنازع اثنان على طفل وتساوت أدلتهما فأقرع بينهما ولم يضيع نسب الطفل وهذه هى الوسائل التى كانت متاحة فى عصرهم بخلاف هذا العصر الذى نعيش فيه حيث التقدم العلمى الكبير لدرجة أن إمكانية الوقوف على الأنساب أصبحت سهلة من خلال البصمة الوراثية أو ءخ. وأشار إلى انه لا يجوز للزوج فى تلك الواقعة ان ينفى النسب لأن النسب كما هو حق للزوج فهو حق للابن وحق للزوجة وللمجتمع ولا يجوز للزوج ان يضيع كل تلك الحقوق لأنه لا يملكها مؤكدا انه لا يجوز شرعا للزوج ان ينفى نسب ابنه حتى فى حالة تشككه فى سلوك زوجته لأن النسب لا ينفى بمجرد الشك وحتى ينتفى النسب فلابد من التحقق من زنا الزوجة أو الملاعنة فيشهد الزوج أربع شهادات انه صادق فيما يرمى زوجته به من الزنا والقضاء يعمل باللعان وبناء عليه يفرق بين الزوجين ولا يقام الحد على الزوجة لقوله ـ تعالى: «ويدرأ عنها العذاب ان تشهد أربع شهادات انه لمن الكاذبين» كذلك لا ينفى النسب لمجرد الإتفاق على عدم الإنجاب لأن النسب وصف حكمى للشارع له أسبابه منها الزوجية والفراش وملك اليمين والشارع كما حدد الأسباب التى يثبت بها حدد الأسباب التى ينتفى بها وهو ليس حق للزوج إلا فى الحدود التى ذكرها الشارع كاللعان وعدم جواز التبنى ونحو ذلك