الاربعاء 9 محرم 1424 هـ الموافق 12 مارس 2003 بمقدور أحدنا ان يطلق أحكامه على تومي فرانكس من ملابسه. بالطبع، يبدو فرانكس شخصية ظريفة ببزته الخضراء القاتمة ونجمات الجنرالية الأربع على كتفه، وهو يخطو بحقيبة السيد نحو اجتماعات البيت الأيض، لتحديد مصائر الدول. لكنه يبدو أكثر ارتياحا في زيه العسكري الصحراوي البني والزيتي وعلى صدره الأيسر بطاقة تحمل الكلمات: فرانكس، الجيش الأميركي. تومي فرانكس جندي محترف قديم يحب أن يوجد في موقع العمل، ويحب أن يعامل بدون محاباة أو تملق، ويريد دوما أن يجد المهمات الموضوعة وهي تنفذ ولاحظوا الاسم. ليس توماس راي فرانكس، وهو اسمه الرسمي، ولا تومي آر فرانكس، مثلما يذكر في المؤتمرات الصحافية الالزامية. حتى سيرته الذاتية الرسمية في الجيش الأميركي تذكر اسمه: تومي فرانكس، فيما تناديه حفيدته باسم «بوه». ومع ذلك فان تومي فرانكس الآن هو أهم ضابط على وجه هذه الارض، وهو يتولى رئاسة القيادة الأميركية المركزية التي ستقود الغزو الأميركي للعراق والذي يمكن ان يحدث بعد أيام. وظيفة فرانكس تجعل منه أهم مستشاري واشنطن المحترفين في عملية فرض السلم الأميركي. القيادة المركزية ليست سوى واحدة من تسع قيادات اقليمية تقتسم العالم فيما بينها. غير ان هذه القيادة هي الأكثر حساسية بكثير من غيرها، باعتبارها تغطي 25 دولة معظمها تصنف ضمن «قوس عدم الاستقرار» وتشمل الدول العربية كلها والشرق الأوسط والخليج وشرق افريقيا وحتى افغانستان. وقد خاض فرانكس حتى الآن حربا واحدة كان هو قائدها العسكري فبعد شهور من انتقاله الى مقر القيادة المركزية في قاعدة ماكريل الجوية في تامباباي، وجهت اليه اوامر البيت الابيض في 12 سبتمبر 2001 لتجهيز خطط لغزو افغانستان والقضاء على حكومة طالبان والقاعدة. واليوم تلوح حرب جديدة اخرى، اكبر بكثير هذه المرة، يمكن ان تحدد مستقبل الشرق الأوسط بأكمله. انها مهمة صعبة، لم تسهلها الافعال التي التي كان عليه القيام بها. كلنا يتذكر نورمان شوارزكوف الضخم «نورمان المكتسح» الذي قاد التحالف الدولي لاخراج القوات العراقية من الكويت عام 1991. بعد شوارزكوف اتى انطوني زيني، الذي اكسبته مهاراته السياسية لقب «الاب القوي» كما لن يساعده ايضا ان شوارزكوف وزيني المتقاعدين يقفان ضد منطق هذه الحرب المقبلة علنا، على الاقل بدون تخويل دولي من الامم المتحدة.. ومن غير الواضح بعد ان كان فرانكس، الذي قد يقود الآن «تحالف الارادة» (اميركا وبريطانيا)، يفكر بالطريقة نفسها. فما دام يرتدي بزته العسكرية، يبقى من غير المسموح له التمتع برفاهية الانشقاق عن القيادة. حرب افغانستان لم تعزز موقع فرانكس. فخلفيته العسكرية وهي سلاح المدفعية، لا يعرف عنها انها ارض خصبة للتفكير الاستراتيجي الابتكاري. غير ان افغانستان كانت أول حرب في القرن الواحد والعشرين، كانت حربا من نوع مختلف يتطلب التكتيكات السريعة على الأرض. وقد وجهت لفرانكس الانتقادات لاتباعه تكتيكات حرب الخليج او كوسوفو القديمة البطيئة التي تعتمد على كثافة القصف الجوي، لكنه في هذه المرة فوق بلد يعيش في العصر الحجري قبل أن تدخل القاذفات أجواءه. كما وجد فرانكس نفسه ايضا يتكيف ببطء كبير مع سرعة انهيار حكومة طالبان ثم فشل، ايا كانت الأسباب، في توفير ما يكفي من الجند علي الارض في معارك تورا بورا في ديسمبر 2001 ثم عملية اناكوندا في مارس 2002. وكانت