الثلاثاء 8 محرم 1424 هـ الموافق 11 مارس 2003 يجد القاريء نفسه هنا على موعد مع فضح شامل للاساليب التي تلجأ اليها شركات صناعة الغذاء في اغتراف الارباح من جيوب المستهلكين بغض النظر عن اي اعتبار لصحتهم، ومع كشف للابعاد الحقيقية لهذه الصناعة كما يتم القاء الضوء على كيفية تلاعبها بصحة البشر اجل تحقيق مكاسب بمليارات الدولارات. ومؤلفة الكتاب هي ماريون نسلة، استاذة ورئيسة قسم دراسات التغذية والاطعمة في جامعة نيويورك والتي عملت مستشارة للسياسة الغذائية في وزارة الصحة والخدمات الانسانية، وهي تنتمي الى عائلة ذات ماض ـ وحاضر ايضا ـ في صناعة الغذاء، ولم يمنعها ذلك من انتقاد السياسات الغذائية لصناعة الطعام وتأثيرها على الصحة. تتوجه صناعة الغذاء في أميركا، وكذلك في كثير من دول العالم، الى الاطفال لترويج منتجاتها بينهم باعتبار انهم يمثلون قوة شرائية هائلة. وشركات الأغذية في هذا التوجه تعتمد اعتماداً كبيراً على الحملات الاعلانية عبر محطات التلفزيون. ويشعر المهتمون بالسياسات الغذائية بالاحباط والأسى، لأن ذلك النوع من الإعلانات يعتمد بعضه على اثارة الغرائز لدى الاطفال، ويستند البعض الآخر الى قيم سلبية من وجهة النظر الاجتماعية، كالعنف والصراع والمخادعة، التي أصبحت مألوفة لدى الاطفال بتأثير برامج التلفزيون التي يشاهدونها والتي تعتبر تلك القيم الأساس الأول لتلك البرامج. غير ان المعلنين لا يكتفون بذلك، نظراً لأن أطفال اليوم أصبحوا ينفقون بعض وقتهم الذي كان مخصصاً بالكامل للتلفزيون لمشاهدة ألعاب الفيديو وأشرطة الفيديو والتحول عبر الانترنت، كذلك تحولت بعض اهتمامات الصغار الأكبر سناً الى ما يسمى بعناية اليوم الواحد. وتتجه مراكز عناية اليوم الواحد الى اغلاق أجهزة التلفزيون خلال اليوم إلا في حالة عرض أشرطة فيديو مختارة. وهكذا أدرك خبراء التسويق انهم يجب أن يوجدوا في مجوعة من المواقع المختلفة لكي يصلوا الى الاطفال لأن تقنيات جديدة وأنشطة جديدة بدأت تبعد الاطفال عنهم. ومن بين تلك المواقع شبكة الانترنت. عبر الانترنت في أواخر القرن العشرين كانت ثلث العائلات الأميركية تمتلك الكمبيوتر الشخصي، الأمر الذي أوجد سوقاً هائلة للإعلانات «أون ـ لاين» للأطفال وللكبار معاً. ففي عام 2000 كان هناك 12 مليون طفل ما بين 2 الى 12 سنة على شبكة «أون ـ لاين»، والمتوقع ان يصل عددهم إلى 32 مليون طفل في السنوات القليلة المقبلة فقط. ولجأت شركات الاغذية الى وضع شعاراتها على لعب الاطفال، وفيما يسمى بـ «الفيديو جيم»، وعلى الملابس، وفي معدات المدارس. وأصبحت تلك الشركات تصدر المجلات وترعى الاندية، وتوزع الكوبونات وتشتري أوقاتاً في دور السينما مستعينة في ذلك بالنجوم، وتضع شعاراتها حتى على زجاجات حليب الاطفال، وبالونات يوم عيد الشكر، بل ان احدى الشركات لجأت الى توزيع ألبوم كامل لشعاراتها مثل لعب الأطفال، وأغطية الرأس وكوبونات دور السينما والجاكيتات والساعات وسلاسل المفاتيح، وورق اللعب والأكواب وشعارات على مواد لأعياد