الاثنين 7 محرم 1424 هـ الموافق 10 مارس 2003 خلال تاريخها الذي يمتد الى قرابة الستين عاماً، التزمت صحيفة «لوموند» الفرنسية التي تحظى بتقدير كبير بتنوير قرائها وابقاء السياسيين، وقادة المال والاعمال والشخصيات العامة في حالة تيقظ دائم، بتغطيتها العنيدة لصراعات المصالح واساءة استخدام السلطة والتحايل المالي، والآن تجد هذه الصحيفة نفسها موضوعاً للنوع ذاته من التدقيق والتمحيص الذي برعت هي في ممارسته على مدار السنين، ففي كتاب «الوجه الخفي لصحيفة لوموند» الذي نشر في فرنسا مؤخراً يذهب الصحافيان فيليب كوهين وبيير الى ان الصحيفة اليومية الفرنسية متورطة في انتهاكات واسعة النطاق لأخلاقيات العمل الصحافي. وحتى قبل طرحه الى الاسواق، فقد احدث الكتاب ضجة اعلامية مدوية، ضامناً لنفسه مكانة على رأس قوائم افضل الكتب مبيعاً في فرنسا وان يصبح موضوع النقاش في سائر المقاهي الباريسية. ويصف المؤلفان الصحيفة التي تعد ايقونة فرنسا في الروح المهنية والاستقامة الصحافية بأنها فاسدة من الداخل بسبب «خيانة» مديري «لوموند» ووفقاً لكوهين وبان، فإن الصحيفة «انصرفت بشكل تدريجي غادر عن دورها كقوة مضادة لاساءة استعمال السلطة» ويدعي المؤلفان ان رؤساء ومديري التحرير استخدموا سلطان ونفوذ «لوموند» لدعم او مهاجمة السياسيين وكسب مواقع بارزة في صفقات المال والاعمال واخماد اي اصوات معارضة في صفوف كوادرها او وسائل الاعلام المنافسة. اطلقت «لوموند» في عام 1944 بأمر من شارل ديغول لتكون مصدراً موضوعياً للأخبار ولحماية استقلالية وموضوعية هيئة التحرير، اوجد مؤسس الصحيفة هوبير بوف ميري نظاماً من الضوابط والتوازنات يتضمن انتخاب رئيس تحرير «لوموند» من كوادرها، وهيكلية دائمة تتيح ايقاف تمرير اي قرار كبير بأصوات الأقلية لكن كوهين وبان يقولان ان هذا النظام والمهمة الأصلية التي انشئت من اجلها الصحيفة، تم اغتصابهما من ثلاثة مديرين يشغلون السلطة منذ قرابة العشرة أعوام: الرئيس التنفيذي جان ماري كولومباني، رئيس التحرير ادوي بلينيل ورئيس مجلس الادارة ألان مينك. تولى هذا الثلاثي ادارة الصحيفة التي كانت تعاني من متاعب مالية في عام 1994 وسعوا الى استرداد عافيتها من خلال استجداء استثمارات جديدة وتحقيق مكتسبات واطلاق مشروعات تجارية جديدة لكن كوهين وبان يجادلان بأن المديرين الثلاثة سمحوا للاحتياجات المالية للصحيفة بأن تحدد سياساتها التحريرية ويستشهد المؤلفان بامتداح «لوموند» للمجموعة النرويجية «شيبد ستيد» ناشرة الصحيفة اليومية المجانية «20 مينتس» التي مثل منافستها «مترو»، توزع مجاناً في محطات النقل العام في المدن الكبرى في انحاء اوروبا ويشير الكتاب الى ان مديري «لوموند» كانوا يأملون باقامة تعاون عملياتي مع «20 مينتس» مقابل شراء حصة من أسهمها بسعر تفضيلي، لكن عندما تعكرت اجواء الشراكة، اندفعت «لوموند» فجأة الى الهجاء في مقالة افتتاحية مشيرة الى المخاطر التي تشكلها مثل هذه المطبوعات المجانية على الصحافة المطبوعة. ويروي كتاب «الوجه الخفي لصحيفة لوموند» ايضاً بالتفاصيل كيف دأب مديرو الصحيفة على تخويف وتقويض او تقوية زعماء المال والاعمال والسياسيين ويزعم المؤلفان ان تقارير لوموند اضفت سمة دراماتيكية على الاتهامات التي اسقطتها المحكمة في نهاية المطاف والتي ادت الى سقوط وزير المالية المحبوب جماهيرياً دومينيك ستراوس الذي كان في عام 1999 وكانت «لوموند» ايضاً في طليعة التغطيات الصحافية القاسية للمصاعب المالية التي اعترت شركة التسلية والترفيه العملاقة «فيغندي يونيفرسال» وهو ما لعب دوراً مهماً في سقوط الرئيس التنفيذي للشركة جان ماري ميسييه لكن تغطيات «لوموند» لهذا الموضوع، كما يجادل الكتاب، لم تصبح ضارية الا بعد ان ضمنت الصحيفة ابرام اتفاقات تجارية تفضيلية مع «فيغندي يونيفرسال» وعقب قيام ميسييه بطرد مسئول تنفيذي في الشركة يشغل ايضاً مقعداً في المجلس الاداري للصحيفة. هدد مديرو لوموند الثلاثة بمقاضاة مؤلفي الكتاب وهم لم يردوا بالتفصيل على الادعاءات التي تضمنها الكتاب لكن الصحيفة قالت في احدى افتتاحياتها ان «الكراهية تسكن هذا الكتاب» . وقد نفدت الطبعة الاولى من الكتاب خلال ساعات من طرحها في الاسواق، ومنذ ذلك الحين ضجت الصحافة المقروءة والمرئية بمناظرات حول الاتهامات ودرجة مصداقيتها وقال دانييل شنايدرمان، الناقد الاعلامي في لوموند: «لقد ألقى هذا الكتاب بظلال الشك حول لوموند ومن واجب الصحيفة الآن الرد على الاتهامات، لا سيما وان العديد منها غير صحيحة». ترجمة : على محمد عن « تايم »