الاثنين 7 محرم 1424 هـ الموافق 10 مارس 2003 لدى تناولهم العمليات الفلسطينية في اسرائيل، درج قادة جهاز الامن على اختلاف أذرعه المختلفة على ايضاح أن المواجهة بين اسرائيل والفلسطينيين، بلغت «عام الحسم» فيها. بيد ان العملية الانتحارية التي وقعت مؤخراً في باص مسافرين لشركة «ايغيد» في حيفا تبرهن انه ينبغي الامتناع عن استخدام هذا التعبير: فرغم عمليات الاحباط العديدة التي نفذها جهاز الأمن، بما فيها - احباط عمليات انتحارية مخططة، فان العنف الفلسطيني يستمر. خمسة عشر قتيلا في عملية حيفا يرفعون عدد المدنيين الاسرائيليين الذين قتلوا في عمليات مماثلة منذ بداية المواجهة في نهاية سبتمبر 2000 الى 521. وأضافة الى ذلك قتل ايضا 226 من رجال قوات الأمن الاسرائيليين. العدد الكبير للاحباطات مهم، ولكنه ليس كل شيء. فهو من ناحية اسرائيل يدل على المستوى العالي للعمل الاستخباري وتحقيق نتائج طيبة في التحقيق مع المشتبه بهم الفلسطينيين. أما من ناحية المنظمات الفلسطينية في المناطق، فان الاحباطات الكثيرة قد تدل على مستوى تنفيذي منخفض لديهم، بيد ان مبادرات العنف - حتى عندما لا تتحقق - تبرهن انه لم يتضرر الدافع للمس باسرائيل والانتقام من مواطنيها. المرة تلو الاخرى يوجد شبان فلسطينيون مستعدون للتضحية بأنفسهم في العمليات، عندما يقتلون اسرائيليين. ويحتمل ان يكون تيار المتطوعين للانتحار صار هزيلا، ولكن من الجهة الاخرى فانه في المناطق لا تنقص أحزمة ناسفة للقائمين بهذه العمليات. مر شهران منذ العملية الانتحارية السابقة في 5 يناير - 23 شخصا قتلوا وأكثر من 100 أصيبوا في حينه في عملية انتحارية مزدوجة، هي الاخرى في نطاق الخط الاخضر - في نفيه شيآن في تل ابيب. وقبل ذلك ايضا، في الشهرين الاخيرين من العام 2002، فشلت المنظمات الفلسطينية في تحقيق معظم العمليات الانتحارية التي خططت لها: في نوفمبر وقعت عملية انتحارية واحدة (11 قتيلا و50 جريحا في عملية في باص ايغيد على خط 20 في القدس)، وفي ديسمبر لم تقع أي عملية لانتحاريين. في هذه الاشهر الثلاثة (من نوفمبر وحتى يناير) نجح جهاز الامن في احباط ما مجموعه 36 عملية انتحارية مخططة، وفي الشهرين الأولين للعام 2003 منعت 123 عملية اخرى. وتدل هذه المعطيات على الاعمال المتفرعة للمنظمات الفلسطينية، والتي تتواصل رغم الضربات التي يتلقونها من جانب اسرائيل. ولا يزال هناك عشرات الشبان الفلسطينيين المستعدين للخروج في عمليات انتحارية. وحتى وقت قريب لم يصدر بيان تعلن فيه أي منظمة في المناطق مسئوليتها عن العملية في حيفا، ولكن يبدو انه يمكن النظر الى العملية كرد من جانب حماس والجهاد الاسلامي على الهجوم الواسع الذي يشنه الجيش الاسرائيلي ضدهما مؤخرا. في الضفة الغربية ضربت المنظمتان الاسلاميتان، وأذرع القيادة لديهما بقيت مشتتة. وفي ضوء ذلك، فان قادة حماس في قطاع غزة يجتهدون للتفعيل من اراضيهم ما تبقى من خلايا، ولكن الخروج من القطاع الى داخل اسرائيل أكثر صعوبة، بسبب جدار الفصل. ولهذا فانهم يحاولون استخدام الخلايا المنتشرة في الضفة لضرب اسرائيل. وقدرت اوساط الجيش الاسرائيلي بأن نشطاء حماس في الضفة سيجدون صعوبة في التخلص من الضربات التي تلقتها منظمتهم منذ دخول الجيش الاسرائيلي الى المدن الفلسطينية، ولكن عملية حيفا عادت لتدل على انه لا توجد امكانية للاغلاق التام والمحكم لاسرائيل، بحيث يمنع دخول انتحاريين تماما. وتجري العمليات الهجومية التي يقوم بها الجيش الاسرائيلي الآن في قطاع غزة أساسا - فقوات كبيرة تتوغل بين الحين والآخر الى القطاع كي تضرب هناك أهدافا مختلفة لحماس والجهاد الاسلامي، بما في ذلك ضرب المخارط التي تستخدم لانتاج الصواريخ والراجمات. والمداهمتان الاخيرتان للجيش الاسرائيلي في اراضي القطاع - في خانيونس ومخيم البريج للاجئين - أوقعتا خسائر كثيرة بالفلسطينيين، بما في ذلك المدنيون وألحقتا أضرارا جسيمة. ويحتمل ان تكون حجة اخرى لتنفيذ عملية كبرى هو الحدث السياسي المرتقب في السلطة الفلسطينية: انتخاب رئيس وزراء لا يكون متعلقا بكل خطواته وقراراته برئيس السلطة، ياسر عرفات. ويحتمل ان يكون قادة العمليات الفلسطينية قصدوا جر اسرائيل الى ردود فعل شديدة، مما يمنع خطوات الاصلاح المخططة، بما فيها تعيين رئيس وزراء. وفي الجيش الاسرائيلي يضغطون لتشديد الهجمات في قطاع غزة، ولكن التعليمات السياسية هي الامتناع عن التوسيع الزائد لهذه العمليات وذلك كي لا تعرقل الاستعداد الأميركي للحرب المتوقعة في العراق من الناحية السياسية. ولكن من ناحية الفلسطينيين، وحماس بالأساس، فان هذه المسألة ليست على جدول الاعمال اطلاقا. وفضلا عن ذلك يحتمل ان يكون اقتراب الحرب في العراق يشجعهم على المزيد من العمليات. وأصحاب القرار في اسرائيل سيكونون مطالبين الآن بالقرار عمليا كيف يمكن الرد على العملية الشديدة في حيفا من دون توسيع الهجمات في المناطق بقدر أكبر مما ينبغي. عن «هآرتس»