الميلاد وغيرها من الاحتفالات. وبعض الشركات يفعل ذلك من خلال منافذ البيع. وكثير من الشركات يصرح باصدار كتب الحساب للصغار تتطلب شراء واستخدام أنواع من الحلوى والكعك والحبوب المحلاة بالسكر. وهذه الكتب تقوض أي ارشادات لا تتفق مع تلك الاطعمة، وهي تعلم الاطفال العمليات الحسابية عن طريق عد قطع الحلوى والحبوب المحلاة والكعك المرسومة على قطع رمزية ووضعها على الأجزاء المخصصة لها على صفحات الكتاب أو المساحات المفرغة فيها، وهي بهذا تعلم الاطفال «الحاجة» الى هذه الأطعمة المطبوعة على كل صفحة. وعلى الرغم من أن الهدف التجاري الواضح منها فهي تبيع كميات كبيرة، هي شائعة بين المعلمين وأولياء الأمور. ويعدد الكتاب عشرات النماذج من المواد والمغريات التي تقدمها شركات المشروبات الغازية، مثل وضع شعاراتها على المحلات التي تبيعها وتأجير مخازن لها في المطارات الدولية، وتوزيع عربات صغيرة هي نماذج من عربات توزيع المشروبات، والدبابيس الأولمبية، والعروس باربي، وسيارة فولكسفاغن من طراز بيتلز، ودباسات الورق، وزجاجات حليب الأطفال، وتوزيع بطاقات تمنح تخفيضات في حضور المناسبات الرياضية، وايجارات أشرطة الفيديو، والوجبات السريعة والحلوى، وحتى عند الحلاقين والبريد الصوتي. التركيز على المدارس تحت عنوان التركيز على المدارس تتناول ماريون نسلة الأساليب التي تتبعها شركات الأغذية قائلة: ليست كل العائلات مالكة لأجهزة الكمبيوتر، ولكن معظم الأطفال في أميركا يذهبون الى المدارس، ولا عجب في ان تعتبر شركات الأغذية طلاب المدارس صيداً ثميناً باعتبارهم فرصة تسويقية لا مثيل لها بقوتهم الشرائية وأعدادهم الكبيرة، وباعتبارهم زبائن المستقبل. وترى المؤلفة ان المؤسسات تشعر بقلق حقيقي على حالة التعليم في الولايات المتحدة، كذلك من المعروف ان المؤسسات تسهم في تمويل المدارس الذي تفتقر اليه بشدة نظراً لفقر مواردها، وان هذا التمويل يتم مقابل الإعلان، وهنا يبدو الخيط دقيقاً جداً بين حب الخير والاستغلال. ويعرف مسئولو الإعلان جيداً الخيط الذي يعبرونه. ومع ذلك فإن بعض المسئولين عن المدارس ما زالوا غير مقتنعين بفائدة الإعلان سواء للمدارس أو المجتمع. وتتحدث المؤلفة عن أبرز مثال لاقتحام النزعة التجارية لمدارس الأطفال في أميركا، ويتمثل ذلك فيما يسمى (القناة رقم 1) التي تبث برنامجاً تلفزيونياً مدته 12 دقيقة إلى 12 ألف مدرسة في جميع أنحاء أميركا، ويشاهده يومياً 3,8 ملايين تلميذ، وتخصص دقيقتان من كل برنامج للإعلانات التجارية. وتوفر الشركة الخاصة المالكة للقناة (1) لكل مدرسة أجهزة التلفزيون ومعدات التركيب من برامج الكمبيوتر والتي تصل قيمتها الى نحو 17 ألف دولار، ومقابل ذلك تطلب الشركة أن يقوم التلاميذ في 80% من فصول المدارس بمشاهدة البرنامج طوال 90% من أيام الدراسة. وتقوم الشركات المعلنة بدفع مقابل للبرمجة يبلغ 200 ألف دولار عن الإعلان الذي تبلغ مدته ثلاثين ثانية، الأمر الذي يمكنها من جني أرباح سنوية تبلغ 30 مليون دولار. ويبدو أن