الخميس 10 محرم 1424 هـ الموافق 13 مارس 2003 ظلت قضية حماية الشهود تشغل اهتمام العديد من قضاة ومستشاري وزارة العدل المصرية لسنوات طويلة، خاصة بعد تزايد عدد التقارير الرسمية للوزارة، والتي تؤكد أن نسبة حضور الشهود للإدلاء بشهاداتهم بالمحاكم لا تتجاوز 5,3%.. كما أكدت التقارير أن نسبة تطوع الشهود للإدلاء بشهاداتهم من تلقاء أنفسهم لا تتجاوز النصف في المئة.. وربما كان السبب الأخير هو ما جعل بعض القضاة والمستشارين يتبنون فكرة إنشاء «برنامج حماية الشهود» الذي يطبق في معظم الدول المتقدمة. ويتواكب الاقتراح - الذي مازال مجرد فكرة - مع تزايد عدد قضايا الفساد الكبرى مما يجعل حاجة المجتمع إلى طريقة تضمن للشهود الشرفاء الذين يتعاونون في تقديم معلومات مهمة في هذه القضايا عدم التنكيل بهم وتهديد حياتهم، ملحة أكثر من أي وقت مضى.. كما يفتح ملف ضحايا الشهادة وحاجتهم إلى مثل هذه الحماية القانونية. وتؤكد الإحصائيات الرسمية الصادرة عن وزارة العدل أن نسبة حضور شهود الإثبات للإدلاء بشهاداتهم في السنة القضائية «2000 ـ 2001» بلغت 5,3% فقط.. في حين كانت في السنة السابقة لها 4,5% «1999 ـ 2000».. كما بلغت نسبة حضور الشهود عام «1998 ـ 1999» 5% مما يعكس تراجعا ملحوظا في إقبال الناس على الإدلاء بشهاداتهم.. وهذا ما تؤكده نفس التقارير حيث تشير إلى أن نسبة تطوع الشهود للإدلاء بشهاداتهم من تلقاء أنفسهم ودون أن تستدعيهم جهات التحقيق لم يتجاوز طوال السنوات الماضية نسبة النصف في المئة، وغالبا ما يطلب الشهود الذين يقدمون معلومات مهمة من الجهات المختصة عدم الإفصاح عن أسمائهم في ملفات القضية وذلك خوفا من مطاردة الجناة لهم. وتعاني كل الأجهزة الرقابية إحجام الشهود عن الشهادة أو الإبلاغ خاصة في قضايا مكافحة الفساد.. حيث تعتمد هذه القضايا في المقام الأول على المواطنين الشرفاء الذين يتعاونون للإبلاغ عن قضايا الفساد.. ولن تحقق هذه الأجهزة أي نجاحات فعالة ما لم توفر فرص حماية كافية لمصادر معلوماتها من مبلغين وشهود.. ويؤكد مصدر مسئول بهيئة الرقابة الإدارية أن كثيرا من المواطنين يتعرضون للإضطهاد وتعطيل إنهاء مصالحهم في الجهات الحكومية من قبل زملاء المتهم الذي طلب الرشوة كعقوبة لهم على إبلاغهم عن زملائهم.. كما أن الموظفين الشرفاء يتعرضون، في حال اكتشاف أمر إبلاغهم الجهات المختصة بأي قضية فساد، للإضطهاد من رؤسائهم حيث يقوم بعض الرؤساء بتوقيع جزاءات إدارية دون مبرر، أو تخفيض تقاريرهم السرية مما يحرمهم من الترقية أو العلاوة أو يتم نقلهم لأماكن بعيدة نكاية فيهم أو في أماكن لا يطلعون فيها على أسرار العمل. برنامج «سرية المبلغ» تتبع الأجهزة الرقابية برنامجا خاصا بها لحماية الشهود أو المبلغين من التنكيل بهم أو تعرض حياتهم للخطر حيث يتم الحفاظ على سرية المبلغ وعدم الإفصاح عن اسمه لأي جهة، ويقوم مأمور الضبط بحماية المبلغ وعدم ذكر اسمه والقانون يحمي المصادر ولا يجبر هيئة الرقابة الإدارية على الإفصاح عن المصدر.. وهناك مبدأ تعرفه كل الأجهزة الرقابية وتطبقه وهو مبدأ «المعرفة على قدر الحاجة» بمعنى أن باقي العاملين في أجهزة الضبط لا يجب أن يعرفوا الشاهد في أي قضية..