النتيجة أن الكثير من مقاتلي القاعدة (بينهم أسامة بن لادن ربما) تمكنوا من الهرب. فرانكس يختلف عن شوارزكوف، الذي يحب الاوبرا ويتحدث لغات أجنبية، ويتقن فنون الالقاء الخطابي، فلا تتجاوز رفاهيته التي يحبها سيجارا من نوعية متوسطة وسيارة فورد موستانغ قديمة في كراج بيته. كما أنه من مشجعي فريق تامباباي بوكانيرز لكرة القدم الأميركية. في حياته الخاصة، بين أصدقائه «لا يبدي تومي ولعا بأي شيء محدد» كما يقول الجنرال ليو باكستر الذي يعرف فرانكس منذ السبعينيات ويعجبه جدا حب صديقه للغة البذيئة، «لكن اللغة البذيئة بطريقة ساخرة». لكن حياة فرانكس العلنية شيء آخر. فهو على الأغلب لا يقبل اجراء لقاءات صحفية. وليس السبب هو أنه لا يحسن التعامل مع الصحافة، انما هو لا يستمتع بها. وبقامته الطويلة، يعلو فرانكس فوق وزير الدفاع دونالد رامسفيلد على المنصة في قاعة الصحافة في البنتاغون، لكن منذ المراحل الأولى من حرب افغانستان، كان يجد نفسه عمليا وهو يتلقى الأوامر من وزير الدفاع للاجابة عن اسئلة الصحافيين. وحينما يجيب لا تتوقع منه بيانات مثيرة. واليك هذا المثال من أجوبته خلال حرب افغانستان: «الجهود التي نبذلها لتحقيق ما نسعى له من أهداف تجري على نحو طيب جدا، وسأكتفي بهذا القدر».وسواء أحب فرانكس أم لم يحب، فقد اصبح الآن على عتبة معرض الابطال العسكريين الأميركيين. فالاميركيون يحبون جنرالاتهم ويسقطون عليهم صفات تتجاوز قيمتهم الواقعية وأحيانا ينتخبونهم رؤساء للبلاد. غير أن أحدهم يقول: «الاميركيون ينتظرون من الجنرالات ألا يخسروا حربا والا يكذبوا وألا يتصرفوا مثل النجوم».أكثر الأساطير العسكرية شعبية في أميركا هم المتحدثون الصريحون المقلون: الجنرال انطوني ماكوليف الذي رد على مطلب الألمان له باستسلام فرقته المحاصرة في معركة بولج عام 1944 بكلمة واحدة: «أغبياء!»، أو جورج باتون المعروف بلقب «الأعصاب الحديدية العجوز» أودوغلاس مكارثر، لكن طبعا ليس مكارثر المتعالي والاستعراضي الذي فصله الرئيس هاري ترومان من منصبه عام 1951 نتيجة تمرده على القيادة، بل مكارثر الذي تعهد قبل ذلك بعقد من الزمان بعد أن طرده اليابانيون من الفلبين قائلا «سأعود!». وفرانكس بعينيه الزرقاوين الثاقبتين ووجهه المتهدل ونمط شخصيته البعيد عن النجومية يلائم هذا النموذج تماما. فهو جندي ا لجنود الذي جرح ثلاث مرات في حرب فيتنام؟ وحصل على ثلاث نجمات برونزية. ربما يكون شديد الحذر، لكن هذا شأن الكثيرين من القادة العسكريين، الذين يعرفون عن كثب الحقائق الخفية للحروب. بهذا المعنى، يطبق فرانكس باخلاص تعاليم الجنرالية التي وضعها كولن باول، حيث الايمان بضرورة تحديد هدف واضح وتعبئة قوة عسكرية كاسحة لتحقيق النصر بأقل التكاليف وأقصر زمن. وفرانكس، شأن ضباط البنتاغون، يشعرون بقلق غريزي من تفكير من هم ليسوا بالعسكر في هذا العالم ويعبر عنهم وزير الدفاع رامسفيلد. ويستمتع فرانكس ايضا بصحبة صف الضباط، الذين يسميهم «عمال الموسسة العسكرية» وقد نقلت «نيوزويك» مؤخرا كيف ان فرانكس في غداء في المقر الجديد للقيادة المركزية في قطر (التي سيقود فرانكس حربه منها) جلس بجانب رقيب في احدى زوايا القاعة بدلا من مكانه المحدد مسبقا بين الجنرالات والشخصيات. وحينما أتى أحد معاونيه ليطلب منه الانتقال الى مكانه بين الضباط الكبار قال له: «لا، اريد ان اتحدث مع الرقيب أول». بهذا