الشركات تجد الاستثمار في هذه القناة مجدياً لأن العدد الذي اشترك فيها بلغ 12 ألف شركة في مقدمتها بالطبع شركات الأغذية، ولذلك يندر أن تجد طعاماً أو مشروباً لا يتم تسويقه في المدارس. وقد واجهت القناة (1) حملة نقد مريرة لا بسبب تدخلها التجاري فحسب، بل وكذلك لغباء برامجها الاخبارية، ولقيمة وقت المدارس الذي تهدره. وقد قدر النقاد قيمة هذا الوقت الضائع بنحو 8,1 مليار دولار سنويا، ونشرت صحيفة «نيويورك تايمز» تصريحاً لأحد النقاد يقول فيه «ان تنازل المدارس عن ساعة من وقتها كل أسبوع يجعل أجهزة التلفزيون فيها أغلى الأجهزة التي وقعت عيناك عليها. إن وقت الدراسة هذا ملك لدافعي الضرائب الذين اشتروه بأموالهم، وإذا شاهدت القناة (1) في 90% من أيام الدراسة، فمعنى ذلك انك تهدر 31 ساعة كل عام دراسي، ونحن نعاني من مشكلة بين المراهقين في هذا البلد، ومع ذلك نجد مدارس الحكومة تدعو الأطفال الى أكل أنواع الشوكولاته والمشروبات الغازية». ويكشف الكتاب عن حقيقة مخزية كشفتها التقارير، وهي ان المكانة المتميزة التي تحتلها تلك القناة داخل المدارس جاءت نتيجة لجهود مكثفة وباهظة التكاليف للوبي الشركات في واشنطن وحتى في ولايات مثل نيويورك تمنع الشركة في المدارس العامة. وتقف وراء القناة التلفزيونية 13 شركة على الاقل مهمتها مساعدة شركات الاغذية على تسويق منتجاتها بين اطفال المدارس، كما تساعد المعلنين على وضع شعاراتهم او نماذج منها على اغلفة الكتب وأشرطة الفيديو، ومواد تعليم الرياضيات، وبرامج القراءة، ولا يقل عدد المؤسسات او المجموعات التي تقدم المواد التعليمية للمدارس عن 75 مؤسسة على علاقة بصناعة الغذاء، ويتم اعداد هذه المواد المزودة بالصورة على يد منظمات أكاديمية شهيرة، وقد وصفها اتحاد المستهلكين في اميركا بأنها مواد تجارية وناقصة ومتحيزة وشديدة التبسيط. ومثال ذلك ان بعض تلك المواد صورت نوعا معينا من الحلوى المعروفة على انها غذاء يولد الطاقة لدى الاطفال. وهذه الشراكة مكنت شركات الاغذية من الاعلان عن منتجاتها في المدارس تحت قناع التعليم، وقد استطاعت احدى الشركات تقديم برنامج يحمل شعار «ملصقات للتعليم» وقد شجعت 50 مليون طفل في الاف المدارس الاميركية على تسليم ملصقات تلك الشركة التي كانت تنتج انواع «الشوربة» مقابل حصولهم على كرات السلة، وأجهزة كمبيوتر، وسيارات الميني فان. وتكاد تتفق الجماعات المعارضة لاخضاع المدارس للعوامل التجارية، على ادراك ابعاد المشكلة، وتكتب مقالات تحت عنوان «مدارس للبيع» و «تلاميذ للبيع» تفضح تجاوزات النزعة التجارية لشركات الاغذية الاميركية. العلم في مواجهة الاضافات ولعلها المرة الاولى التي يتعرض بعض خبراء التغذية فيها في دراسة موضوع مهم جدا في صناعة الاغذية، ويتصل اتصالا وثيقاً بصحة الناس، ففي فصل خاص تناولت مؤلفة الكتاب موضوع الاضافات التي تستخدمها شركات الاغذية مع الاطعمة المختلفة، والمؤلفة تسمى هذا الفصل الخاص باسم «العلم في مواجهة الاضافات»، وتذكر ان دولا كثيرة في اوروبا