الاربعاء 9 محرم 1424 هـ الموافق 12 مارس 2003 في البنتاغون يطلقون عليها اسم «لحظة الانطلاق»، هذه اللحظة هي التي سيقول فيها كل فرد من الجنود والمدنيين العراقيين لنفسه، عندما يجد القنابل تتساقط كالمطر على بغداد، «ان هذه القنابل لا تريد في الواقع قتلي او قتل عائلتي، فهي تهدف الى تحريرنا من دكتاتور شرير» وفي هذه اللحظة سيتقدم العراقيون بالشكر للعم سام، ويتخلون عن اسلحتهم ومواقعهم ويثورون ضد الرئيس العراقي فياله من نجاح! على الاقل هذا هو الامر المفترض حدوثه في تصور خبراء العمليات النفسية الذين يقومون حالياً بشن حرب اعلامية عنيفة ضد العراق. لقد دخل هذا اللفظ لأول مرة الى قاموس لغة الحرب مؤخراً، عندما سمعه احد مراسلي صحيفة «نيويورك تايمز» من مسئول عسكري اميركي كبير لم يذكر اسمه. ويمكن ان يكون هذا النوع من تجديد الالفاظ المستخدمة في المجال العسكري عن طريق ادخال مصطلحات ظريفة وجديدة هو احدث خطط وزير الخارجية الاميركي كولن باول للتغلب على الفرنسيين في مجلس الامن. والاحتمال الاكبر هو ان مثل هذه الالفاظ هي نتاج جنوح وولع الادارة الاميركية للاستعانة بمسئولي اعلانات ومستشارين اداريين للعمل كمستشارين للسياسة الخارجية. الا يتشابه لفظ «لحظة الانطلاق» هذا بشكل يثير الشك مع التعبير الانجليزي «واو فاكتور» او «عامل الابهار». والذي تم بيعه وتسويقه بين ملايين من مسئولي الشركات بوصفه مفتاح وسر بناء والتوصل الى ماركة تجارية قوية؟ أياً كانت كيفية قدوم اللفظ، فإن البنتاغون لا يألو جهداً في سبيل ان يحقق اللفظ الهدف المرجو منه. فالموجات الاثيرية الاذاعية تحلق فوق العراق لتبث دعاية اذاعية. وتم توجيه رسائل اليكترونية ومكالمات هاتفية لرجال الاعمال والعسكريين ومسئولي السياسة العراقيين من اجل حثهم على ادراك الواقع والتحول عن مواقفهم. وقامت طائرات مقاتلة باسقاط اكثر من 8 ملايين منشور اعلامي يخبر الجنود العراقيين ان حياتهم سيتم المحافظة عليها في حال تركهم معداتهم العسكرية. يقول لفتنانت جنرال تي مايكل موسلي، قائد القوات الجوية المتحالفة في الخليج: «هذه المنشورات ترسل رسالة مباشرة الى الجندي وهو ممسك ببندقيته». وعلى حد قول المسئول العسكري الكبير الذي تم النقل عنه في صحيفة «نيويورك تايمز»، فإن القيادة المركزية ستعلم انها وصلت الى هذه اللحظة عندما «ترى انشقاقاً عن القيادة». وبعبارة اخرى فإن القيادة العسكرية الاميركية لا تروج الى اقل من عصيان مدني كبير في العراق، وهو ما يعني رفضاً للأوامر او رفضاً للمشاركة في حرب غير عادلة. فهل سيُكتب لمثل هذا الامر النجاح؟ يساورني الشك في هذه الامكانية. فعلى الرغم من كل شيء، كانت هناك مثل هذه اللحظة في حرب الخليج السابقة، عندما صدّق الكثير من العراقيين الذين كانوا يعيشون بالقرب من الحدود الكويتية وعود اميركا بأنها سوف تدعمهم في حال انتفاضهم على الرئيس العراقي. غير انه اعقبت هذا الوعد لحظة «اذهب الى الجحيم»عندما رأى المنتفضون القوات الاميركية تخذلهم وتتخلى عنهم تاركة اياهم ليلقوا حتفهم ويتعرضون الى مجزرة. غير ان هذا الكلام عن هذه اللحظة جعلني افكر في الآتي: ان حالة العصيان المدني التي تود القيادة العسكرية الاميركية اثارتها في العراق هي بالضبط ذلك النوع من الاشياء التي تحتاج الحركات المعادية للحرب ان توحي به الى دولنا في حال ان نقرر فعلاً العمل على وقف او على الاقل التقليل من التدمير الوشيك للعراق. فما هو الامر الذي يمكن ان يجعل عدداً كبيراً من شعوب اميركا وبريطانيا وايطاليا وكندا وأي دولة اخرى تساعد في مساعي الحرب يقطع الصلة بقياداته ويرفض الانصياع لأوامرهم؟ فهل يمكن لنا ان نوجد الفاً من «لحظات النجاح» هذه في اوطاننا؟ هذا هو السؤال الذي يواجه معسكر رفض الحرب في غمار سعيه لمتابعة تلك المسيرات الرائعة التي انطلقت في الخامس عشر من فبراير الماضي. فأثناء حرب فيتنام، قرر الوف من الشباب الاميركيين قطع الصلة مع قادتهم عندما وصلتهم اوامر الانضمام للخدمة العسكرية. وقد ادى هذا الاستعداد للذهاب الى ما هو ابعد من الاحتجاج والقيام بعصيان نشط الى محو وانتهاء تدريجي لجدوى الحرب على المستوى الداخلي. فماذا سيصنع معارضو اليوم من اصحاب الضمائر الحية وهؤلاء الذين تخلفوا عن الخدمة العسكرية؟ حسناً، ففي ايطاليا ذهبت مجموعة من الناشطين ليعوقوا مسارات عشرات القطارات التي تحمل اسلحة وقوات اميركية الى احدى القواعد العسكرية، ورفض عمال الموانئ والشحن ان يقوموا بتعبئة السفن بالاسلحة. وتم حصار قاعدتين عسكريتين اميركيتين في المانيا، والامر نفسه حدث للقنصلية الاميركية في مونتريال ولقاعدة جوية في جلوسيستر، بينما تظاهر الالوف من المعارضين للحرب في مطار شانون الذي، على الرغم من السياسة الحيادية التي تدعمها السلطات الايرلندية، يتم استخدامه من قبل الاميركيين لإعادة تزويد الطائرات المتجهة للعراق بالوقود. وفي شيكاغو، تظاهر اكثر من مئة طالب من طلبة المدارس العليا خارج مقر شركة ليوبونت، وهي احدى الشركات الاعلانية التي تعمل مع القيادة العسكرية الاميركية، وادعوا ان عدد الذين يتم تجنيدهم من المدارس العليا التي تفتقد التمويل الكافي والتدريس بها اميركيون من اصل لاتيني وافريقي يفوق عدد الملتحقين بخدمات الكشافة من الجامعات. وجاءت اكثر الخطط طموحاً من سان فرانسيسكو، حيث يدعو تحالف من جماعات مناهضة للحرب الى القيام بضربة مضادة طارئة بعيدة عن استخدام العنف في اليوم الذي يلي نشوب الحرب. ويصف هذا التحالف هذه الضربة بالكلمات الآتية: «لا تذهبوا للعمل او للمدارس. ادّعوا المرض، وغادروا اعمالكم. فنحن سوف نتسبب في خسائر اقتصادية واجتماعية وسياسية ونوقف مسار العمل حتى تتوقف الحرب. يالها من فكرة قوية، قنابل سلام تنفجر في اي مكان يشهد فوائد للحرب، من محطات غاز ومصانع اسلحة ومحطات تلفزيونية سعيدة بما يتم قصفه من صواريخ. وربما لا يؤدي هذا الامر الى وقف الحرب، ولكنه سيوضح ان هناك موقفاً مبدأياً بين وجهتي نظر المؤمن بالحرب والشخص الهيبي الذي يثور على قيم ومبادئ المجتمع ويعمد الى الخروج عن المألوف. هذا الموقف المبدأي هو مقاومة نضالية من اجل حماية الحياة. ويرى البعض ان هذا التصعيد للحرب ضد الحرب يبدو امراً فيه مغالاة، حيث يرى هؤلاء انه ينبغي الاكتفاء بمسيرات تتم في نهاية الاسبوع على ان تكبر هذه المسيرات الى الدرجة التي لا يمكن معها تجاهلها. بالطبع يجب ان يكون هناك المزيد من المسيرات، ولكن يجب التوضيح ايضاً انه لا يوجد احتجاج يصل الى درجة الكبر والضخامة التي لا تُمكّن الساسة من تجاهله. فهم يعلمون ان الرأي الشعبي العام في معظم دول العالم لا يؤيد الحرب. اما ما يقوم هؤلاء بدراسته بعناية قبل ان يقوموا باسقاط القنابل هو ما اذا كانت مشاعر معاداة الحرب «قوية» ام «لينة» والسؤال لا يتمثل في: «هل يهتم الناس بالحرب؟ «ولكن السؤال هو» الى اي مدى يهتمون؟» فهل الامر عبارة عن تفضيل لعدم اللجوء للحرب، وهو امر سيزول مع الانتخابات التالية؟ ام انه امر يتعدى ذلك، وامر اكثر ابدية يمكن ان نطلق عليه نوع من الاهتمام على طراز «لحظة النجاح»؟ قررت مؤسسة «ليفيز اوروبا» استغلال هوس معاداة الحرب بانتاج دفعة من الدببة التي تلهو بها الاطفال وقد ألحق باحدى اذنيه شعار يدعو للسلام. وبالطبع، يمكن للمرء ان يمسك بهذا الدب ويحتضنه بينما يكون جالساً امام التلفاز ويشاهد تحذيرات الحرب المرعبة التي تبثها شبكة «سي. ان. ان». او ربما يمكنك اغلاق القناة وترفض ان تكون اداة سلام سلبية لا حول لها ولا قوة وتذهب لإيقاف الحرب بنفسك. ترجمة: حاتم حسين عن «جارديان»