الخميس 10 محرم 1424 هـ الموافق 13 مارس 2003 ارتبطت شخصية «الحماة» في اذهان الكثيرين باسم الفنانة «ماري منيب» التي جسدت هذه الشخصية في أعمال كثيرة أشهرها «حماتي ملاك» و«حماتي قنبلة ذرية» و«الحموات الفاتنات»..ورغم اهتمام السينما بهذه القضية إلا أن الصراع بين الحموات والزوجات والازواج يختلف على أرض الواقع عنه في السينما التي أخذت منه الجانب الكوميدي.. أما الواقع فهو أكثر مرارة حيث يتحول الصراع في كثير من الأحيان إلى جرائم القتل مثلما حدث في أول أيام عيد الأضحى المبارك بمنطقة البساتين عندما تطورت مشاجرة عادية بين زوج وحماته بسبب خلاف حول مكان ذبح خروف العيد، حيث يرى الزوج أن يذبح داخل باب المنزل بينما تصر حماته على أن يذبح على ناصية الشارع حتى يعرف أهل الحي أنهم ذبحوا خروفا.. وتطورت المشاجرة إلى أن قالت الحماة للزوج أمام الجيران انها دفعت أكثر من نصف ثمن الخروف فما كان من الزوج إلا أن إنهال على رأس حماته بالساطور فقتلها. عام قتل الحموات! تؤكد إحصائيات وزارة الداخلية أن عدد جرائم قتل الحموات في العام الماضي 2002 وصل إلى «42» حالة منها «30» جريمة ارتكبتها زوجات و«12» جريمة ارتكبها الازواج.. وكان نصيب محافظة القاهرة منها «22» جريمة والاسكندرية «5» جرائم والاسماعيلية جريمتان فقط وكان نصيب محافظات الصعيد «4» جرائم..أما محافظات الوجه البحري فكان نصيبها «9» جرائم قتل للحموات.. وقد اشارت الاحصائيات إلى أن جرائم قتل الحموات زادت في العام الماضي بنسبة 50% حيث كانت في عام 2000 26 جريمة فقط.. أما في عام 1999 فقد كانت «25» جريمة وفي عام 1998 كانت «23» جريمة فقط.. وكانت في عام 1997 أيضا «23» جريمة.. وتشير نفس الإحصائيات إلى أن جرائم قتل الحموات كانت تسير بنفس المعدل في السنوات الثلاثين الماضية أي منذ أوائل السبعينيات إلا أن عام 1991 هو العام الوحيد الذي شهد ارتفاعا في هذه الجرائم حيث بلغت في هذا العام «40» جريمة.. وهذا ما يؤكد أن ارتفاع جرائم قتل الحموات في العام الماضي يعد ظاهرة تستحق الدراسة أمنيا واجتماعيا. الحماة في الأمثال صراع الحموات له تاريخ طويل يصعب تحديد بدايته حتى أن الامثال الشعبية المصرية تناولت هذا الصراع في مواضع كثيرة منها. «القط له سبعة أرواح والحماة لها أرواح سبع قطط» الحماة كموظف الحكومة الذي يجد مشكلة لكل حل والجنة تحت أقدام الامهات وجنهم تحت أقدامهن حين يصبحن حموات وأن تحب حماتك هي محاولة لتحويل البومه إلى حمامة وبيت الزوجية إلى مسرح.. حماتك تقوم فيه بدور المخرج والمؤلف والملقن وأنت تدفع ثمن التذاكر. ترى الدكتورة سامية خضر أستاذ الاجتماع أن الصراع بين الزوجة وحماتها صراع اجتماعي له تاريخ طويل خاصة في الريف وذلك كان يحدث نتيجة واقع اجتماعي نطلق عليه «الأسر المركبة» وهي التي تجمع الأم والاب والابناء والزوجات في مكان واحد «بيت العيلة» لكن هذا الشكل بدأ يتفكك في المدن نتيجة ضيق المساكن ورغبة الشباب في اقامة حياة خاصة وتكوين أسرة فرعية..ويبدو أن الصراع يعود من جديد بسبب أزمة المساكن حيث بدأت تعود فكرة «الأسرة المركبة» حيث يضطر الابن أو الابنة إلى الإقامة مع الاهل لعدم وجود مساكن وتضيف الدكتورة سامية أن وصول الصراع إلى حد إرتكاب جرائم القتل يحتاج إلى وقفة، خاصة أن قضية صراع الحموات لم تحظ بالدراسة الاجتماعية في أي من جوانبها وهذه فرصة علمية للقيام بدراسة هذه العلاقة المعقدة ومحاولة تقديم حلول للمشكلة. يشير اللواء منصور العيسوي مساعد وزير الداخلية الاسبق أن جرائم القتل التي ترتكب عادة بين أفراد الاسرة الواحدة تكون نتيجة تطور مشاجرة أو خلاف ما فيفقد أحد الاطراف وعيه وتحدث الجريمة أي أنه لا يتوافر فيها ركن سبق الإصرار والترصد.. لكن خلال السنوات الماضية لوحظ وجود نوعين من جرائم القتل داخل الأسرة الواحدة لا ينطبق عليهما هذا التصور النوع الأول هو جرائم قتل الازواج وهي سلسلة الجرائم التي احتلت مساحة كبيرة من اهتمام وسائل الاعلام منذ عدة سنوات وكانت هذه الجرائم تتم بالتخطيط والتدبير أي سبق الإصرار والترصد والنوع الثاني وهو ما نتحدث عنه وهو جرائم قتل الحموات حيث أنها أيضا غالبا ما تتم بتخطيط الزوجة لقتل حماتها..وأعتقد أن الاوضاع الاقتصادية المتدهورة تشكل سببا مهما في هذه الجرائم والتي تحتاج إلى دراسة أسبابها والعمل على الحيلولة دون وقوعها. ويرى الدكتور عادل مدني أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر أن العلاقة بين الزوجة وأم زوجها علاقة من النوع المعقد.. ففي بداية الزواج تشعر الحماة أن هذه المرأة الجديدة قد استحوذت على اهتمام ابنها كاملا فتبدأ في محاولة لفت انتباه ابنها وعندما لا يستجيب أو لا يستجيب بالقدر الذي يرضيها نفسيا تبدأ في اصطناع المشكلات والمشاجرات.. ويمكن أن يتم تجنب كل هذه المشكلات بما يسمى «التأهيل النفسي» حيث يتم عرض الحماة في بداية زواج ابنها على طبيب نفسي يقوم بمساعدتها على تقبل الوضع النفسي الجديد والتعايش معه وغالبا ما ينجح هذا التأهيل النفسي في كثير من الدول ويؤدي إلى انتهاء المشكلة تماما. حماة الادب الشعبي الصراع بين الحموات والزوجات قضية اجتماعية ضاربة في جذور المجتمع يظهر صداها فيما يسمى «الادب الشعبي». هذا ما يؤكده الدكتور صلاح الراوي أستاذ الأدب الشعبي حيث يقول: النصوص التي تتحدث عن الحماة في الأدب الشعبي قد تكون قليلة. لكن من النصوص المعروفة أغنية شعبية تغنيها الفتيات في الافراح تقول «وسط الدار لامك والمقعد لنا دبحنا الخرفان وأدناها الودان. كلت ما كلت ليها إيه هنا. جبنا كيلو لحمة على قدنا. كلنا واتعشينا وفاض مننا. ما إدناها حتة زكا عننا. شبعت ما شبعتش ليها إيه هنا» «وهناك نص يقول فيه العريس لعروسه» بردان أنا قرنفلة غطيني «فترد العروس قائلة»: والله ما أغطيك ولا أقرب جارك حقاش تبيع أمك