تطالب الشركات بتقديم ما يثبت ان المواد الاضافية مأمونة وفعالة، قبل الترخيص بتسويقها كأنواع من العلاج الصحي، كذلك تمنع هذه الحكومات طباعة اي مزاعم صحية على الملصقات التي توضع على المنتجات او في الاعلانات. الا انها عندما تتحدث عن بلادها تقول ان محلات الاغذية ومستودعاتها تعج بآلاف من تلك المنتجات وكثير منها به مواد اضافية مألوفة كالفيتامينات والمواد المعدنية التي تعرضت سنوات طويلة للدراسة والبحث، غير ان معظم المنتجات عبارة عن اعشاب وعقاقير نباتية، ومواد غذائية، وانزيمات وتراكيب للرشاقة والريجيم، التي يندر ان تكون قد تعرضت للفحص العلمي الدقيق الذي يحدد مركباتها الفاعلة وتأثيراتها البيولوجية والمستويات الآمنة من المقادير، او قدرتها على تسكين اعراض الامراض. وعلى الرغم من قلة عمليات البحث والفحص فان محلات الاطعمة الصحية تملأ ارففها بالمواد المضافة باعتبارها علاجاً لحالات معينة مثل: امراض الحساسية، والعظام، ونزلات البرد، والارهاق، والقلب، والمناعة، وصحة النساء، او مجرد العبارة العامة التي تقول: «الشعور بالصحة»! وتكفي نظرة واحدة عفوية لكي تبين سبب الانزعاج الذي يشعر به المسئولون الحكوميون بشأن سلامة الاغذية وحماية المستهلك، في هذه النظرة تصادفك اسماء مثل: بناة الدم، قوة وحشية، مساعد الكوليسترول، داعم الكبد، الاعشاب الملينة، الاعصاب والدماغ، كالسيوم هشاشة العظام، النوم العميق، وعشرات غير هذه الاسماء، وقد حدث ان التقطت المؤلفة عشوائيا منتجا من الرف المخصص لما اسمته الشركة الصانعة «مقوي المناعة» وكان الملصق على المنتج يقرر انه يحتوي علي مستخرجات ثمار البلسان والزنك وشمع عسل النحل، وفيتامين (ج) وكانت النشرة المرافقة لذلك المنتج توضح ان هذه المكونات جميعها «موثقة جيدا» بسبب منافعها الصحية. وتقول المؤلفة ان هذه النشرة تثير التساؤلات في ذهن الانسان، ومعروف بطبيعة الحال ان الزنك وفيتامين (ج) ينشطان المناعة، لأن جميع الفيتامينات والمواد المعدنية مطلوبة في نظام المناعة الصحي، ولكن ماذا بشأن المواد الاخرى التي احتواها المنتج؟ تجيب المؤلفة على ذلك بقولها: «ليست هناك اي وسيلة لمعرفة ما اذا كان هذا المنتج يشتمل بالفعل على هذه المكونات المشار اليها في الملصق، ولا ما اذا كانت فعالة او مأمونة او تؤدي الوظيفة، التي يدعيها الاعلان، ولا توجد اي اشارة الى موافقة اي جهة حكومية عليها وتقويمها». وعلى عكس الحماية التي توفرها دول اوروبا للمستهلك، لا يتلقى المستهلكون الاميركيون اي مساعدة من حكوماتهم لتقويم الاضافات الغذائية، ولذلك فان الفوضى السائدة في سوق تلك الاضافات هي نتيجة لنشاط سياسي لصناعها بلغ ذروته باصدار قانون عام 1994 بشأن الاضافات الغذائية والتربية، وقد منح القانون لصناعة المواد المضافة كل ما تريد، ونسف السلطة التنظيمية لوكالة الاغذية والعقاقير الاميركية، بالنسبة للاضافات والاطعمة التقليدية على السواء، مما حرم تلك الوكالة من ممارسة مسئولياتها للرقابة والتأكد من دقة المعلومات