وكذلك إتباع أساليب أمن معقدة في التعامل مع المصادر واللقاء بهم بما يحافظ على سريتهم وعدم كشفهم حتى لا يتم التنكيل بهم..ويبدو ذلك واضحا في حالات المبلغين عن التهرب الضريبي والجمركي حيث تتبع معهم إجراءات خاصة للحفاظ على حقوقهم القانونية للحصول على المكافآت المالية في الإرشاد.. والأهم هو ضرورة قيام مأموري الضبط بمتابعة إنهاء المصالح القانونية للمبلغين في الجهات التي تم ضبط القضية فيها.. وكثيرا ما تستمر العلاقة بين المبلغ وهيئة الرقابة الإدارية في قضايا أخرى. وإذا كانت أجهزة الرقابة الإدارية تتبع برنامجا بسيطا لحماية الشهود وتقوم بمتابعة إنهاء مصالحهم حتى لا يتعرضون للإضطهاد.. فإن العلاقة بين الشاهد والأجهزة الأمنية في القضايا الجنائية تنتهي بمجرد الإدلاء بشهادته.. بل إن كثيراً من الشهود دفعوا حياتهم ثمنا للإدلاء بشهاداتهم دون أن يلتفت اليهم أحد.. ففي الجلسة الأولى لمحاكمة المتهمين بمحاولة اغتيال الدكتور عاطف صدقي رئيس الوزراء الأسبق ظل الحاجب ينادي على الشاهد الرئيس في القضية حتى جاء من يبلغ المحكمة أن الرجل أغتيل قبل الإدلاء بشهادته بـ 24 ساعة.. وفي واقعة أخرى حدثت منذ سنوات وشهدها شارع الأزهر التف الناس حول مصاب في حادث سيارة وقع أمامهم، وحرصا على حياة المصاب، ألقوا به في أول سيارة تاكسي لتنقله إلى المستشفى.. لكن المصاب لقى نحبه فور وصوله إلى المستشفى.. وتم توجيه تهمة القتل الخطأ لسائق التاكسي الذي نقله، ليقضى ثلاث سنوات بالسجن. ولهذا تم وضع قانون ينص على ضرورة وجود شاهدين مع من ينقل مصابا للمستشفى حتى لا يضع نفسه في دائرة الإتهام. ويؤكد العميد بالشرطة لطفي البلشي أن بطء الإجراءات القانونية يجعل الشهود يحجمون عن الشهادة.. إضافة إلى أن القانون المصري لا يحمي الشاهد، أو يتحفظ عليه فقط طوال فترة التحقيق ونظر القضية وبعد ذلك تنتهى علاقة السلطة به وحتى إذا تم الإعتداء عليه لا تملك الشرطة إلا القبض على الجاني وأخذ تعهد عليه بعدم التعرض.. والنصوص المتعلقة بشهادة الشهود تنظمها المواد من 60 إلى 98 من قانون الإثبات رقم 25 لسنة 68 وعندما يحجم الشهود عن الشهادة يلجأ القاضي لأدلة الإثبات الأخرى من استجواب ومعاينة وانتداب طبيب والبحث والتحريات.. الأمر الذي يطيل إجراءات التقاضي وإضاعة الوقت مقارنة بسماع الشهود. ويوضح المستشار محمد سماحة - رئيس محكمة شمال القاهرة وأحد المهتمين بمشروع إنشاء «برنامج حماية الشهود» - أن امتناع الشهود عن الحضور للمحكمة يجعل إجراءات التقاضي تطول لسنوات، بالإضافة إلى أن كثيرا من القضايا تكون غير مكتملة الأركان لمجرد غياب الشهود ويوجد مئات القضايا تحفظ لعدم كفاية الأدلة وغياب الشهود.. كما يوجد