الثلاثاء 8 محرم 1424 هـ الموافق 11 مارس 2003 يتحمل العنف الفلسطيني المسئولية الكبرى والفردية عن مصرع ركاب حافلة الباص في حيفا مؤخراً، لكننا نحن ايضا نتحمل المسئولية العليا والفردية عن اهمال حياة شابة فوارة «وعن مقتل ايضا سيقال ما قيل في الاسبوع المنصرم، في احياء ذكرى ضحايا عملية اخرى، من مقدمة اختارتها راحيل لاحد اناشيدها: «الموتى فقط لا يموتون». نحن مسئولون عن قتلهم لاننا جميعا عرفنا ان الجدار الفاصل ينقذ 100في المائة تقريبا من ضحايا العمليات الانتحارية وعمليات اطلاق النار داخل الخط الاخضر، وكلنا عرفنا ان السياسيين الذين وعدونا بالجدار يخدعوننا، اغمضنا عيوننا ونمنا في خضم الحراسة. في الشهرين الماضيين منذ العملية الانتحارية في نفي شأنان في تل ابيب اصبحنا مستكينيين. تركنا الامل يتغلب على المنطق، وبأنه يمكن العيش بدون هذا. اذ ان احدا لا يبتهج بكونه مزعجا لحوحا. في نظر نفسي انا مسئول من الدرجة الاولى. كتبت عشر مقالات جدلية لصالح الجدار. عرفت ان مئات صواريخ القسام لم تتسبب في خسائر تماثل ما تسببه عملية انتحارية واحدة، وعرفت ان خيرة رجال الامن، آفي ديختر وشلوبو اهرونيشكي وغابي اشكنازي يؤيدون اقامته. ولكن في الشهرين الماضيين خف الضغط. اذ ساد هدوء متوتر ومحظوظ، وسمعت كذلك من وراء الظهر ملاحظات تقول «مللنا!» رغبت في ان اصدق السياسيين. خطأ، فالمثابرة هي شرط للنجاح على الرغم مما يرافقها من ضجر. الجدار يحل الغالبية الساحقة من مشكلات العنف في مستواه الراهن، لكن السياسيين احبطوه. ارييل شارون وشمعون بيريز واليسار المتطرف والفلسطينيون لم يريدوه. ووزير الامن السابق بنيامين بن اليعازر، انضم الى المؤيدين عندما احتل الجدار مكانة مرموقة في الاستطلاعات التي سبقت انتخابات حزبه التمهيدية. وشاؤول موفاز وموشي يعلون لم يريداه في الحقيقة. ولم يبادرا لقول: كلمة واحدة في صالحه فقط حين يحشران، وحتى عنذ ذلك يكونان كمن تلبسها عفريت. سيلفان شالوم وعد بالمال ولم يقدمه وفي الميزانية التي قدمها للكنيست لا توجد اغورة واحدة للهدف الملح للغاية المتمثل في امن الاسرائيليين. المستوطنون خافوا غضب قتلى العفولة، فابتكروا صيغة بانهم مع جدار امني بدون فصل. اليمين والوسط ارادا رضاهم، من غير ان يشعر سكان حيفا بانهما يخدعانهم. وتأييد الحكومة يشبه نصب جهاز انذار بدون صفارة. ايهود اولمرت ويوسف لبيد نبهاني مرارا الى انني ضللت الجمهور حين كتبت انهما ضد الجدار. هما مع الجدار فعلا فليكن، ولكن الى اي حد؟ بهذه الصيغة: انا مع الجدار، ولكن لا تخطئوا في الاعتقاد بانه الحل النهائي للمشكلة. اذني بارعة في التمييز كيف يلغي الجزء الثاني من الجملة بدايتها بصورة تامة. فليسمح لي كلاهما. تومي لم يتحدث ابدا عن تأييده للجدار بنفس الحدة التي يهاجم بها المتدينين المتزمتين واولمرت لم يجانبه بالحماس الذي ادار به مناقشة خصومه في بلدية القدس. حاييم رامون اقام حركة. خسر في الانتخابات، تلاشى الجدار دان مريدور كان من اوائل المؤيدين، لكنه لم يزعج راحة الجيران في الحكومة. ايهود باراك بادر، لكنه لم يبذل اي جهد منذ تفرغ لاعماله. هذا الجدار يتيم له اعمام لكن ليس له والدان. وليس ثمة من يوصله الى عش الزوجية، الى مراسيم شرب الانخاب في ختام بنائه. ان امة تبني عشرة كيلومترات مع حاجتها الى (400) كم، لا تنوي الدفاع عن حياة الشبان والفتيات في حيفا بجدية. لا يوجد فيها ما يكفي من السياسيين من يريدون الجدار. كما ان معظم السياسين الذين يريدونه لا يريدونه بما يكفي. ان الجدار الفاصل سوف يمتد عندما يقيم شخص ما ذو خصال جديرة، حركة قومية، ويصرخ في الايام الهادئة كما في ليالي التعرف على الجثث المدخنة، ويجند الامة ضد حكومتها باللغة العتيقة المعروفة - بكل قلبك وبكل روحك وبكل طاقتك. الحاخام زيرا رفض قبول هدايا من السلطات، لكنه لبى دعوات للمشاركة في موائدها. ما الفرق؟ تساءل رفاقه، فشرح لهم زيرا: حين يدعونني «يتشرفون بي». الحكومة الجديدة لم تدع دان مريدور للانضمام اليها، فأضاعت فرصة التشرف به. وسوف تشعر الاجهزة الاستراتيجية واسرة القضاء، والسفارات الاجنبية بفقدانه، وهو امر مؤسف. عومري شارون حشد مجموعات من اعضاء مركز الحزب ممن لم يغفروا لمريدور نشاطه في منع تعيينات مشبوهة في المرافق الاقتصادية العامة. لكن المسئول عن ابعاده هو ارييل شارون وحده، الذي اعلن قبل الانتخابات امام عدسات التصوير: «مريدور سيكون وزيرا». هل قال؟ قال. مطلوب موهبة ادبية لتوصيف ما حدث، عندما جلس دافيد ليفي ومريدور مع شارون، كل على حدة. ليفي اعرب بعد ذلك بدعابة عن انه لا يستطيع حتى تسريب رد رئيس الحكومة حين ذكره كيف عمل على ضمه الى حكومة نتانياهو. لان شارون لم يرد مطلقا على حججه. ولا على مريدور ايضا. شارون قال انه لا يستطيع توسيع الحكومة، هكذا ببساطة، لم يسوغ ولم يتوسع، ابدا، ولم يبق امام ليفي ومريدور سوى ان يقوما ويمضيا. بهذا تكون الحكومة الاسرائيلية الثلاثون قد فارقت تراث مناحم بيغن. صحيح انها الآن ايضا تضم امراء من الجيل الثاني للآباء المؤسسين، لكن سكرتاريتها. وواظب دان على زيارته خلال عقد السنين الذي اعتزل خلاله في منزله. لن يبقى بعد اية رائحة من تراث بيغن في الحكومة، وهو امر مؤسف مرة اخرى. السفير الفرنسي ذو السيرة الحسنة، جاك هونتسنجر، خرج مؤخراً مسلحا برمل عراقي كي يذروه في عيون قراء «هآرتس». ففي مقال نشر في صفحة معزولة، ذهب الى ان ان لفرنسا في العراق مصالح تجارية قليلة فقط، 2,0 في المائة من صادراتها. وعلى امتداد المقال غاب عن ذاكرته ان بلاده زودت الرئيس العراقي بمفاعل ذري. وبمصطلحات دبلوماسية فان «وجه الله» تعني بالفرنسية الرغبة في التشبث بقرار مجلس الامن رقم (1441). في البداية تحفظ الفرنسيون على الحرب ضد الارهاب، بتسوية اسمها (1441). في خليط من الاقوال الصحيحة كتب جاك ذو الذوق الرفيع ان العالم من التعقيد بحيث لا يمكن ان نحدد انفسنا في رؤية الاسود والابيض فحسب. من دون التنازل عن واجب وضع حد لحظر اسلحة الدمار الشامل - تؤمن دولتي بصدق نواياها وتعتزم دفعها الى الامام دون كلل». كلام في كلام. كان سيثير اهتمامنا يا جاك، لو لم يقل من هم اكبر منك في حكومة فرنسا، مثل ادوارد دلادييه مثلا، اقوالا مشابهة