المثبتة على ملصقات الاغذية. وبصدور ذلك القانون كان الكونغرس يستجيب لحملة قادتها صناعة الاغذية، بحجة منح الاميركيين «حرية الاختيار» وعلى ان الصناعة حققت ارباحا قدرها اربعة بلايين دولار فقط عام 1994 فان مجموع زبائنها شمل على الاقل نصف عدد السكان البالغين، ولذلك رأى الكونغرس ان صناعة الاضافات الغذائية تعتبر جزءا لا يتجزأ من اقتصاد الولايات المتحدة، ومنع وكالة الاغذية والعقاقير من فرض ما أسماه الكونغرس «حواجز تنظيمية مفرطة» قد تجعل المستهلك يحجم عن الشراء، وتؤكد فقرات قانون 1994 مدى نفوذ صناعة المواد الغذائية، المضافة في الكونغرس الاميركي، وترى ماريون نسلة ان مواد القانون الاربع صيغت لكي تمنع اي تدخل فيدرالي في مصالح تلك الصناعة، فالمادة الاولى وسعت تعريف الاضافات الغذائية، لأبعد من الفيتامينات والمواد المعدنية، لتشمل ايضا المنتجات النباتية ومنتجات الاعشاب والرجيم التي لم تخضع للفحص الشامل، اما المادة الثانية فقد نصت على ان صناع المواد المضافة ليسوا في حاجة لاثبات ان منتجاتهم كانت مأمونة قبل عرضها للبيع، وعلى النقيض من ذلك طلب الكونغرس من وكالة الاغذية والعقاقير ان تقوم هي بتقديم الدليل على ان تلك المنتجات كانت غير مألوفة قبل ان تأمر بسحبها من الاسواق، فضلا عن ذلك فان القانون جرد الوكالة من سلطتها المستقلة التي كانت تخول لها سحب المنتجات، وتخرج المؤلفة من ذلك الى ان الكونغرس يعتنق افتراضا واحدا لتغطية موقفه مؤداه ان المواد الاضافية المطروحة في الاسواق سليمة. وقد نقل الكونغرس المسئولية عن السلامة من الصناعة الى الحكومة التي نقلتها بدورها الى الجمهور، اما الكونغرس فتقول عنه المؤلفة انه اضعف قدرة وكالة الاغذية والعقاقير على حماية الجمهور من المواد المضافة الخطرة في حقيقتها، فضلا عن اضعاف سلطتها في رقابة الاساليب الملتوية في تسويق الاطعمة، والاغذية المضافة، وحتى العقاقير. وقد اعتبرت صناعة الاغذية المضافة ذلك انتصاراً كبيراً وهللت له بحماس، ويتمثل هذا الانتصار في اعفاء الصناعة من اللوائح والقوانين. ومن الجلي ان القوة الدافعة وراء هذا الانتصار هي الضغوط التي مارستها الصناعة من اجل مصالحها التسويقية وفي رأى مؤلفة الكتاب وبعض العلماء ان ذلك يعكس ايضا وجهتي نظر متعارضتين عن دور العلم في السياسة العامة. فمن الناحية النظرية يفترض ان تكون سياسات وكالة الاغذية والعقاقير مبنية على العلم، وعلى العكس من ذلك يستند صناع الاغذية الى حجة ترى ان من حق البالغين ان يقرروا بأنفسهم ما اذا كان منتج ما فعالاً ويستحق الشراء، وذلك على اساس من معتقداتهم الشخصية وخبراتهم ، وهكذا فان اصحاب وجهة النظر الثانية هذه يتجهون الى اعتبار الاضافات الغذائية، مفيدة للصحة، ومعالجة لحالات سوء التغذية الناشئة عن عادات الاكل الفقيرة والتلوث والاكتئاب والتقدم في السن، كما انها غير ضارة على عكس معايير وكالة الاغذية والعقاقير، وعلى العكس تماما يعتقد المؤمنون بضرورة الاستناد الى الحقائق العلمية ان معظم المواد