الثلاثاء 8 محرم 1424 هـ الموافق 11 مارس 2003 كل عملية فلسطينية مروعة تضربنا، تشحذ وتكرر لغزا مزعجا لم يحظ بجواب منذ اكثر من سنتين. كيف ينتج الفشل حبا، وكيف تنتج خيبة الامل تبجيلا، وكيف يعقل اننا كلما غرقنا ازدهرت الشعبية، او بكلمات ابسط: لماذا بحق الجحيم ما زلنا نحب شارون؟ شارون معالج نفسي.. ليس رئيس حكومة فحسب، بل هو المعالج ايضا. وهو مطبب، نفسي، وحسب النظرية المعروفة لسيجموند فرويد وامثاله، هو صفحة بيضاء. ليس لديه شخصية حقيقية في وقت العلاج. وليست لديه خطوط طابع واضحة. وهو لا يبدي سلوكا معينا. وبامكان المريض ان يرى فيه الشخصية التي يريدها. الآن تذكروا ايهود باراك، بنيامين نتانياهو واسحق رابين ـ اولئك الاشخاص ذوي الخصال والتصرفات الواضحة. ذوي المواقف تجاه تشكيلة واسعة من الموضوعات. شارون ايضا كان ذات مرة انسانا شديد التفرد والتميز، مكروها لدى اليسار محبوبا لدى اليمين، يفجر الحرب في لبنان وباقي المستوطنات. بيد ان شارون الجديد، منذ «شارون فقط يحقق السلام»، اصبح انسانا آخر يخلو من الخصال الواضحة. ليس عدائيا، وليس لطيفا ايضا. ليس ضد السلام وليس مع السلام. هو يحب المستوطنات، لكنه مستعد لاخلائها، وبصورة جوهرية هو لا يقول اي شيء واضح. ليست لديه اية خطة متبلورة او اهداف معروفة. عمليا يقوم تجاهنا، نحن الشعب، متلقي العلاج، بدور اللوح الاملس. اية مزايا للمعالج بصفته لوحا املس؟ الامر غاية في البساطة: بامكان متلقي العلاج ان يسقط عليه كل شيء وان يراه في كل وقت ذا شخصية اخرى، وذا مميزات يحتاجها متلقي العلاج. مثل هذا شارون بالضبط في غياب الطابع يستطيع كل واحد التماثل معه من مكان مختلف. اليساري المعتدل يؤمن بان شارون في الحقيقة يريد السلام، وهو فقط ينتظر الوقت المناسب. ويرى فيه اليميني، الشخص الوفي للمستوطنات. الرأسمالي يرى فيه رجل الاقتصاد الحر. ويرى فيه المبائي (عضو حزب مباي- الحزب العمالي المصدر) مبائيا والليكودي ليكوديا. ويرى فيه الطفل جدا طيبا غير مؤذ. امامنا اذن رجل علاقات عامة متألق: ركبوا لنا رئيس حكومة ذا مزايا معالج. شخصا ثمة فيه شيء ما لكل واحد. ليس مهما من اين جئت- فثمة في شخصية اريك عديمة الشخصية، مصدر لتماثلك. الى اين يفضي ذلك؟ الى واقع الهذيان الذي نحن فيه الآن: اسرائيل تنهار والجميع يحبون اريك، وذلك لان كل واحد يعتقد ان الاريك الذي يراه، هو الاريك الحقيقي، والعوامل الخارجية على اختلافها هي فقط التي تشوش عليه امكانية التجسد والتحقيق. شارون الجديد هو اذن احدى الخدع البراقة في السياسة الاسرائيلية، وربما في مجمل السياسة خلال العقود الاخيرة من السنين. نموذج جديد اشد تطورا لرئيس حكومة. بدل تصميمه كزعيم يفعلون العكس تمام: يفرغونه من كل ميزة ويتركونه في منطقة الشفق والغموض. ويمنحوننا نحن متلقي العلاج، الاذن في رؤيته حسبما ترغب نفوسنا. وهكذا، في الوعي يختار كل واحد اريك الخاص به، ولكن في صندوق الاقتراع، وفي استطلاعات الشعبية وفي كرسي رئاسة الحكومة، ثمة اريك واحد. وفي حين نلفظ انفاسنا الاخيرة ونهلك ونفصل من عملنا، محطمين يائسين، خالين من النقود والآمال، هو لا يزال رئيسا للحكومة الطبيب النفسي الافضل والانجح في اسرائيل. عن «معاريف»