الاربعاء 9 محرم 1424 هـ الموافق 12 مارس 2003 انها ليست أول مرّة تقوم فيها إدارة بوش بإعادة تنظيم العالم بعبارة واحدة. جاء أولاً تعبير «محور الشرّ» الذي ساوى بين إيران والعراق وكوريا الشمالية. ثم بعد ذلك ظهر مصطلح «أوروبا القديمة» التي فصلت عن أوروبا الحديثة، بتصريح متكبر لوزير الدفاع دونالد رامسفيلد. وبحسب هذا التصنيف المفترض، فإن أوروبا القديمة ـ فرنسا وألمانيا وبلجيكا ـ معارضة للحرب ومعادية لأميركا ومزعجة وغير ذات صلة بالموضوع في حين أن أوروبا الحديثة ـ المؤلفة من البلدان الشيوعية السابقة الواقعة شرقي برلين ـ قوية ومخلصة ومنفتحة على جميع الاشياء الأميركية من امتيازات مكدونالدز إلى مفهوم الحرب الاحترازية. لقد احدثت لغة رامسفيلد الهجومية ضجة مدوية في شقي أوروبا. لكنها لمست وتراً حساساً أيضاً. فهناك شيء مختلف يميز بلدان أوروبا الوسطى ـ بولندا، المجر، وجمهورية التشيك ـ التي انضمت حديثاً إلى حلف الناتو والتي يدعم زعماؤها الآن حملة إدارة بوش لنزع اسلحة العراق بالقوة. والامر لا يعود ببساطة الى ان نزعة معاداة أميركا لم تضرب جذورها هناك. وجوهر الأمر هو أنه في اللحظات الحرجة، عندما تجبر تلك البلدان على الاختيار بين ولائها للولايات المتحدة وولائها لأوروبا، فإنها تضع رهانها مع الولايات المتحدة. ربما تكون معارضة الحرب المحتملة في العراق سائدة هناك ـ 82 بالمئة في المجر، 75 بالمئة في بولندا و67 بالمئة في جمهورية التشيك ـ لكنها معارضة مشروطة وحذرة. وعلاوة على ذلك فإن معارضة الحرب هناك غير متصلة بالمخاوف الشائعة بين المتظاهرين في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، في التلهف الأميركي الجامح بشكل متزايد للسيطرة. الكثيرون في أوروبا الوسطى يبررون مواقف بلدانهم باعتبارها نابعة من ضرورة ان يعرف المرء من أين تؤكل الكتف. فالاتحاد الأوروبي ربما يحمل مفتاح المستقبل الاقتصادي للمنطقة، لكن ابناء أوروبا الوسطى ليسوا متحمسين تماماً لوضع كامل ثقتهم في زعماء، مثل الرئيس الفرنسي جاك شيراك، الذي رد على تأييد أوروبا الوسطى لسياسة بوش باخبارهم انهم ضيعوا على أنفسهم فرصة عظيمة لالتزام الهدوء. وعندما يتعلق الأمر بحماية أمن حدود هذه البلدان الصغيرة التي كثيراً ما تعرضت للغزو، فإن الكفيل الموثوق الوحيد هو الولايات المتحدة. ويقول جيري بيهي، وهو كاتب واكاديمي قانوني يدير جامعة نيويورك في براغ وكان يعمل كمستشار للرئيس التشيكي السابق فاكلاف هافيل: اذا تعرض أمننا القومي للتهديد، فإننا نعلم انه ليس بامكاننا الاعتماد على فرنسا أو ألمانيا. وبصراحة فإن علاقتنا معهم لم تنفعنا في أوقات المحن على مدار تاريخنا. وخلال الحرب الباردة، حظي المنشقون في أوروبا الوسطى على دعم من الولايات المتحدة فاق بكثير الدعم الذي قدمته لهم أوروبا الغربية. وهذه الشخصيات الوطنية البارزة استقرت منذ زمن في الأوساط السياسية والثقافية المتنفذة ولن تنسى دينها إلى الولايات