الاربعاء 9 محرم 1424 هـ الموافق 12 مارس 2003 ألم يفهم الاوروبيون الامر بعد؟ لقد بدأت تنويعات على موضوعة هذا السؤال، وبعضها يقطر سماً، تتدفق من أفواه الادارة الاميركية التي اصبحت ضجرة على نحو متصاعد من المعارضة الاوروبية لخططها، الرامية لاسقاط حكومة الرئيس العراقي. بداية، فإن زعماء فرنسا وألمانيا وبلجيكا فقط حتى الآن هم من اتخذوا مواقف رسمية تعكس هذا الاجماع السائد في كل القارة الاوروبية، اما معظم القادة الاوروبيين الآخرين فقد دفعوا بشعوبهم لتقف وراء الولايات المتحدة. لكن باستثناء لهجات وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد العدائية حول «اوروبا القديمة» فإن من الصعب على الولايات المتحدة انكار أهمية المعارضة الفرنسية الألمانية، خصوصاً وأن لفرنسا حق النقض في مجلس الأمن الدولي وقد يكون من قصر النظر لأميركا ان تبتهج بحدوث صدع بين أوروبا «القديمة» و«الجديدة» بعد ان عملت كل هذه المدة هي نفسها لرأب صدوع الخلافات الاوروبية الفتاكة. يقول ديفيد كاليو من كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة: «ان كان افقاد الاتحاد الاوروبي لفاعليته هو احدى عواقب ما يحصل حالياً سنكون قد ارتكبنا خطأ بشعاً».وفي الوقت نفسه يعمل خطاب الرئيس بوش وافعاله على إلهاب مشاعر موجة مناهضة لاميركا في كل القارة الاوروبية، وليس على الأقل في طبقاتها المتفككة واصبحت التهمة الشهيرة الجديدة التي وجهها الروائي جون كاريه لاميركا بأنها «قد دخلت احدى مراحل جنونها التاريخية» تسجل نبرة الخوف التي تصدر عن الكثير من كبار المفكرين الاوروبيين، يقول المؤلف الألماني بيتر شنايدر: «لم يسبق لي ان لمست مثل هذه المشاعر المعادية لأميركا من قبل، ولا حتى في حرب فيتنام». على الرغم من سعة نطاق العداء لأميركا السائد في اوروبا الآن وحدته، تكثر التساؤلات حول عمقه وأسبابه وعواقبه المحتملة، جوزيف جيف، مدير تحرير مجلة دايزيت الألمانية يأسف لأن العواقب السيئة لمحاولة الاطاحة بصدام حسين قد اودت حتى الآن بثلاثة ضحايا: «اوروبا والناتو والعلاقة الاميركية الالمانية» لكن باتريك شاموريه عالم السياسة الفرنسي يؤكد على ان هذا يحمل مبالغة حيث يقول ان «نواة العداء لاميركا» لم تنمو في فرنسا او في اوروبا خلال السنوات العشر الماضية ويقول: «عموماً ليست هناك سوى معارضة لشخصية ولغة الرئيس بوش وسياسته ازاء العراق». مع ذلك فإن التوترات الحالية يمكن في وقت واحد ان تكشف وتسرع الخلاف في التحالف عبر الاطلسي الذي بدأ عقب نهاية الحرب الباردة فبدون تهديد يوحدهم من جانب الاتحاد السوفييتي، اصبحت التوجهات المختلفة للاوروبيين والاميركيين (الى حد اقل البريطانيين ايضاً) تكتسب مزيداً من الحدة لتتحول الى تضارب خصوصاً فيما تحاول فرنسا وألمانيا صياغة اوروبا وفق صورتهما التي تؤكد بقوة على دور الحكومة كما يقول المؤرخ الدبلوماسي ولتر ماكدوغال ومما زاد حدة الخلاف الطموحات السياسية لزعيمي الدولتين فالمستشار الألماني غيرهارد شرويدر لعب على وتر المزاج الشعبي المعارض للحرب للفوز بالانتخابات الاخيرة، كما اصبحت معارضة الرئيس الفرنسي جاك شيراك للأحادية الاميركية اختباراً لمشروعه الديغولي لجعل اوروبا منافساً للقوة الأميركية العظمى. اذن اين هي النزعة السلمية الاوروبية؟ تبعاً للكثير من الخبراء في هذا الشأن، تنبع هذه النزعة من التجربة الاوروبية الطويلة المريرة مع الحروب والاحتلال الاجنبي. يقول فيليب غوردون مدير مشروع العلاقات الاميركية الفرنسية في مركز بروكنغز للدراسات الاميركي: «بعد 50 عاماً من التكامل والتغلب على عداوات الماضي، اصبح الاوروبيون ايضاً اكثر ايماناً بالدبلوماسية والتعاون سبيلاً للعمل من الاميركيين الذين يتضمن درسهم الذي تعلموه من الحرب الباردة ركوناً اكبر للحاجة للتهديد بالقوة العسكرية واستخدامها». وبالتالي فهل المشكلة هي، حسب تعبير السياسي الاميركي المتشدد روبرت كاغان، ان «الاميركيين من المريخ والاوروبيين من الزهرة»، لا شك في ذلك الى حد ما لكن هذه الصيغة لا تفسر على نحو مرض حلقة مفقودة جوهرية وهي عدم فهم معظم الاوروبيين او رفضهم تصديق الأسباب التي توردها ادارة بوش لرغبتها في غزو العراق وتغيير حكومته. اولاً وقبل اي شيء آخر، لا يرى الاوروبيون خصوصاً الذين تعيش جاليات مسلمة كبيرة بينهم، كيف ان غزو العراق سيساعد في الحرب ضد الارهاب بل على العكس، فهم يرون فيها ما يسميه غوردون «اداة تجنيد للقاعدة» كما ان الاوروبيين لديهم اسباب اخرى يرون انها تمثل الدافع وراء نوايا واشنطن فمثلما اظهر استطلاع للرأي اجراه مركز بو للبحوث يعتقد معظم الفرنسيين والألمان ان نية اميركا الحقيقية هي: «السيطرة على نفط العراق» ويقول بيتر شنايدر ان معظم مواطنيه يعتقدون ان بوش التفت الى صدام حسين لانه فشل في الايقاع بأسامة بن لادن. ربما سيواصل الكثيرون التعبير عن شكوك عميقة غير ان الرئيس بوش في خطابه الذي ألقاه مؤخراً امام معهد المشروع الاميركي، اوضح ان الطريق الى شرق اوسط اكثر رخاء وسلماً وحرية ربما في ذلك دولة فلسطينية ووضع حد للمستوطنات الاسرائيلية يبدأ بالقضاء على حكومة الرئيس العراقي لكن السؤال يبقى: حتى لو وافق الاوروبيون على هذا، فهل سيصدقونه؟ عن «يو إس نيوز آند ورلد ريبورت»