الثلاثاء 8 محرم 1424 هـ الموافق 11 مارس 2003 فيما كنت اتابع، مؤخراً، اجتماعات مجلس الأمن، تبادر لذهني اجتماع بعد به العهد، دار ذلك الاجتماع على امتداد ثلاث ساعات في احد ايام مايو 1967 على الساحل المصري المتوسطي عند العلمين، اما نجمه فكان المارشال مونتغمري الذي اصبح اسم تلك المنطقة جزءاً لا يتجزأ من لقبه الرسمي عقب النصر التاريخي الذي احرزه على القوات الألمانية التي كان يقودها المارشال اروين رومل.كان مونتغمري حينها في جولة تمتد عشرة ايام بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لانتصاره وهي الجولة التي نظمها له سير دنيس هاملتون من صحيفة «صنداي تايمز» وقد دعمت صحيفة «الاهرام» هذه الفكرة بحماس، وباعتباري رئيس تحرير «الأهرام» حينها فقد ساهمت في الترتيبات التي أعدت لها على الجانب المصري. كانت لمونتغمري حينها طلبات لا تنتهي، اولها انه اراد ان يرافقه في جولته اربعة من كبار ضباط هيئة اركانه السابقين وبعد ظهيرة 9 مايو 1967، عقب الانتهاء من جولة مرهقة في جبهته بالمروحية وبالعربات العسكرية وساعتين مشياً على الأقل، دعانا جميعاً لشرب الشاي على شاطئ البحر اعتقدت حينها انه اراد من ذلك ان يكون ايماءة ودية يعوض فيها علنياً عناء اليوم، الى جانب كونها لحظة يعرب فيها عن لمحة استياء، حيث كان لاحظ منصة نفط فولاذية فوق بئر نفط اكتشف حديثاً ترتفع تماماً فوق موقع قيادته السابق، فقال بغضب انه لا يحق لأحد ان يغير طبيعة موقع المعركة، كما يتذكره، وكما هي عليه حاله تاريخياً، فحاولت ان ابين له اهمية هذه الاكتشافات النفطية بالنسبة لمصر غير اني لا اعتقد انه اقتنع. على الشاطئ وامام الفيللا التي كان يقيم فيها، بدا مونتغمري وهو يقوم بمحاولة متعمدة ليعرفنا على جانب آخر من شخصيته كنا ستة نستمع له ـ الجنرالات الاربعة وهاملتون وانا ـ واصبح هو في قمة تألقه الشخصي تحدث مطولاً عن عدوه الألماني قائلاً: «يا لرومل المسكين! كان يتوق الى بعض الوقود لدباباته، ولم يعرف ان النفط كامن تحت الارض التي يقاتل عليها». واخذ يتذكر ونستون تشرشل الذي كان في ذروة حماسه وشوقه للنصر في حرب صحراوية ان «يقود قادته العسكريين للجنون لكثرة ضغوطه عليهم». وانتقل الحديث بالفعل الى فكرة الحرب ووضع مونتغمري بوضوح شديد شروطه المسبقة الاربعة للشروع في الحرب واود هنا ان اركز على هذه الشروط التي ذكرها، لما لها من اثر على الوضع العالمي اليوم قال مونتغمري انه لابد قبل الذهاب للحرب من وجود: 1- هدف واضح تسود الرغبة في تحقيقه على الصعيد القومي. 2- الوسائل والارادة لتحقيق هذا الهدف عسكرياً. 3- المقدرة على تبرير اللجوء للقوة قانونياً. 4- المقدرة على الدفاع اخلاقياً عن سلوك طريق الحرب داخلياً وخارجياً. اصابني الذهول حينها لسماعي هذه النقاط من جندي محترف، وقلت له ان 50 في المئة مما قاله يمكن ان يتعلق بالاستراتيجية و50 في المئة بالاخلاق. اجابني مونتغمري بأن ذلك ناجم عن ان: «النصر في الحرب يتطلب، وبقدر اكثر الحاجة للسلاح، ان يكون ابناء الشعب الذي يخوض هذه الحرب مؤمنين بما يفعلونه بحيث يكونون مستعدين للتضحية بأرواحهم، وان يكون الآخرون متقبلين للشرعية القانونية والاخلاقية لهذه الحرب بحيث يضمنون دعمهم لها». اخذت نقاط مونتغمري هذه تراودني بالحاح كبير هذه الايام، واعتقد ان الكثيرين على امتداد العالم ربما يشعرون مثلي بضرورة التفكير بمدى انطباقها على الحرب المتوقعة في العراق. اولاً، اصبح العالم يواجه حرباً بدون هدف واضح والاشارات الى هذه النقطة اصبحت متناقضة ومضطربة فهناك تصميم على تدمير اسلحة الدمار الشامل العراقية على الرغم من ان مفتشي الامم المتحدة لم يعثروا على اث اثر لمثل هذه الاسلحة على الارض، ربما لأنه لم تعد هناك اسلحة ليعثروا عليها، واستبدال صدام حسين وحكومته (وهو دور لم ينط بالولايات المتحدة عبر تكليف الهي او غيره)، وانقاذ شعب العراق من الدكتاتورية (وهو وضع غير مقصور على العراق باعتباره وباء يجتاح الدول العربية كلها تحديداً، ويمتد من جاكرتا الى الدار البيضاء عموماً). ام ان الهدف هو تعزيز القبضة على اهم موارد النفط في