العشرات بل المئات من الشهود دفعوا حياتهم ثمنا للإدلاء بشهاداتهم.. ويضيف المستشار سماحة: لذلك نحن في حاجة إلى تطبيق برنامج حماية الشهود كما يحدث في الدول المتقدمة حيث توجد إدارة خاصة لحماية الشهود حتى بعد الإدلاء بشهاداتهم، حتى أنها - إذا لزم الأمر - في القضايا الكبرى تنقل الشاهد من ولاية إلى أخرى وتقوم بتغيير أسماء عائلته والحاق الأبناء بالمدارس وتوفير عمل له.. هذا بالإضافة لوجود برنامج لحماية الموظفين الذين يبلغون عن قضايا الفساد وهو ما يشجع جميع المواطنين على الإبلاغ عن قضايا الفساد والإدلاء بشهاداتهم.. وهذا ما نحتاجه وخاصة بالنسبة للأجهزة الرقابية التي تسعى بإخلاص إلى مطاردة المفسدين والإيقاع بهم ضمانا لإستقرار الوطن. الحماية الاجتماعية المحامي المعروف رجائي عطية يعترف بوجود مشكلة فعلا في الشهادة والشهود ولكنها - حسب رأيه - لا ترجع إلى أصول في الشرع أو القانون ولكنها تعود لآفات وظروف اجتماعية، لأن حماية الشاهد من الإعتداء الذي قد يتعرض له مرده ليس إلى القانون وإنما إلى المجتمع وسلطاته المنوطة به لأن الحماية تتصاعد تصاعدا طرديا مع وجوب لزومها بالنسبة للمخاطر المحتملة، فما يبذل لحماية الوزير وتأمينه لا يبذل بذات القدر لحماية الموظف العادي.. وهذا مجرد مثال لبيان أن مستوى التأمين والحماية يتناسب طرديا مع مستويات الخطر الذي يتعرض له الشاهد، حيث ان برامج حماية الشهود في أميركا مثلا ترصد مبالغ طائلة لحماية الشهود وتغيير هويتهم ونقلهم من ولاية إلى أخرى وذلك لأن الحماية هنا تتناسب مع قدر الخطر، حيث توجد الجريمة المنظمة والتي يمكنها أن تنال من الشاهد في أي مكان. أما في الجرائم العادية فتكون الحماية أقل مثل التحفظ على الشاهد في مكان أمين لحين الإدلاء بشهادته.. وإذا طبق البرنامج في مصر سيكون ذا قيمة في قضايا الفساد لأنه سيجعل الشهود يقبلون على الإدلاء بشهاداتهم وهم آمنون على أنفسهم وعائلاتهم. ويشير المستشار مرسى الشيخ المحامي إلى أن حماية الشهود تحتاج إلى جهاز أمني يقظ وحائز للأدوات اللازمة للحماية.. وحراسة الشاهد خارج قاعة المحكمة أهم لتصاعد الخطر، وحمايته بعد ساعات من الشهادة أكثر وجوبية من حمايته قبل الإدلاء بشهادته.. وتحديد طريقة حماية الشاهد ينبغي أن تخضع لدراسة موضوع القضية وموقف الشاهد وتحديد الاتجاهات التي سيأتي منها الخطر على الشاهد لأنها تختلف من قضية إلى أخرى. ويرى الفقيه القانوني المعروف الدكتور محمد عصفور أن تطبيق «برنامج حماية الشهود» يحتاج إلى رجال شرطة مدربين مثقفين يمتلكون الأدوات العلمية اللازمة التي تؤهلهم للقيام بدورهم لحماية الشاهد دون أن يصوبوا مسدساتهم في وجه كل من يقابلوه، بمعنى أن حماية الشهود قضية تحتاج إلى رجل شرطة ذكي أكثر من احتياجها لأي صفات أخرى.. وخاصة أن مصدر الخطر الذي يهدد الشاهد يختلف حسب نوع القضية وظروفها.. ولذلك يجب دراسة كل هذه العوامل قبل الشروع في تطبيق مثل هذا البرنامج