وأبوك وأخواتك.. وتكسر السلم على جيرانك.. وأنا ألبس الكشمير وأقف قدامك. ويضيف د. الراوي أن الام أول من يلتقي بالابن عاريا تماما وهي تراقب نموه لحظة بلحظة على مدى سنوات طويلة لذلك تنظر إلى زوجة ابنها على أنها جاءت لتخطفه منها على الجاهز كما يقولون ولذا تحاول أن تحكم سيطرتها على الابن بأي شكل من الاشكال. ويؤكد الدكتور عبد الوهاب بكر استاذ التاريخ الحديث بجامعة الزقازيق أنه في القرنين السابع عشر والثامن عشر كانت الزوجة تضع بعض الشروط في عقد الزواج يأتي على رأسها ألا تقيم مع حماتها في منزل واحد.. والتاريخ به شخصيات شهيرة لعبت دور الحماة بشكل أو بآخر فالملكة نازلي أم شاه إيران محمد رضا بهلوي كانت تفرض على الأميرة فوزية زوجة البهلوي شروطا معيشية صعبة وظلت العلاقة بينهما سيئة جدا ومليئة بالمصادمات حتى انتهى الامر بالطلاق. زواج أم شركة ويقول الدكتور محمد عفيفي أستاذ التاريخ الحديث بجامعة القاهرة ان عقد الزواج في القرن الماضي كان أشبه بعقد الشركة كل طرف يضع الشروط التي يريدها .. لذلك كنت تجد الزوجة تضع دائما شرطها الأول ألا تقيم مع حماتها.. ومن بقية الشروط مثلا تشترط ألا يغيب عن البيت ويتركها وحدها أكثر من عشرة أيام متصلة.. واذا كان في مدينة أخرى تشترط عليه ألا يجبرها على السفر معه والإقامة عند أهله أو في مدينته.. وآخر أمثال الحماة في التاريخ الحديث الملكة «اليزابيث» ملكة بريطانيا مع زوجة ابنها «تشارلز» الأميرة الراحلة «ديانا» والعالم كله قد شهد المصادمات التي كانت تحدث بينهما. ويشير الدكتور عطيه القوصي أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة القاهرة إلى أن الكلام عن المرأة بشكل عام في التاريخ الإسلامي قليل جدا.. فقد اهتمت مصادر التاريخ بحياة الملوك والسلاطين والجوانب الحضارية وبالنسبة للمرأة هناك تتبع لدورها كأم أو كزوجة ووصية على العرش.. لكن كحماة لم يكن لها وجود فمثلا شاهدنا «شجرة الدر» كحاكمة و«أم علي» زوجة عز الدين أيبك كزوجة.. وزوجة هارون الرشيد كأم وواصية على عرش ابنها المتوكل.. فما جاء من صراع بخصوص المرأة هو صراع فقط من أجل أن يتولى ابنها - مثلا - ولاية العهد بعد أبيه دون أخوته من زوجات الخليفة الاخريات. ويزعم بعض المؤرخين أن الملكة الفرعونية «حتشبسوت» كانت حماة عنيفة فلما توفيت واعتلى زوج ابنتها العرش كان أول ما قام به أن جمع تماثيلها وحطمها وكان يفقأ عيون التماثيل ويشوه أنوفها كما محا اسمها من على المسلات والآثار التي نقش عليها.. ويؤكد الدكتور عبد الحليم نور الدين الرئيس السابق للمجلس الاعلى للآثار في مصر أن القصة غير حقيقية لأنه لا توجد نصوص فرعونية تتحدث عن الحماة على الإطلاق فالحديث عن المرأة في العصر الفرعوني كان في الغالب يصورها كملكة أو كأم وزوجة.. فمثلا الملكة «تن» أم اخناتون حاولت أن تقنعه بالتخلي عن ديانته الجديدة وهي ديانة التوحيد.