الثلاثاء 8 محرم 1424 هـ الموافق 11 مارس 2003 لم يخطط عدنان الباجه جي لان يقضي السنوات الاخيرة من عمره في الغرف المليئة بدخان السجائر او داخل الطائرات بأجوائها الخانقة او التحديق في اكوام البريد الالكتروني على شاشة حاسوبه.الباجه جي وزوجته سلوى خططا لحياة وادعة حيث الشتاء في عاصمة خليجية دافئة والصيف في لندن الباردة التي تعيش فيها اثنتان من بناته. غير ان وزير الخارجية العراقي السابق الذي بلغ الآن الثمانين من العمر والذي يتداول اسمه للقيام بدور قيادي ما في عراق ما بعد الحرب، بالكاد يستطيع اخفاء حبوره باحتمال عودة الدماء السياسية للتدفق في عروقه من جديد، ولو في وقت متأخر. يقول الباجه جي: «كنت اعيش حياة هانئة، اعشق الموسيقى الكلاسيكية واعتدت ارتياد المهرجانات، قالت لي زوجتي: لم تزعج نفسك بالسياسة الآن؟ غير اني متورط فيها شئت ام ابيت، في هذا الالتزام الكبير، في هذه المرحلة الانتقالية. ويضيف: «نعيش اليوم مرحلة مثيرة، لا شيء بهذا القدر قد عاشه العراق منذ سقوط الامبراطورية العثمانية». في شرفة شقته في العاصمة الخليجية التي يقيم بها، وهي الشقة التي تطل على ابراج المدينة الشاهقة ومياه الخليج من ورائها، يقول الباجه جي انه غير مرتاح من احتمال احتلال اميركي لبلاده. لقد وعى الرئيس العراقي للتخلي عن السلطة لتجنيب العراق الغزو والاحتلال. كما رفض العرض الذي قدم له ليكون عضوا في اللجنة السداسية التي شكلتها المعارضة خلال اجتماعها في شمال العراق المتمتع بحكم ذاتي ويتوقع لها ان تلعب دورا استشاريا في ظل الاحتلال العسكري الاميركي للعراق. وبدلا من ذلك ينادي الباجه جي بدور للامم المتحدة شبيه بما قامت به في افغانستان تقوم هذه المنظمة بموجبه باستشارة جماعات داخل وخارج البلاد لتشكيل ادارة عراقية انتقالية. ويقول لمراسلة «فاينانشال تايمز»: نريد ان يكون للامم المتحدة دور الى جانب ادارة مدنية مكونة من تكنوقراط من داخل وخارج العراق لادارته غير ان الام المتحدة ومشاركتها تمثل مشكلة للولايات المتحدة اذا ما فشلت في الحصول على قرار حرب جديد من مجلس الامن الدولي. ينبع احتمال ان يشارك الباجه جي فيما لاتزال رؤية اميركية مضطربة لعراق ما بعد الحرب من الافتراض بأنه قادر على لعب دور الشخصية النافذة الناضجة المهدئة بين مجموعات المعارضة العراقية المختلفة الطامحة للسلطة. وليس للباجه جي علاقة حزبية او شعبية داخل العراق الذي غادره في 1969 بعد عام واحد من استيلاء حزب البعث على السلطة غير انه يقول انه يمثل اغلبية صامتة تريد ان ترى عراقا علمانيا وليبراليا. وقد حصل الباجه جي على جنسية الدولة الخليجية التي يقيم فيها منذ 20 عاما وتقاعد اوائل التسعينيات ولا يخفى انه يتمتع بمزايا طيبة في حياته بشكل مغاير كثيرا للمصاعب اليومية التي يعانيها العراقيون. ويقول: «لقد ولدت وان اتمتع بالسلطة والمزايا والدي كان رئيس وزراء في عهد الملكية، وعمي كان رئيس وزراء، وحماي كان رئيس وزراء والتحق بالسلك الدبلوماسي العراقي عام 1944 بعد دراسته في الجامعة الاميركية ببيروت وقبل متابعة دراسته العليا في كلية فيكتوريا كوليج التي كانت حينها مدرسة عمومية انجليزية في القاهرة. وقد عمل مندوبا للعراق في الامم المتحدة وسفيرا له لدى الولايات المتحدة واصبح وزيرا للخارجية العراقية في اول حكومة مدنية بعد ثورة 1958 التي قضت على الملكية ويقول: «لقد تخرجت من الجامعة قبل 60 عاما من الآن، هل تتخيل هذا؟ لابد واني ابدو مثل ديناصور!». ومع ذلك، وهو في عمره هذا، فان خبرته وعدم رغبته المفترضة في اي مطامح سياسية هي التي اكسبته هذا القدر من الاحترام وخصوصا بين تكنوقراط المنفى، الذين خاب املهم نتيجة مهاترات المعارضة والحاجة لمشاركة شخصية وطنية في عملية ما بعد الحرب، واعدة بأن تكون مرضية جدا للجميع. بمطالب من الاصدقاء ساهم الباجه جي في تشكيل جماعة معارضة ليبرالية علمانية منذ عامين سميت حزب الوسط الديمقراطي غير انه سرعان ما تخلى عن مشاركته نتيجة الخصومات الشخصية في المعارضة. غير انه منذ ذلك الوقت وهو يتلقى الغزل من جانب المسئولين الاميركيين كان آخره اجتماع في شقته المطلة على الخليج مع زلماي خان المبعوث الاميركي للمعارضة العراقية وحتى الآن لايزال الدور الذي تريد الولايات المتحدة منه ان يلعبه غير واضح المعالم لكن باعتباره سنيا علمانيا وسط معارضة يغلب عليها الطابع الشيعي والكردي فان ذلك جعله اكثر جاذبية للمسئولين الاميركيين. يقول الباجه جي: «يجب الا يكون هناك قائد واحد للعراق بل قيادة جماعية من الصعب على ابناء الشعب العراقي ان يتفقوا على زعيم واحد فهم سيسألون: هل هو سني ام شيعي ام كردي؟». والباجه جي يمثل ايضا جزءا من الحل الذي ترغب به الدول العربية للمشكلة العراقية فالقادة العرب يريدون تجنب هيمنة اميركية على العراق وهو ما يرونه نقطة بداية لرؤية اشمل تهدف لاعادة رسم الشرق الاوسط. ومن غير المفاجيء، بعد تردد اسم الباجه جي على نحو متزايد في سياق الخطط الاميركية لما بعد الحرب، ان بدأت همسات النقد تتردد ضده في بعض اوساط المنفى التي يدعمها صقور الادارة الاميركية. ومن بين ذلك بيان عراقي كان قد ألقاه في الامم المتحدة عام 1961 كرر فيه موقف حكومته من الكويت وانها جزء من العراق، وهو البيان الذي اخذ هؤلاء يذكرونه باعتباره شائبة تلطخ سمعته. على الرغم من ذلك كان الموقف الذي يتخذه كل العراقيين وهو قد ادان علنا الغزو العراقي للكويت عام 1990. يقول الباجه جي: «انهم يقولون اني قومي عروبي متزمت وكأن هذا خطيئة، اني اؤمن بان من مصلحة العرب ان تجمعهم علاقات وثيقة ببعضهم ان ضعفنا يكمن في انقسامنا. وفيما يتنقل الباجه جي بين العواصم الاوروبية هذا الاسبوع لجمع جماعات المنفى في حركة مستقلة للدفع نحو دور للامم المتحدة في العراق بعد الحرب فانه يعترف بان الوقت ينفد بسرعة امام حله المفضل لهذه الازمة. يقول: «ان فرص ان يمضي الرئيس العراقي للمنفى ضئيلة، لكنه سياسي يتقن المناورات وربما يقول في اللحظة الاخيرة: دعونا نناقش العرض! العراقيون يريدون التغيير، لكنهم يريدونه سلميا ولهذا فليس هناك طريق آخر، الولايات المتحدة لن تعيد قواتها من حيث أتت». عن «فاينانشال تايمز»