المتحدة. ويقول توماس هاليك، رئيس الاكاديمية المسيحية التشيكية: «غالبية المنشقين السابقين يتعاطفون كثيراً مع الولايات المتحدة، وكانوا دائما من اشد المنتقدين لنزعة معاداة أميركا السائدة في بلدان أوروبا الغربية، لأننا في العهد الشيوعي كنا نشعر أن هذه النزعة تشكل خطراً على قوة التحالف المعادي للشيوعية. أندراس بوزوكي رمز الجامعة الأوروبية الوسطى في المجر يصف نزعة معاداة أميركا في أوروبا الغربية بأنها «موقف نقدي حيال ما يسمونه بثقافة المكدونالدز أو مراكز التسوق والهمبورغر وكل تلك الاشياء ويضيف ان هذا النوع من النقد الثقافي حديث جداً وغير نام في أوروبا الشرقية والوسطى حيث بدأ النمط الأميركي في الطرائق التجارية يضرب جذوره قبل عقد واحد فقط. ويقول بيهي ان الثقافة الأميركية خلال الحرب الباردة كانت تمتلك جاذبية رومانسية مغرية خاصة في تشيكوسلوفاكيا، حيث كان الكتاب من أمثال سول بيلو، وفيليب روث وجون أبدايك موضع اعجاب جماهيري كبير. وتقول ميلادا أنا فاتشودوفا، وهي عالمة سياسة في جامعة نورث كارولينا متخصصة بالشئون السياسية التشكيكية ان «العديد من التشيك خرجوا في الحرب الباردة برؤية متفائلة تصور الولايات المتحدة ككفيل لحقوق الإنسان والحرية. ويشير بيهي الى ان ثلثي التشيك ربما يعارضون الحرب على العراق لكن في الوقت ذاته فإن «الكثيرين من هؤلاء الناس يفهمون جيداً، أكثر من الأوروبيين الغربيين، مبررات ادارة بوش في الاصرار على تغيير النظام العراقي الدكتاتوري، بطريقة أو بأخرى. وذلك لأننا نحن انفسنا جربنا النظام الدكتاتوري المستبد، وكنا نأمل ان يهب أحد لنجدتنا. ان استعراض القوة الأميركية في ظل إدارة تجاهر بأحاديتها اغضب معظم العالم، وألهب مشاعر معاداة أميركا. لكن في أوروبا الوسطى الحديثة، لايزال الاجهار في معادات اميركا يعتبر ضرباً من ضروب التطرف. فالتشيك يربطون هذه النزعة بهواجس الشيوعيين في أقصى اليسار في حين يربطها البولنديون والمجريون بالقوميين المتدينين في اقصى اليمين. ومع ذلك فإن هذا لايعني ان المعتدلين في بلدان أوروبا الوسطى لا يتبنون رؤى منتقدة للسياسات الأميركية التي تصادق عليها حكوماتهم. ويعكس صوت هؤلاء جيرزي جيدليكي، أحد ألمع المؤرخين والكتاب في بولندا واحد اعضاء الاكاديمية البولندية للعلوم، الذي يعتقد انه يجدر ببولندا ان تدعم موقف أوروبا الغربية حيال الحرب على العراق، بدلا من دعم الموقف الأميركي. ويجادل جيدليكي، انه إذا كان صدام حسين بالفعل يملك اسلحة دمار شامل، فإنه لن يستخدمها الآن على الارجح إلا عندما يتم استفزازه. وهو يرى ان الإدارة الأميركية تبدو عاقدة العزم على الغزو وربما تخيب آمالاً لها لو نجحت مهام المفتشين. ويقول جيدليكي: «أنا أحب اميركا، لكنني لا أثق بالبيت الأبيض الآن». ولاشك ان في هذا الكلام تناغماً مع رؤى العديد من نظراء جيدليكي في المجر، حيث تبدو نزعة معاداة الحرب ـ ومحاباة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ـ أقوى مما هي عليه في بولندا او في جمهورية التشيك ويقول توماس ميزريكس، استاذ العلوم السياسية في الجامعة الاوروبية الوسطى انه يؤيد الحرب فقط في حال صدور قرار صريح واضح عن مجلس الأمن بهذا الصدد من جانبه يشير اندراس بوزوكي من الجامعة نفسها الى انه ليس بوسع احد معرفة حقيقة دوافع ادارة بوش هل هذه حرب على اسلحة الدمار الشامل، ام النفط، ام المصالح الجيواستراتيجية؟ وما هي درجة الاهتمام الذي أولته الولايات المتحدة لما سيحدث بعد رحيل صدام؟ كل هذه المناظرات مألوفة بالنسبة للذين يتابعون الجدل الدائر في الغرب حول موضوع الحرب لكن ابرز ما يغيب عن اجواء اوروبا الوسطى هو الغضب الجماهيري الواسع في الاحادية الاميركية في الولايات المتحدة نفسها وفي اوروبا الغربية ويقول الصحفي السياسي بوميل بتشينكا متهكماً: «ان قلق المعلقين السياسيين التشيك من اضطلاع فرنسا والمانيا بدور «استبدادي» في الاتحاد الاوروبي يفوق قلقهم بشأن الاحادية الاميركية». وفي جمهورية التشيك، بحسب بيهي، يجادل بعض المفكرين بأن القيادة الاميركية للعالم افضل من قيادة المؤسسات الدولية مثل الامم المتحدة والتي تمنح نفس الوزن للبلدان الاستبدادية والديمقراطية ويقول انصار هذا الرأي ان «الولايات المتحدة تختلف عن الاتحاد السوفييتي وتختلف عن الصين انها البلد الاكثر ديمقراطية وربما تكون هيمنتها حلاً افضل من حالة الاضطراب هذه التي تحتم علينا الاعتماد على آليات صنع القرار في بلدان مثل الصين وليبيا» لكن الفيلسوف السياسي سلطان ميكلوسي يحذر من ان ضوابط وتوازنات مؤسسات مثل الامم المتحدة تساعد في حماية مصالح الامم الصغيرة فهل يأتي يوم في المستقبل تندم فيه اوروبا الوسطى على منح صوتها للقوة الاميركية المفرطة. وحتى الآن، شكلت بلدان اوروبا الوسطى معقلاً موالياً للولايات المتحدة داخل صفوف الناتو انضمت بولندا، والمجر وجمهورية التشيك الى حلف الناتو عشية حرب كوسوفو في عام 1999، والتي حظيت بتأييد واسع النطاق في البلدان الثلاثة في ذلك الوقت يراقبون عن كثب الاهوال والفظائع التي تجري في جارتهم يوغسلافيا لكنهم اليوم يجدون الحرب في العراق بعيدة نسبياً وليست ملحة ويشير ميكلوسي الى أن الحرب المحتملة على العراق لم تصبح موضوعاً شائعاً للمحادثات في مقاهي بودابست الا في الاسبوعين المنصرمين. في الحقيقة ان المناظرات الدائرة حول العراق تكتسب اهمية خاصة بالنسبة لابناء اوروبا الوسطى بسبب تأثير هذه القضية على الاتحاد الاوروبي الذي تستعد البلدان الثلاثة للانضمام اليه ربما العام المقبل بشرط ان توافق شعوبهم في استفتاءات تجرى في الشهور المقبلة. الموافقة المجرية تعتبر مرجحة الى حد بعيد، لكن نتائج الاستفتاءات ليست مؤكدة في بولندا وجمهورية التشيك وقد وجه جاك شيراك صفعة قوية لمؤيدي توسيع الاتحاد قبل اسبوعين عندما وصف بلدان اوروبا الوسطى بأنها «طفولية» وألمح بطريقة مبطنة الى انهم ألحقوا الضرر بفرصهم للانضمام الى الاتحاد الاوروبي (ومثل هذه الغطرسة لا تنبثق فقط من القيادة الفرنسية فالسياسي اليساري الفرنسي ريجيس دبراي عبر مؤخراً في صفحة الآراء بصحيفة «نيويورك تايمز» عن اعتقاده الراسخ بأن الخنوع يظهر بشكل طبيعي على الدول السوفييتية التابعة سابقاً والتي حولت عبوديتها الآن للولايات المتحدة). تقول فاشودوفا، من جامعة نورث كارولينا الاميركية ان التوبيخ الفرنسي لبلدان اوروبا الوسطى يضيف «طبقة جديدة الى الحاجز الذي تشكل على مدى السنوات الثلاث الماضية بفعل الاشارات المتكررة من جانب اوروبا الغربية الى ان البلدان المرشحة للانضمام الى الاتحاد تنتمي بشكل او بآخر الى الدرجة الثانية وان ليس لها نفوذ في هذه العلاقة» وتشير فاشودوفا الى ان شعوب تلك البلدان تعتقد حتى اكثر من نخبها ان تلك المسائل الثقافية والحضارية ذات شأن كبير. وبعد تعليقات شيراك بيوم واحد، تحدث جيري بيهي في منتدى جماهيري التقى فيه المفكرون والمحللون لاقناع الجمهور بالتصويت لصالح الانضمام الى الاتحاد في الاستفتاء المقبل ويتذكر بيهي ما حدث يومها قائلاً: «لم يسبق لي قط ان لمست مثل هذا المستوى من العداء للاتحاد الاوروبي كما في ذلك الاجتماع وكان الناس يعبرون عن محاباتهم للاتحاد الاوروبي ويقولون انه اذا كان الفرنسيون والألمان يعتقدون انهم يملكون الاتحاد الاوروبي، عندها ربما يكون من الافضل ان نتركه لهم». الرهان ليس فقط على المجاملات بين شيراك والبلدان المرشحة لعضوية الاتحاد فالقضية هي قضية متى وكيف يمكن للاتحاد الاوروبي الموسع ان يطور ثقافة سياسية مشتركة تتمخض عنها في نهاية المطاف سياسة خارجية موحدة تمكن اوروبا من المشاركة بصورة فاعلة في الشئون العالمية وحالما تنضم بلدان اوروبا الوسطى بشكل فعلي الى الاتحاد الاوروبي، فإنها ستمتلك «قوة مساومة هائلة» بحسب تعبير فاشودوفا. فرنسا والمانيا باعتبارهما اقوى واكبر عضوين في الاتحاد الاوروبي من حيث تعداد السكان، ربما لا ترغبان في اشراك بلدان الكتلة الشرقية السابقة التي احتقرها شيراك علناً في صياغة السياسة الخارجية وصنع القرارات في الاتحاد وفي الواقع ان بعض المراقبين يتكهنون بأن شيراك يهدف من تعليقاته الى استفزاز البولنديين والتشيك للتصويت ضد انضمام بلديهم الى عضوية الاتحاد الاوروبي، لكي يبقى توازن القوة داخل الاتحاد راجحاً نحو الغرب وعلى اي حال فإن ميزريكس يخشى من ان تصادم الآراء حول العراق سوف يشكل انتكاسة كبيرة للجهود الرامية الى صياغة سياسة خارجية مشتركة. ويقول: «عاجلاً ام آجلاً سيتعين على الاتحاد الاوروبي صياغة سياسة خارجية موحدة، ومهما كانت درجة محاباتنا لذلك، فلا مناص منه في نهاية المطاف وان ارجاء مثل هذه الخطوة الهامة لخمس او ثماني سنوات بسبب الخلاف حول موضوع العراق هو خطأ باهظ التكلفة. اذا كانت فرنسا تتوق الى رؤية اوروبا قوية موحدة يكون لها نفوذ مقابل للنفوذ الاميركي فإن عزل اوروبا الوسطى سيلحق خسائر فادحة بهذا المشروع الطموح». ترجمة: علي محمد عن «بوسطن غلوب»