العالم (وهي لعبة خطرة ستثير شكوك العالم الصناعي بأكمله حتماً، وتزيد احتمالات حدوث صراع يحمل معه عواقب غير متوقعة) ام بناء امبراطورية اميركية جديدة والاستيلاء على تركات الامبراطوريات الاوروبية السابقة في ضربة واحدة مع ان القادة الاميركيين ينكرون بشدة اي مطامح امبريالية يصعب على بلد اسس على مبدأ الحرية ان يتلاءم مع احتكار السيطرة على العالم كله اراضيه وبحاره وموارده معاً. الحرب في العراق تتناقض على نحو واضح مع شرط مونتغمري الثاني الذي يفيد ان هذه الحرب يجب الا تكون خارج نطاق الوسائل والارادة المتوفرة لمن يريد الحرب وفي هذه الحالة الولايات المتحدة. فبالنظر للتكاليف وحدها نجد ان معظم التقديرات تحدد التكاليف المباشرة للحرب على العراق بين 120 و200 مليار دولار وكانت الحرب السابقة التي شنتها الولايات المتحدة لتحرير الكويت قد تكلفت 70 مليار دولار غير ان الكويت والسعودية وغيرهما من دول الخليج تحملت حينها معظم فواتير الحرب لأن أمنها كان على المحك. اما هذه الحرب حتى وان كانت الكويت مستعدة للمشاركة في تحمل التكاليف، فإن بقية دول الخليج لا تريد ذلك. وفي المقابل فإن بعض الاطراف لها مطالب مالية تريد تحقيقها مقدماً للمشاركة وعلى رأسها تركيا واذا اخذنا بعين الاعتبار ان التكاليف المباشرة للغزو لا تمثل كل تكاليفه، وان هذه التكاليف ليست هي اجمالي تكاليف الحرب، فإن المشكلة حينها تأخذ ابعاداً هائلة. بالنسبة لشرط مونتغمري الثالث فإن ما يجري في مجلس الامن يثير المخاوف ازاء المبرر القانوني لهذه الحرب والتضحيات الباهظة التي تتضمنها وموقف وزير الخارجية الاميركي ـ الذي يشيع عنه «اعتداله» ـ يجعلنا نتعجب مما اذا كان صانعو القرار الاميركيون يفهمون اصلاً روح القانون وقد بدا وزير الخارجية الاميركي كولن باول في خطابه امام مجلس الامن يوم 14 فبراير الماضي وكأنه يقول للمجتمعين امامه بأنه قد اقنع الرئيس بوش بسلوك طريق الامم المتحدة بدلاً من الذهاب للحرب منفرداً. لقد اعتقد ان الامم المتحدة ستسانده كما يقول، الا انها خيبت امله برفضها تخويله بشن حرب على العراق. وقال: «الولايات المتحدة ستذهب للحرب مهما كان الامر بقرار من مجلس الامن الدولي ومن دونه وسواء أعجب ذلك الآخرين ام لم يعجبهم» ان مثل هذا المنطق يجافي اقل قدر من الفهم روح القانون، دع عنك نصه. اخيراً، اوضحت المظاهرات الهائلة التي اجتاحت كل مدن العالم بقدر كبير من الجلاء ان العالم غير مقتنع «اخلاقياً» بأن الوقت قد حان للحرب وعبر وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر عن المزاج العالمي بطريقة ساخرة في مجلس الامن الشهر الماضي حينما احتج بغضب على اقوال وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد قائلاً: «يجب عليك ان تطرح دعواك بطريقة ديمقراطية عفواً، انا غير مقتنع هذه هي المشكلة، فأنت لا تستطيع التوجه للجمهور وانت لا تؤمن بما تقوله». وبالفعل، فمن الصعب اقناع العالم سياسياً وعسكرياً وقانونياً واخلاقياً بمصداقية اتهامات واشنطن القائمة على شهادة لا يمكن الوقوف على شيء مادي فيها وعلى حماسة رئيس اميركي غاضب (وله الحق في ان يغضب) نتيجة هجمات 11 سبتمبر وبعد ان ألقي في اللوم عنها على القاعدة ثم حرف لاحقاً ليوجه نحو العراق، اخذ يوجه غضبه على فرنسا والمانيا والسويد لعدم موافقتها على دعم مطالبته بمعاقبة بغداد ويوبخ بقية العالم لعدم رؤيته ما يراه هو وفقدانه للشجاعة التي يمتلكها هو وحده الى جانب مفاهيمه التي لا يشبهها شيء وحكمته المعيبة على الامور. ملاحظة اخيرة: تردد الكثير من الكلام مؤخراً عن صراع الحضارات ونهاية التاريخ ان من حسن الطالع ان الحركة الكاسحة المناوئة للحرب في كل العالم قد كشفت ان هناك وعاء واحداً يجمع الحضارة الانسانية بأسرها، هذا الوعاء الذي تشكله الثقافات البشرية العديدة والمتباينة مجتمعة وهنا يكمن سر غناها كما ان هذه الجدالات في مجلس الامن قد كشفت ايضاً حتى لو كان ذلك باللغة الدبلوماسية رفضاً قاطعاً لفكرة السماح لشعب واحد بأن يهيمن على العالم، وان التاريخ لم يبلغ بعد نهايته. ترجمة :جلال الخليل عن «جارديان»