الاثنين 7 محرم 1424 هـ الموافق 10 مارس 2003 الآن، بعد ان أكملت جولة دموية اخرى مسارها، والمتشددون من أبناء الشعبين يعملون على بدء جولة دموية جديدة، يجدر العودة الى الهمس، ببعض الحقائق الأساسية التي لم تتغير ولن تتغير: لن يحل السلام على اسرائيل طالما لم تترك كل المناطق المحتلة التي في أيدينا منذ العام 1967. ولن يحل الهدوء على اسرائيل طالما لم تُهجر كل المستوطنات. ولن تحل السكينة طالما لم يُدع كل المستوطنين، باحترام وبسخاء، للعودة الى دولة اسرائيل. لا مخرج آخر. لا سبيل آخر. ستكون لنا الراحة فقط عندما يكون لهم المستقر. أصحاب الرؤى السوداء يدرجون على الاضافة: وحتى لو لم يأت السلام والسكينة فورا، فعلى الأقل فاننا سنتخلص من لعنة المناطق ومن وباء الاحتلال ومن التلوث الاخلاقي للاحتفاظ بها. وسيكون في ذلك خلاصنا. ولكن الاشخاص المقتنعين بأن ليس هناك مشكلة لا يمكن حلها من خلال بنادق القناصة ومسدسات القتلة والجرافات ذات السواقين السكارى، أو الدبابات بالمقذوفات السريعة، لا يعرفون ذلك. انهم لا يعرفون سوى التدمير والقتل والفقدان والهدم والسحق. وهم مقتنعون بأنهم فقط اذا ما دمروا وقتلوا وألحقوا الفقدان وهدموا وسحقوا بقوة أعظم، وبمزيد من القوة الأعظم، فان كل شيء سيتدبر، وكل شيء سيحل، وكل شيء سيقع في مكانه بسلام. اولئك اشخاص لو كان لديهم محل لبيع الأحذية لكانوا احتفظوا بأحذية من قياس واحد فقط، وبلطة. ولكن ليس لديهم محل لبيع الأحذية. لديهم دولة. وبلطة. فهل هم يؤمنون حقا بأن ضربات بلطاتهم تحل أي شيء؟ لعل فيهم بعض من هؤلاء. وهم يعرفون جيدا بأن البلدوزر والهيلوكبتر، لا يجلبان شيئا سوى المزيد من الدم. ولكن حذار ان يشتبه بهم أحد بأنهم فقط لغرض الثأر والكبرياء يصرون على مواصلة ما ثبت المرة تلو الاخرى كأمر عديم المنفعة. هناك نهج في هذا الضياع. فهو منسجم وعنيد وطويل الأمد. خط مباشر وواضح يصل بين تسلق أرييل شارون الى ساحة المسجدين وبين المصفى اليومي، وموجة الخرائب اليومية، والطفل الميت يوميا، والزرع المقتلع يوميا. غاية هذا النهج واحدة ألا وهي تحقيق الخطة القديمة والوحيدة لشارون، تلك التي فشلت (بسبب اليساريين النتنين ومناحيم بيغن رجل الفضاء) في العام 1982 في لبنان: الفلسطينيون - الى الاردن، والمناطق المحتلة والفارغة - الى اسرائيل. هو وطغمته العسكرية، من يمينه ومن تحته، لن يرتاحوا ولن يهدأوا الى ان تتوج الكراهية المتبادلة وأنهار الدماء ولجة الاحباط والغضب واليأس، هناك ايضا حكومة مثل تلك التي نجحوا أخيرا في تتويجها هنا ايضا، سيئة المزاج، مفعمة بالهذيان الديني، تواقة لكل البلاد، تكره كل الآخرين. حكومة حقا ليس فيها مع من، وليس فيها على ماذا، يمكن الحديث. وعندما يكون على طرفي المتراس حماسهم قبالة حماسنا، وكتائب الأقصى مقابل كتائب الهيكل، الشهداء مقابل الشهداء، سيكون ممكنا التهنئة بالانجاز. ان السبيل الى الفوضى النازفة سيكون في حينه مهيئا ومفتوحا على مصراعيه. ومن الفوضى النازفة، كما يعتقد شارون، لن يكون من الصعب عليه الوصول الى غايته. فعاصفة الحرب الشاملة في معمعان دخانها «ستقع» نكبة اخرى من الهرب الفلسطيني الجماعي. لا يوجد بالطبع احتمال واحد في المليون في ان يتحقق هذا الهذيان المجنون. مخططات شارون غير قابلة للتطبيق أبدا. وهي فقط ترطب أرض المقابر وتجعل الثقوب في الصندوق. وفي هذه الاثناء يموت الناس. أكثر من ثلاثة آلاف اسرائيلي وفلسطيني، مئات منهم من الاطفال، الاغلبية الساحقة منهم أناس طيبون لم يقعوا في الخطيئة. هكذا هو الحال عندما يكون شارون يحطب الحلول بالبلطة، كثير من الشظايا تتطاير من اللهيب. ولكن هذه الصغائر لم تردع اريك أبدا. ففي جيبه منذ الآن بطاقة كتبها رئيس الوزراء تتهم صراحة متسناع بكل شيء. جيشي قتل امرأة في الشهر التاسع من حملها. أنا أعرف هذا، وزوجها يعرف هذا، وأخيها يعرف هذا، وأطفالها يعرفون هذا، وطاقم المستشفى في دير البلح يعرف هذا، وحفارو قبرها ومغلقو سدادته يعرفون هذا. فقط جيشي لا يعرف. العميد غادي شماني، الرجل الذي يقف على القطاع، أعلن على الملأ بأنه «لم توجد أدلة» تؤكد الزعم الفلسطيني. «لم توجد أدلة...». يا لها من صيغة بيروقراطية كاملة. الليبرالي المساعد في قسم الأزرق ما كان ليصيغ الامر بشكل أفضل. وها هي، سيدي العميد، الأدلة: اسم المدفونة هو نهى المقادمة، 33 سنة، كانت عند موتها، نهى رحمها الله دفنت حية في بيتها، على مرأى زوجها واطفالها. يمكنك ان تشخص البيت بسهولة. فهذا هو الخراب المجاور للخراب الذي خربه جنودك عن عمد. اسم زوجها، بالمناسبة، هو شكري، وهو لسبب ما شارد الذهن جدا في الآونة الاخيرة. ربما منذ ان رأى جثة زوجته في المستشفى، بمعنى - وجد الأدلة على انها ميتة. كما ان الجنين الذي في بطنها مات معها (مرفق طيه نموذج إسكات جنين - عدو بثلاث نسخ). جنين ميت هو أمر غير لطيف أبدا من ناحية دعائية. ولهذا سيدي العميد، يجدر جدا ان تخترع بسرعة بضع أدلة على ان رحم نهى كان في الواقع مخبأ تخفى فيه شهيد محتمل ألقي القبض عليه وهو يمسك بحبل سرة سميك نازف. لا ريب ان أغلب الشعب في اسرائيل سيقبل الأدلة المكتشفة. فهو جيد في هذا. عن «يديعوت احرونوت»