السياق فهو يشبه القائد البريطاني الاسطوري مونتغمري الذي احبه رجاله لاهتمامه باحوالهم. في ذلك الوقت كان مونتغمري يتعرض لانتقادات القادة المدنيين. غير الصبورين ايضا نتيجة حرصه الكبير على التأكد من تحقيق أكبر قدر من الاستعدادات قبل أي هجوم. ويبدو ان مطالب فرانكس بتحقيق قدر كبير من الاستعدادات قبل الحرب المقبلة هي التي سادت أخيرا. وفرانكس يعرف الحرب في العراق معرفة مجرب، فقط كان نائب قائد فرقة الخيالة الاولى التي نفذت عملية معقدة عند الحدود السعودية في حرب الخليج. ويعد البنتاغون بشن حرب «صدمة ورعب» تتضمن مذبحة من الصواريخ الموجهة والاستخدام المكثف للقوات الخاصة واكتساحات سريعة بالدبابات لارعاب القيادة العراقية ودفعها للاستسلام سريعا. غير ان المخططين لا يتركون شيئا للصدف كما يؤكد فرانكس منذ البداية. فالقوات التي تستعد للهجوم على العراق الآن قارب عددها 300 ألف جندي في عملية ابعد ما تكون عن اقصى ما بلغته توقعات المدنيين من «المفكرين الجدد» الذين قالوا انه بقليل من اعمال الخيال يمكن تنفيذ المهمة بما لا يزيد عن 50 الف جندي. مشاغل ومسئوليات فرانكس كبيرة حتى قبل تطور القضية العراقية. وأصبحت الآن أكبر. فهو دوما بعيد عن تامباباي، اما في واشنطن بين البنتاغون والبيت الابيض والكونغرس، او في القواعد العسكرية البعيدة. الساعات طويلة والحياة العائلية غير موجودة تقريبا. وهذا مقابل مرتب سنوي يبلغ 150 ألف دولار، وهو اقل بكثير مما يمكن له كسبه من العمل المدني، فما بالك بالمحاضرات والاحاديث التلفزيونية. بدلا من ذلك يفضل فرانكس اخذ حياته العائلية معه وهو ما سبب له الكثير من الاحراج مؤخرا. فبأي معيار، يبقى فرانكس قريبا جدا على نحو غير عادي من زوجته كاتي، معلمه التاريخ في المدرسة الثانوية التي تزوجها بعد عودته من فيتنام عام 1969. هو يلقبها «مرساته» ويأخذها معه أينما ذهب. والنتيجة تحقيق في البنتاغون لأنه نقلها معه مجانا على البوينج 707 المخصصة للقيادة المركزية. ومع أن التحقيق برأه من ناحية النفقات، فقد توصل الى انها كانت حاضرة حينما كان يتم الكشف عن معلومات سرية.لكن من غير المتوقع ابدا اتخاذ أي اجراء ضده والحرب على الأبواب. كما أن فرانكس يحظى دوما بمديح رامسفيلد، اضافة لكون علاقته طيبة جداً مع القائد العام للقوات المسلحة، جورج بوش.فوارق اجتماعية تفصل بين جورج بوش وتومي فرانكس. فالرئيس مزيج من الدماء الزرقاء في الساحل الشرقي والنفط في تكساس. اما فرانكس فهو من سلالة ادنى ولم يتلق تعليمه الجامعي في يال انما في جامعة تكساس قبل ان يمضي الى فيتنام ضابطا في المدفعية. غير ان نقاط التشابه تطغى على نقاط الاختلاف. كلاهما نشأ في مدينة ميدلاند النفطية التكساسية. كلاهما ليس متحدثا فصيحا وكلاهما يمكن التقليل من شأنها بسهولة. لكن أحد الاصدقاء القدامى لفرانكس يقول محذرا: «لا يغرنكم الطابع الطيب لهذا الفتى قديم الطراز. الشيء نفسه ينطبق على بوش، وقد وصف فرانكس الرئيس بقوله: «الرئيس أكثر شخص عرفته تجد ما في قلبه على وجهه» وهذه المشاعر الطيبة متبادلة بالتأكيد. على الرغم من كل الضغوط التي يتعرض لها حافظ فرانكس على حماسه. فبعد عودته الى قطر من واشنطن، نزل من الطائرة وهو يصرخ في ذلك المساء: «حان وقت الاستعراض!» وقد اصبح أهم استعراض في حياة فرانكس على وشك الشروع. ترجمة : جلال الخليل عن «اندبندنت»