الاربعاء 9 محرم 1424 هـ الموافق 12 مارس 2003 ترى شولاميت الوني في مقال نشرته مؤخراً في صحيفة «هآرتس» انه يمكن وصف نشاطات الجيش الاسرائيلي في المناطق، حيث يقتل مدنيون، بانها «جينوسايد» أي ابادة شعب. ومن «السذاجة او التقوى» حسب رأيها الادعاء بانه لا يمكن ان يكون ثمة جينوسايد في اسرائيل. صحيح ان ما يجري «ما زال غير الجينوسايد بالصورة المروعة التي كانت، وكنا نحن ضحاياه»، اذ «عندنا لا توجد محارق ولا افران غاز». بيد انه «كما هو معروف لا يوجد اسلوب واحد ثابت للابادة بصورة عامة او حتى لابادة شعب». وفيما بعد يرد وصف نشاطات الجيش في المناطق. كل المقال، الذي عنوانه «إبادة سكان في ظل التقوى» جاء ليشرح للقاريء ـ من دون قول ذلك بوضوح ـ ان ما يجري هو فعلا «جينوسايد» من نوع ما.ان القتال في منطقة مأهولة باكتظاظ، يثير معضلات اخلاقية غاية في القسوة. وقد مرت دول ديمقراطية غير قليلة بمثل هذه التجربة. ففي افغانستان قصد الاميركيون ضرب الاهداف العسكرية، لكنهم سببوا الخسائر الفادحة للمواطنين الذين كانت تلك الاهداف بين صفوفهم. مدنيون، كثيرون لقوا مصرعهم في ظروف مماثلة في حرب الخليج الاولى، ومن المتوقع ان يقتل مدنيون آخرون في حرب الخليج الثانية على ايدي قوات الولايات المتحدة وحلفائها. وقوات الامم المتحدة في الصومال التي كانت تضم وحدات من اقطار مختلفة، تورطت في معارك ضارية في شوارع مقاديشو، مع قوات العصابات المحلية. وفي هذه المعارك سقط مواطنون مدنيون كثيرون. من الممكن، طبعا، انتقاد الجيش الاميركي وقوات الامم المتحدة كذلك، وربما كانت شولاميت الوني تنتقدها فعلا، لكن هل تعرّف ما حدث في افغانستان والعراق والصومال بانه «جينوسايد»؟ خلال قصف (قوات) حلف شمال الاطلسي (الناتو) ليوغسلافيا سقط مئات المدنيين وكان المسئول عن ذلك القصف، اضافة الى ادارة كلينتون، جميع الحكومات الديمقراطية والاشتراكيات الديمقراطية في غرب اوروبا، وجه القصف الى محطات طاقة ومصانع ذات اهمية عسكرية، ومراكز اتصالات ومبان ادارية في بلغراد، وبطريق الخطأ تم ايضا قصف السفارة الصينية ـ مثل هذه الاخطاء تقع في الحرب، حين تضرب اهداف في قلب مدينة. لكن ليس بطريق الخطأ بل قصدا وعمدا، دمروا مبنى التلفزيون الصربي في بلغراد على من فيه. وأيد طوني بلير ذلك بقوله ان التلفزيون كان يبث دعاية عنصرية لسلوبودان ميلوسوفتش. هو فعلا قام بذلك، لكن يمكن طرح السؤال هل تحول التلفزيون بذلك الى هدف عسكري مشروع، وهل كان ذلك سببا كافيا لقتل الصحافيين ومستخدمي الصيانة وعمال النظافة؟هل يمكن السؤال هل الضرورة العسكرية للناتو لضرب هذه المحطة، تفوق ضرورة اسرائيل العسكرية في تصفية رئيس جناح حماس العسكري في غزة ـ بادعاء انشغاله في الاعداد لعمليات ـ عبر قتل مواطنين ابرياء كان يمكث بينهم. على اية حال فقد اتهم تقرير امنستي زعماء حلف الاطلسي في حينه بارتكاب جرائم حرب، لكنه لم يتهمهم بارتكاب جينوسايد. فهل شولاميت الوني تصف تلك الاعمال بانها «جينوسايد»؟اذا كنا نصف جميع تلك الحالات بانها ابادة شعب، فستكون النتيجة ان ابادة شعب هي ظاهرة عادية في حروب عصرنا. واذا كان الامر كذلك فيتعين ان تكون يهوديا قوميا غير قابل للاصلاح، كي نعتقد ان باستطاعة اسرائيل بالذات الامتناع عن هذه الظاهرة. اذن من الافضل الاحتفاظ بمصطلح الجينوسايد من جانبه ـ ولا حاجة للقول بان هذا التعريف لن ينطبق ابدا على ممارسات المنظمات الفلسطينية. الجينوسايد، كما يتبين، هو مصطلح محفوظ لاسرائيل فقط. واذا كان الامر كذلك، فليس المقصود هنا تعبيرا عن حساسية اخلاقية عالمية من جانب الوني، والمطلوب تعريف مغاير اقل اطراء لتوصيف موقفها. عن «معاريف»