في الجولة السابقة. ليس فقط اسرائيليون كثيرون يحملون هذا الرأي. بل ان يهود بلاد هونتسنجر ايضا، يشعرون بأن ثمة شيئا ما غير صحيح في السياسة الفرنسية، لدرجة الشعور باغتراب لا سامي في دولتهم. في البحث الذي اجراه ستانلي غرينبرغ، المعروف في البلاد من الاستشارة التي قدمها لايهود باراك في انتخابات 1999، وجدت معطيات حزينة قاتمة: «اليهود في فرنسا يشعرون بالغربة. يلاحظون تزايدا كبيرا في اللاسامية.. وهم يؤمنون بان الحكومة الفرنسية تعمل القليل لكبح ذلك.. ربع اليهود يدرسون مغادرة فرنسا، 13في المائة بجدية متناهية.. 76 في المائة من اليهود الذين يدرسون مسألة الهجرة هم ممن دون سن الخمسين». ثمة سؤالان: اين اختفت شعارات الثورة الفرنسية منذ سنة 1789؟ وهل تأسف الحكومة الفرنسية في 2003 إذا نفذ مواطنوها اليهود نيتهم في الهجرة من بلادهم؟ عندما نزل ايهود اولمرت من اعالي جبال القدس، وهبط عمرام متسناع من الكرمل - كلاهما الى السياسة الوطنية - التقيت نظيرهما التل ابيبي رون حولدائي، والناي في فمه. كان يعزف الى جانب شيرالي شارون ، التي افتتحت ناديا للموسيقى في بيت سوكولوف بتل ابيب. اهتتمت متى يحين دوره للتحرك من البلدية الى الحكومة. للحقيقة حتى الان هناك اثنان لم يتعودا بعد، على فكرة ان حولدائي هو رئيس اول بلدية عبرية. احدهما انا، اذ قبل خمس سنوات، وبحضور افيئام سيلع، راهنته على ان ليس له امل في ان ينتخب. والثاني هورون حولدائي نفسه. احيانا ينظر في مرآة المصعد ويتساءل ما اذا كان هو سندريلا حقا، التي احتذت حذاء تل ابيب الزجاجي. هذا الاسبوع حان موعد الجواب. شرح لي ان رئيس البلدية في حرب مستمرة، ولكنه يرى المجازات ايضا. صحيح ان ثمة احباطات. عندما تسلم منصبه قال لموظف كبير فاشل ان يلملم حاجياته ويذهب. لكن الرجل ما زال متحصنا في مقعده حتى هذه الساعة. لكن رئيس البلدية، وبعكس رئيس الحكومة، لا يمكن عزله بواسطة تصويت على حجب الثقة في كامل هيئة المجلس البلدي. لذلك فالمعارضة ايضا تميل الى التدبر معه.وهكذا يكون بالامكان تمرير القرارات. المهم عدم الخوف. ما الذي لم يقولوه عنه حين قام بحفر المجاري الصدئة في شارع اللنبي؟ لقد اضحى اليوم قصة نجاح. ان من يتولى منصبا كهذا، يتوقع، بامكانه النجاح، شريطة الا يتردد في السنوات الاولى لتوليه المنصب، ويعمل وفقا لمفاهيمه ولا يقرأ استطلاعات الشعبية. التل ابيبيون يمتدحونه، مع ان له خصوما ومنتقدين كذلك. ليس له منافسون جديون في انتخابات اكتوبر اذ ان أي حزب لن يرغب في انفاق اموال من حزينة فارغة على مرشح خصم ينتهي بصندوق اقتراع فارغ. حسن، قلت له، لقد نجحت، لكن الا يخطر ببالك القفز الى الحلبة الوطنية؟ كان لديه جواب ثلاثي، اختاروا انتم ما يناسبكم: «استنفدت امنياتي في سلاح الجو، وبصورة خاصة في ادارة مدرسة هرتسليا العبرية. البلدية تتطلب عملا كثيرا، وفترتان من المسئولية هما الحد الادنى، وخلال اقل من خمس سنوات كرئيس بلدية، عملت مع سبعة وزراء مواصلات، اذن لماذا القفز من نشاط اساسي مثير الى وظيفة اخذة في التلاشي كل ثمانية اشهر ونصف الشهر في المعدل عن «معاريف»