الغذائية، المضافة هي موضع تساؤلات بشأن محتواها ومدى سلامتها وافتقارها الى البراهين المؤكدة لفوائدها الصحية المزعومة. وتصف المؤلفة هذه الاختلافات بأنها تمثل صراعا بين ثقافتين، وانها تبين حجم الفجوة في سوء الفهم المتبادل بينهما والذي يوجد بين العلماء وغير العلماء. وقد ازدادت تلك الهوة على مدار السنين كلما حاولت وكالة الاغذية والعقاقير فرض مستويات جديدة لرقابة الاغذية المضافة وعدم الخلط بينها وبين العقاقير. حتى وصل الصراع الى ذروته في عام 1966 عندما قام صناع تلك المواد وانصارهم باغراق الكونغرس بأكثر من مليوني رسالة، تزيد عما ارسل في فضيحة ـ ووترجيت ـ للاحتجاج على مشروعات القوانين التي تطالب بتدخل الكونغرس وقامت منظمة اللوبي خاصة بصناعة المواد الصيدلانية، تؤيدها 12 شركة عقاقير تنتج الفيتامينات المضافة، بالاحتجاج على وكالة الاغذية وجرتها وراءها الى المحاكم. واخيرا استسلمت الوكالة في عام 1979 بعد 25 عاما من الجهود غير المجدية لتنظيم صناعة الاغذية المضافة، وعند هذا المستوى من المبالغة في القتل يسهل فهم اساليب جماعات صناعة الاغذية التي اتبعتها لاقناع الكونغرس بالتدخل والموافقة على قانون يمنع الوكالة من تحديد انواع الاضافات الغذائية التي تعتبرها من العقاقير ورغم ان القانون لم يصدر، الا ان اساليب الصناعة ادت الى قيام الوكالة بسحب دراستها اليتيمة المثيرة للجدل، وهكذا اصبح صناع المواد المضافة في تسويق الفيتامينات والمواد المعدنية مهما بلغ حجم جرعاتها. وتتناول ماريون نسلة مدى النجاح الذي تحققه ضغوط شركات الاغذية حتى على البيت الأبيض وتستشهد على ذلك بما حدث في عام 1992. في شهر نوفمبر من ذلك العام عمدت وكالة الاغذية الى تقديم نسخة نهائية من اللوائح التي تنظم المعلومات التي تحتويها الملصقات على الاطعمة، وكانت الوكالة قد وضعت هذه اللوائح بالاشتراك مع وزارة الزراعة، ومرة اخرى تتدخل القوى السياسية، وتأتي الضغوط هذه المرة من جانب وزارة الزراعة نفسها التي لم تكن قد وافقت نهائيا بعد على وضع القواعد الخاصة بملصقات اللحوم والتي تتفق مع تلك التي اقترحتها الوكالة. وعلى الرغم من علم مسئولي الوزارة بأن اللحوم ومنتجات الالبان من المصادر الاساسية للدهون في النظام الغذائي الاميركي، فانهم لم يكونوا يريدون وضع معلومات تقترح على المستهلكين ان يتناولوا كميات قليلة من تلك الاغذية. وعندئذ بدأت الضغوط لوقف نشر تلك الملصقات. وقامت شركات الاغذية بالضغط على ادارة الرئيس الاميركي الاسبق جورج بوش وعلى البيت الابيض بالذات لكي يتنازل ويكتفي بنشر تعليمات الملصقات مرة واحدة لا غير. وكانت الشركات في عجلة من امرها نظرا لان الرئيس لاميركي بيل كلينتون كان قد فاز لتوه في انتخابات الرئاسة، وخشيت الشركات من تأجيل الموضوع وعندئذ تبدأ مناقشات جديدة في ظل الادارة الاميركية الجديدة، وبمجرد موافقة الوكالة على رفع نسبة الدسم المسموح بها في منتجات الالبان قليلة الدسم، اسرعت ادارة بوش الى الموافقة على تلك اللوائح.