الاثنين 7 محرم 1424 هـ الموافق 10 مارس 2003 كم كان لطيفا الاستسلام لوهم الهدوء.اسبوعاً بعد اسبوع بعد اسبوع، واذا بالمشكلات الاقتصادية التي كانت قد نسيت، تعود الى العناوين، فمن كان يصدق ان الانشغال بالمشكلات الاقتصادية سيكون تعبيرا عن الحياة الطبيعية، حتى ولو بشكل مؤقت ووهمي.المسألة هي ـ بقدر ما هي محزنة ـ ان ثمة علاقة بين عمليات الاعتداء وبين الوضع الاقتصادي. الامر هكذا فعلا، فعلى امتداد الاسابيع الماضية عادت جميع الاوساط الامنية الى القول. الاستعداد للانتحار لم يهبط، ونية تنفيذ عمليات مستمرة على الرغم من ان القدرة على تنفيذها قد تضررت. كان واضحا انه ما دام لا يوجد نجاح مئة بالمئة في احباط العمليات. فان العملية القادمة ستأتي لا محالة. وجاءت فعلا. خلال السنتين الماضيتين ـ السنتين اللتين سجلتا ارقاما قياسية جديدة في عدد قتلى ومصابي العنف ـ لم تخرج عملية واحدة ـ اجل واحدة! ـ من قطاع غزة. صحيح انه بين الحين والاخر تطلق بضعة صواريخ قسام، وهي مسألة يتوجب علاجها، ولكن جميع الاضرار الناجمة عن صواريخ قسام لا تعادل الاضرار الناجمة عن عملية واحدة يقوم بها انتحاري. وهكذا فكل من يزعم ان الجدار لا يوقف صواريخ قسام، عليه ان يتطرق الى الحقائق، ان حساب الدماء ليس بالامر اللطيف ولكن لا مناص منه. اذا اردنا حقن الدم فيجب اجراؤه. وفي هذا الحساب، من اللائق القول ان الجدار الفاصل لا يمنع الصواريخ، بيد ان مشكلتنا هي الانتحاريون. لحزب الله ايضا توجد صواريخ، ومن اللحظة التي خرج فيها الجيش الاسرائيلي من جنوب لبنان، وبالرغم من جميع التصريحات والنوايا الخاصة بافراد حزب الله، فان عدد الاصابات قد هبط بصورة كبيرة، هذه حقيقة وليست تقديرا. مؤخراً، ردت محكمة العدل العليا التماسا لانصار الجدار الفاصل، الذين طلبوا فيه الزام الدولة برصد ميزانية للجدار. كان قرار المحكمة محقا. فليس من مهمة القضاة البت في توزيع الميزانيات، ولكن ذلك لا يعفي اولئك الذين كان يتوجب عليهم الرد على الالتماس ـ رئيس الحكومة، وزير الامن ورئيس الاركان العامة ـ لا يعفيهم من مسئولية التقاعس. هم يعرفون انه لم تخرج عملية اعتداء واحدة من غزة بفضل الجدار فقط. وهم يعرفون ان المواطنين الاسرائيليين مهتمون تماما، فقط لان اقامة الجدار تأخرت اعواما. في البداية لان قرار بنائه قد تأخر، ولكن حتى بعد اتخاذ القرار فان البناء يتم بتباطؤ شديد. هم يعرفون انه كان بمقدور الجدار منع وقوع معظم العمليات، واذا ما اتخذنا من قطاع غزة مثالا، ربما كان يمنع جميع العمليات. ولكن بالرغم من كل ما يعرفون فهم على موقفهم. لماذا؟ على افتراض انهم ليسوا حمقى، فالجواب كامن في مجال واحد فقط، التخوف السياسي من ان يتحول الجدار الى حدود سياسية. وحين نتذكر ان حماس ومجلس المستوطنات فقط، بالاضافة الى مجلس عرفات الوزاري المصغر، هما اللذان عارضا. قرار الحكومة اقامة الجدار الفاصل،عند ذاك تتضح الصورة. ان جبهة مقاومة الجدار الداخل تضم جميع الفلسطينيين الذين لا يريدون دولة فلسطينية الى جانب اسرائيل، بل في مكان اسرائيل، وجميع الاسرائيليين الذين يريدون دولة اسرائيل في مكان الدولة الفلسطينية بكل معنى الكلمة. في هذه الجبهة، ولا يجب ان ننسى ذلك، ثمة انصار يسار من المؤيدين للصهيونية او المناهضين لها، مثل كتلة السلام (غوش شالوم) او الكاتب دافيد غروسمان، الذين نشروا المقالات الضافية الحماسية ضد الفصل. هذا النجاح المدهش لانصار فكرة الدولة الكبرى، ثنائية القومية، غير اليهودية، يناقض كل منطق اسرائيلي، كما يناقض رغبة معظم الجمهور ايضا. انه لمن غير المهم تماما ان المستوطنين يقصدون غير ما يقصده الفلسطينيون. ومن غير المهم ان اعضاء اليسار في هذه الجبهة يقصدون شيئا يغاير ما يقصده المستوطنون. المهم هو النتيجة فقط. والنتيجة هي، انه دون فصل، لا يقتصر الاذى على فكرة الدولة اليهودية فحسب، بل ان المزيد من الدم الاسرائيلي والدم اليهودي يتم سفكه. ان الجدار الفاصل ليس أملنا على المدى البعيد من اجل المحافظة على وجود دولة يهودية ومنع نشوء دولة ثنائية القومية فحسب، بل هو امر الساعة، ويوم امس حصلنا على دليل اخر. عن «معاريف»